تعتبر السينما سلاحاً قوياً لنشر الأفكار والمعتقدات فهي تصل بسرعة وتترك أثرها بقوة وعمق. في السينما، الصورة بألف كلمة، فكيف لو وظفت تلك الصورة واستثمرت لتمرر رسائل سياسية ولخدمة قضايا إنسانية؟
شاءت الأقدار أن يعيش جزء من الوطن العربي حروبا، سواء انتهت بشكل سريع أو استمرت لعشرات السنين، الأمر الذي خلق مناخا جديدا لصّناع السينما بشكل عام، وترافق ذلك مع ظهور مخرجات سينمائيات آمنّ بأهمية الأفلام السينمائية وقدرتها على مناقشة مواضيع تمس الواقع وتداعياته سواء على صعيد اجتماعي أو اقتصادي وسياسي أيضا، فقدمن أعمالاً نجحت ونالت جوائز في مهرجانات عالمية حتى قبل أن تعرض في بلدها المنشأ.
كان للسينمائيات السوريات نصيبهن من هذا الظهور الذي فرض نفسه نتيجة الأحداث نفسها، فلمع اسم وعد الخطيب مخرجة الفيلم الوثائقي (من أجل سما) 2019 وهو الفيلم الذي كانت المخرجة قد صورته بشكل عفوي أثناء فترة حصارها في محافظة حلب وزواجها من الطبيب حمزة الخطيب وإنجابها لطفلتها سما ومن ثم مغادرتها هاربة. فاز الفيلم بجائزة بافتا وجائزة العين الذهبية لأفضل فيلم وثائقي في مهرجان كان السينمائي، الأمر الذي دفع المخرجة للعمل في العام 2016 على مشروع توثيقي لصالح قناة تلفزيونية لتسجيل الأهوال التي تعرضت لها حلب، حصلت عن المشروع على جائزة إيمي الدولية.
في العام 2024 بدأت وعد رحلتها التوثيقية التي سجلت عبرها تداعيات زلزال تركيا 2023 من خلال فيلم (موت بلا رحمة) الذي تطرقت فيه لجانب من المآسي التي تعرض لها السوريون سواء من كان منهم في تركيا أو في محافظة حلب المتاخمة حدوديا والتي تضررت هي الأخرى.
وعلى منوال الخطيب، استفادت المخرجة السورية سؤدد كعدان من الحرب السورية لتقدم فيلمين روائيين طويلين، الأول في العام 2018 بعنوان (يوم أضعت ظلي) وهو الفيلم الذي قدمها للعالمية بعد أن توج بجائزة "أسد المستقبل" في مسابقة "آفاق" ضمن مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، ولاحقا قدمت فيلمها الثاني (نزوح) الذي دارت أحداثه حول أسرة سورية ترفض مغادرة منطقتها المحاصرة، وبصرف النظر عن إشكالية الفيلم في طريقة طرحة ومعالجته للموضوع، إلا أنه وصل للعالمية بدوره.
هذا على صعيد سوريا، أما على صعيد عربي فيأتي اسم المخرجة اللبنانية نادين لبكي التي تأثرت بدورها بالحرب الأهلية التي عاصرتها، ورغم أن فيلمها الأول (سكر نبات) 2007 لم يكن سياسيا إلا أنها منذ ذلك الفيلم دخلت إلى العالمية، ثم جاء فيلمها الجدلي (هلأ لوين) في العام 2011 والذي دارت أحداثه حول العنف الطائفي في قرية افتراضية بعد انتهاء الحرب الأهلية في لبنان، ليشير إلى أنه رغم انتهاء تلك الحرب لا يوجد أي تقارب بين المسلمين والمسيحيين أو المذاهب الأخرى بين بعضها، فالتعايش والوحدة ما بين الطوائف -وفق الفيلم- ليس سوى "كذبة".
عرض الفيلم ضمن مسابقة "نظرة ما" في مهرجان كان السينمائي وحصل على جائزة، أما آخر أفلامها فكان (كفر ناحوم) 2018، وهو الفيلم الذي قامت بكتابته وليس فقط إخراجه، مستغلة الحرب في سوريا وموضوع اللاجئين السوريين في لبنان من خلال قصة طفل سوري لاجئ يقرر مقاضاة أسرته. استطاع الفيلم أن يصل إلى العالمية بسبب حساسية موضوعه، كما حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان كان ورشح للفوز بجائزة الأوسكار كأفضل فيلم أجنبي. ليس هذا فقط، بل أن لبكي شغلت عضوية لجنة التحكيم في إحدى مسابقات مهرجان كان عام 2024.
