جاء منتدى أنطاليا الدبلوماسي هذا العام فيما كانت إسرائيل حاضرة، بشكل مباشر أو غير مباشر، في معظم النقاشات الإقليمية الكبرى. لم يكن ذلك بسبب غزة وحدها، ولا بسبب الحرب الأخيرة على لبنان فقط، بل لأنّ سلوك إسرائيل بات يُقرأ في أكثر من ساحة بوصفه سلوكًا توسعيًا يتجاوز منطق “الأمن” إلى محاولة فرض وقائع سياسية وميدانية جديدة، من جنوبي لبنان إلى جنوبي سوريا ناهيك عن فلسطين بجميع قطاعاتها. بدا لافتًا أنّ هذا الهاجس لم يقتصر على خطاب طرف واحد في المنتدى، بل ظهر، بدرجات مختلفة، في كلام الرئيس السوري أحمد الشرع، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وحتى في مواقف المبعوث الأميركي توماس باراك الذي قدّم، هو أيضًا، انتقادًا ضمنيًا أو صريحًا للنهج الإسرائيلي في سوريا.
في الميدان، لا تبدو هذه المخاوف نظرية. ففي جنوبي لبنان، نشرت إسرائيل في 19 نيسان/أبريل 2026 للمرة الأولى خريطة لخط انتشارها الجديد داخل الأراضي اللبنانية، بما يضع عشرات القرى تحت سيطرتها، على عمق يتراوح بين 5 و10 كيلومترات من الحدود، ضمن ما تصفه بـ”منطقة عازلة”. وأعلنت أن خمس فرق عسكرية تعمل جنوب هذا الخط "لتفكيك بنى حزب الله"، في حين قال وزير الدفاع الإسرائيلي إنّ البيوت والطرق التي تراها إسرائيل مهدِّدة ستُدمَّر فورًا على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان! هذا يعني أنّ إسرائيل لا تتصرّف كمن يكتفي بردع الخصم، بل كمن يعيد رسم الحيز الحدودي بالنار والهدم والمنع، مع إبقاء مسألة عودة السكان معلّقة.
الشرع شدد على أنّ بلاده لم تنخرط في الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بل حاولت قبل اندلاعها الحيلولة دون انفجارها، وكرّر أنّ سوريا تريد أن تكون جسرًا بين القوى لا ساحة صراع بينها.
في جنوبي سوريا، الصورة التي طُرحت في أنطاليا لم تكن أقل خطورة. الشرع قال بوضوح إنّ إسرائيل تنتهك اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، وإنّ دمشق تعمل على اتفاق أمني يعيد إسرائيل إلى خطوط 1974 ويُلزمها بالانسحاب من المناطق التي دخلتها بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024. وفي الوقت نفسه، قال باراك إنّ الاختراقات الإسرائيلية “مستمرة” عبر تلك الخطوط، وإنّ إسرائيل تعبر كلما رأت قافلة أو تحركًا لا تثق به. أمّا فيدان فذهب أبعد سياسيًا، معتبرًا أنّ إسرائيل “ليست بعد أمنها، بل بعد المزيد من الأرض”، وأنّ الحكومة الإسرائيلية تستخدم الأمن ذريعةً لاحتلال مزيد من الأراضي، وأنّ هذا المنطق بات يمتد من فلسطين إلى لبنان وسوريا. هذه المواقف لم تأتِ في الفراغ؛ فخلال الأسابيع الماضية سُجّلت ضربات إسرائيلية على بنى عسكرية في الجنوب السوري، في حين وثّقت تقارير أخرى توغلات متكررة في القنيطرة وإنشاء مواقع جديدة وتحركات ميدانية داخل المنطقة الحدودية.
من هنا، يمكن فهم خطاب سوريا في أنطاليا على أنّه محاولة مزدوجة: من جهة، تريد دمشق أن تطرح رؤيتها للعلاقة مع إسرائيل انطلاقًا من واقع تغولها والخوف من توسع ذلك أو شرعنتها ومن ضرورة وقف تمددها في الجنوب؛ ومن جهة ثانية، تريد أن تفعل ذلك من دون الانزلاق إلى حرب جديدة. الشرع لم يطرح خطاب مواجهة مفتوحة، بل قدّم مقاربة تقوم على اتفاق أمني أو إحياء اتفاق 1974 أو الوصول إلى ترتيب جديد يضمن الأمن للطرفين، مع التشديد في الوقت نفسه على أنّ الجولان أرض سورية محتلة وأنّ أي اعتراف بسيادة إسرائيل عليه هو أمر باطل. أي أنّ سوريا تحاول الجمع بين الثبات على الحقوق، وبين إدارة الخطر الإسرائيلي بمنطق الاحتواء والتفاوض لا بمنطق الانفجار العسكري.
الخطر يكمن في أن يتحول هذا المسار إلى الخيار الوحيد ذهنيًا وسياسيًا، في حين تواصل إسرائيل اختبار الحدود وخلق وقائع جديدة في الجنوبين اللبناني والسوري.
في هذا السياق، يبدو واضحًا أنّ سوريا تحاول تكريس استراتيجية عدم التورط في الصراعات الخارجية. الشرع شدد على أنّ بلاده لم تنخرط في الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بل حاولت قبل اندلاعها الحيلولة دون انفجارها، وكرّر أنّ سوريا تريد أن تكون جسرًا بين القوى لا ساحة صراع بينها. وفي موازاة ذلك، قدّم رؤية تقوم على تحويل سوريا من “ممرّ للنزاعات” إلى منصة استثمار وربط إقليمي، متحدثًا عن أمن سلاسل الإمداد بين الشرق والغرب، وعن موقع سوريا في تدفقات الطاقة، وعن مشاريع الربط الإقليمي مثل “البحار الأربعة”. هنا يظهر بوضوح التأثر بخط تركي أوسع: أي التموضع كدولة عقدة ربط اقتصادي ولوجستي، تزداد أهميتها كلما ارتفع تهديد الممرات التقليدية في المنطقة وهذا الحاصل حاليا.
لكنّ أهمية هذا المسار لا تعني أنّه كافٍ وحده. فالمسار الذي تفرضه الظروف على سوريا اليوم — أي الحياد النسبي، والتثبيت الداخلي، والانفتاح الاقتصادي، وتفادي الحرب المباشرة — هو مسار أساسي وواقعي، وربما ضروري في لحظة إعادة بناء
Loading ads...
الدولة. إلا أنّ الخطر يكمن في أن يتحول هذا المسار إلى الخيار الوحيد ذهنيًا وسياسيًا، في حين تواصل إسرائيل اختبار الحدود وخلق وقائع جديدة في الجنوبين اللبناني والسوري. فحين تبني إسرائيل مناطق عازلة، وتبقي قواتها داخل أراضٍ غيرها، وتوسّع مبرراتها الأمنية إلى حد إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية، يصبح من الضروري ألا تكتفي دمشق بخطاب التثبيت فقط، بل أن تُبقي جاهزيةً استراتيجية لمسارين معًا: مسار الفوضى إذا انفجرت الساحة الإقليمية مجددًا، ومسار التوسع الإسرائيلي إذا قررت تل أبيب تحويل الوقائع المؤقتة إلى بنية دائمة أو توسيعها لتصل الى دمشق حتى.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

