رغم الوعود الرسمية المتكررة بتحسين واقع الكهرباء في ريف دمشق، تعيش مدينة سقبا واحدة من أسوأ أزماتها الكهربائية، حيث يمتد انقطاع التيار لأيام متواصلة، ما شلّ حركة ورش المفروشات التي تُعدّ العمود الفقري لاقتصاد المدينة، وأدخل مئات العائلات في دائرة خسائر مفتوحة بلا أفق واضح للحل.
وتعود جذور الأزمة، إلى تراجع البنية الكهربائية في المدينة، إذ كانت سقبا قبل عام 2011 تتغذى من نحو 36 مركز تحويل كانت كافية لتغطية كامل المدينة، بينما لا يتجاوز عدد المراكز العاملة حالياً 23 مركزاً فقط، وهو ما انعكس مباشرة على قدرة الشبكة على تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات.
ورش متوقفة وخسائر يومية
في شوارع سقبا الصناعية، تبدو الورش مغلقة أو شبه معطلة، آلات صامتة، وعمّال يجلسون بانتظار تيار قد يأتي أو لا يأتي.
محمد البني، صاحب ورشة مفروشات في سقبا، يقول إن الكهرباء هي عصب مهنتهم ولا يمكن العمل من دونها. ويضيف لـ “الحل نت”: “المنشار، المكبس، كل شي واقف، كل يوم انقطاع يعني خسارة مباشرة، والطاقة الشمسية مانها حل بالشتا، ومولدة صعب اشتغل عليها ما بتوفي معي”.
“الطلب موجود، لكن ما في قدرة على التنفيذ، الزبون ما بينتظر، وإذا تأخرنا بيروح لمدينة ثانية، يعني خسارة شغل وسمعة”.
محمد البني، صاحب ورشة مفروشات في سقبا
ولا تقتصر الخسائر على أصحاب الورش فقط، بل تمتد إلى العمّال الذين يعتمد دخلهم على الإنتاج اليومي، حيث اضطر كثيرون منهم للجلوس في المنازل أو البحث عن أعمال مؤقتة لا تمت لمهنتهم بصلة.
ومع دخول فصل الشتاء، تتضاعف المعاناة، إذ تتسبب الأمطار والعواصف بتكرار أعطال المحولات الكهربائية المتهالكة، ما يطيل فترات الانقطاع ويجعل عودة التيار أكثر عشوائية، وفق ما قال صاحب ورشة تنجيد أثاث، لؤي الجربا، في حديث لـ “الحل نت“.
ويشير الأهالي إلى أن الأعطال الشتوية باتت شبه موسمية، دون صيانة جذرية أو استبدال فعلي للمراكز المتضررة، ما يجعل الشبكة أكثر هشاشة مع كل منخفض جوي.
المولدة ليست حل
مع طول فترات الانقطاع، لجأ بعض أصحاب الورش إلى المولدات الكهربائية، لكن هذا الحل، كما يقولون، أشبه بمسكن مؤقت بكلفة مرتفعة.
ويقول سامر الهذال، حرفي مفروشات، إن “سعر المازوت مرتفع، وصيانة المولدة مكلفة، ما يؤدي إلى خسارة”، مشيرا إلى أن” المولدة ليست حل، هي ترقيع”.
وأوضح الهذال في حديث لـ “الحل نت”، إلى أن تشغيل المولدة لعدة ساعات يستهلك أرباح يوم كامل، ما يدفع الكثيرين لإطفائها والاكتفاء بالانتظار، في مفارقة تلخص حال المدينة: ورش موجودة، طلب موجود، كهرباء غائبة.
في المقابل، يشتكي سكان سقبا من غياب أي توضيح رسمي حول أسباب الانقطاع الطويل أو جدول تقنين واضح، ما يزيد من حالة الغضب الشعبي. حيث لم يعد العاملون في الورش يطالبون بكهرباء طوال اليوم، بل معرفة ساعات الوصل والقطع ليتمكنوا من تحديد ساعات العمل، بحسب نادر حسين، عامل في ورشة مفروشات، مؤكدا أن “الغموض هو المشكلة”.
ويرى حسين أن تقليص عدد مراكز التحويل وغياب الصيانة، مقابل ازدياد عدد السكان والورش، خلق فجوة واضحة بين الحاجة الفعلية وما هو متاح، دون أي معالجة حقيقية على الأرض.
أخيرا، يخشى كثير من الحرفيين أن تؤدي الأزمة الحالية إلى خروج عدد من الورش من السوق بشكل نهائي، أو انتقالها إلى مناطق أخرى تتوفر فيها كهرباء أكثر استقراراً، ما يعني خسارة سقبا لهويتها الحرفية التي بنتها عبر عقود.
Loading ads...
ومع استمرار انقطاع الكهرباء، وتراجع البنية التحتية، يجد أهالي سقبا أنفسهم أمام معادلة قاسية: مهنة بلا كهرباء، شتاء يضاعف الأعطال، ودخل بلا استقرار، في مدينة كانت تُعرف يوماً بأنها عاصمة المفروشات، قبل أن تُطفأ آلاتها ويشتعل غضب أهلها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