أما المخرجة الفلسطينية آنا ماري جاسر، فكان لها حضورها العالمي الخاص بسبب ما قدمته في أفلامها من رسائل تقاوم فيها الاحتلال الإسرائيلي وتحارب الصهيونية، بدءاً من فيلمها الديكو دراما (ملح هذا البحر) 2008 الذي دارت أحداثه عن بداية النكبة الفلسطينية ونشوء الكيان الإسرائيلي من خلال هدم القرى الفلسطينية بشكل ممنهج، ترشح الفيلم لجائزة الأوسكار عن فئة أفضل فيلم وثائقي أجنبي، أما فيلمها الثاني (لما شفتك) فتدور أحداثه حول حرب النكسة عام 1967، حاز الفيلم على جائزة الشبكة الآسيوية الداعمة لصناعة السينما في مهرجان برلين السينمائي.
لم تكتف جاسر بالفيلمين، حيث عادت إلى التاريخ لتقدم فيلمها (فلسطين 36) الذي كتبته حول ثورة الفلسطينيين عام 1936 ضد الحكم الاستعماري البريطاني والاستيطان اليهودي. توج الفيلم بالجائزة الكبرى "طوكيو غراند بري- مهرجان طوكيو السينمائي 2024".
لكن المخرجة التي اعتبرت الأكثر ذكاء في مخاطبة العقل العالمي وليس فقط العربي، فهي التونسية كوثر بن هنية التي بدأت شهرتها في العام 2012 مع فيلمها الروائي الطويل "شلاط تونس" الذي جمع ما بين الروائي والوثائقي ودارت قصته حول الرجل الذي عُرف بمطاردته للنساء وشطب مؤخراتهن بـ "موس" حادة، والحقيقة أن ذلك الشلاط لم يستطع أي تونسي الالتقاء به أو حتى ضبطه متلبساً، لدرجة بات ذلك الغامض أشبه بالأسطورة. عرض الفيلم في أكثر من 35 مهرجاناً عربياً وأجنبياً وحصد العديد من الجوائز، بعد ذلك الفيلم لاحقت بن هنية الطفلة زينت المغادرة قسرا لكندا فقدمت عنها فيلما ناجحا بعنوان (زينب تكره الثلج).
بعد الفيلمين الناجحين، تأكدت بن هنية أنها قادرة على التقاط مواضيع جذابة تلفت الجمهور، فقدمت في العام 2017 فيلمها الروائي الطويل (على كف عفريت) الذي عالجت من خلاله بطريقة روائية قضية حقيقية حدثت في العام 2012، تعرضت خلالها فتاة جامعية للاغتصاب على يد عناصر من الشرطة، واعتبرت تلك القضية من القضايا المسكوت عنها. قدم الفيلم في أحداثه التي تدور في يومين وليلة، الممارسات المشينة التي كان يمارسها بعض رجال الشرطة ضد المواطنين، والتي ينسبها الفيلم لفترة ما قبل الثورة التي أسفرت عن سقوط نظام زين العابدين بن علي.
لم تتوقف هنيه عن اقتناص القصص المثيرة وتحويلها إلى أفلام سينمائية، ففي فيلمها (الرجل الذي باع ظهره) تحكي قصة أحد الشباب السوريين الهاربين من الحرب، لكنه وفي سبيل السفر إلى أوروبا سيوافق أن يُرسم وشم على ظهره من قبل أحد الفنانين ليتحول بذلك جسده إلى لوحة فنية وليفقد بالتالي حريته التي يبحث عنها. كان الفيلم إشكاليا جدا وأعتبره بعض المثقفين السوريين مسيئا، لكنه لاقى قبولا دوليا.
Loading ads...
وفي العام 2023 عادت بن هنية لتقدم فيلما جديدا بعنوان (بنات ألفة) حول "ألفة الحمروني" التي عُرفت قضيتها منذ العام 2016 بعدما ظهرت الحمرونيً بلقاء إذاعي تحدثت فيه عن قضية تطرف أبنتيها المراهقتين رحمة وغفران، فوجدتها هنية جذابة فقامت بتحويلها إلى فيلم من بطولة هندي صبري، أما أحدث أفلامها (صوت هند رجب) 2025 فاستفادت هنية فيه من التسجيلات التي جرت بين الطفلة هند والهلال الأحمر الفلسطيني والتي بثت عبر وسائل الاعلام لتسجل الساعات التي حوصرت فيها الطفلة إلى جانب جثث أقربائها في سيارة بسبب القصف الإسرائيلي. هذا الفيلم، وضع هنية في صدارة المخرجات العربيات عالميا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

مبابي عبء على ريال مدريد والحل مفقود !
منذ ثانية واحدة
0

مبابي يسعى للتخلص من فينيسيوس ..!
منذ 8 دقائق
0



