فرضت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، جملة متغيرات في المنطقة والأمن الإقليمي بوجه عام، وتحديداً بين دول الخليج. حيث إن محاور ودول عديدة عاودت النظر في شكل تحالفاتها كما في منظوماتها الدفاعية، وقد برزت تباينات عديدة في هذا الإطار. ورغم ما تعرضت له المنشآت المدنية من مطارات ومصافي نفط في الخليج من اعتداءات همجية وعنيفة من إيران بجانب التهديدات في مضيق هرمز التي ضاعفت الأعباء على الأطراف كافة، إلا أن موقف سلطنة عُمان بدا خارجاً عن الإجماع السياسي ويقف على النقيض من الموقف الخليجي الذي عمد إلى اتخاذ مواقف ضد طهران ورفض سياستها.
إذ إن أدوار الوساطة التي لطالما اعتمدت سلطنة عُمان تبني أسسها وتفادي الانخراط في أجواء الصراعات والنزاعات، بدا مع الحرب بمثابة تطبيع مع السلوك الإقليمي العدواني لإيران ومنحها شرعية في تصعيدها بالمنطقة وشنّ هجماتها ومنها تعطيل حركة الملاحة الدولية في مضيق هرمز. من ثم، فإن الحرب التي اندلعت في نهاية شباط/ فبراير الماضي وضعت عُمان نفسها أمام اختبار غير مسبوق بخصوص “سياسة الحياد” التي انتهجتها لعقود.
وبينما تعرضت عواصم الخليج، بما فيها السلطنة، لتداعيات مباشرة للهجمات الإيرانية على البنية التحتية للطاقة والملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز، واصلت مسقط التمسك بدورها التقليدي الذي يراوح بين الوساطة والحياد الدبلوماسي باعتبارها قناة اتصال ووسيطاً بين طهران وواشنطن، وهو ما بعث بانتقادات عديدة. حيث إن هناك تخوفات سياسية وإقليمية من حدود هذا الحياد الاستثنائي بالدولة الخليجية وتداعياته في ظل استغلال إيران للأمر للحفاظ على قنوات اتصال سياسية واقتصادية في ظل الضغوط الدولية، بما قد يحلحل من الضغوط القصوى والعزلة التي تقع تحت وطأتها.
وكان لافتاً صمت مسقط المريب تجاه التحركات الإيرانية في مضيق هرمز، حيث إن امتناع السلطنة عن توجيه انتقادات مباشرة لطهران أو نفي السردية الإيرانية المتعلقة بترتيبات إدارة الملاحة منح نظام الملالي مساحة لمناورة سياسية إضافية وتكتيكية لتكريس نفوذها في أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
بالتالي، لم تكن السلطنة مجرد تمارس سياسة الحياد أو الوساطة إنما سقطت في مستوى من التعاون المشترك بين مسقط وطهران، خصوصاً في ما يرتبط ببحث آليات تنظيم الملاحة في مضيق هرمز بعد وقف إطلاق النار، وهو ما شرعن خرق طهران لبنود مذكرة التفاهم التي من شأنها إنهاء الحرب. ولم تقتصر تداعيات هذا الموقف على علاقات السلطنة مع واشنطن والدول الأوروبية، بل امتدت إلى محيطها الخليجي.
وتبرز الإمارات كونها الدولة الخليجية الأكثر ارتباطاً بأمن مضيق هرمز وحركة التجارة البحرية، إذ يعتمد جانب كبير من تجارتها الخارجية وموانئها على استقرار خطوط الملاحة. ومن هذا المنطلق، تتوجس أبوظبي من أي ترتيبات بحرية تُمنح فيها إيران دوراً مؤثراً، إذا اعتُبر ذلك على حساب حرية الملاحة أو التنسيق الأمني الخليجي.
نهاية الشهر الماضي، لوّحت إدارة الرئيس الأميركي بفرض عقوبات على سلطنة عُمان، بل وهدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعدما خلص تقييم استخباراتي جديد إلى أن مسقط تعتزم الانضمام إلى إيران في فرض رسوم عبور على السفن المارة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي.
وامتنعت وزارة الإعلام العُمانية وقتذاك عن التعليق على الضغوط الأميركية الرامية إلى دفع السلطنة لقطع علاقاتها مع إيران. وقال وزير الإعلام العُماني، عبد الله الحراصي: “إن عُمان على استعداد للعمل مع الولايات المتحدة وجميع الشركاء المسؤولين لتعزيز الاستقرار، وردع أي اضطرابات، وحماية مصالحنا الاستراتيجية المشتركة”.
وفي ما يبدو أن الرئيس الأميركي ترامب كما دول الخليج، لا يشعر بارتياح إلى مراوغة سلطنة عُمان طوال فترة الحرب، للحفاظ على توازن براغماتي أو بالأحرى انتهازي وهشّ بين ارتباطها التاريخي بالولايات المتحدة، من جهة، وعلاقاتها بإيران وهي الدولة المشاطئة لها عبر المضيق الذي يمر من خلاله خُمس إمدادات الطاقة والغاز الطبيعي المسال عالمياً.
ويتعين النظر إلى أن عُمان في ظل التباينات داخل دول مجلس التعاون الخليجي، بدأت تفقد مكانتها على اعتبارها الدولة العربية التي تحظى بثقة الأطراف في ظل دورها التقليدي القائم على الدبلوماسية والوساطة، حيث إن هذا النمط في ظل التصعيد العسكري والحرب يعني الانحياز.
فالسياسة الخارجية المحايدة لم تعد لها جدوى أو نتائج في الحرب الأخيرة، بل ترجمت مواقف السلطنة على أنها بمثابة تماهي مع إيران، خصوصاً أنه عندما بمجرد اندلاع الحرب، صرح وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، أن الصراع يُضعف المنطقة، وقد ألمح إلى ضرورة أن تعيد دول الخليج العربية النظر في علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة.
وليس خافياً أنه بالتزامن مع تصريحات ترامب التي هددت السلطنة، بعث وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت بتحذير يتصل باحتمالية فرض عقوبات إذا قامت عُمان بتحصيل رسوم من السفن العابرة للمضيق، ما حدا بالسفير العُماني في واشنطن طلال الرحبي إلى التأكيد بأن بلاده “ليست لديها أي خطط لفرض رسوم عبور”.
وفي أيار/مايو الماضي، كانت عُمان الدولة الخليجية الوحيدة التي رفضت التوقيع على بيان في الأمم المتحدة، قادته الإمارات، يدين خطوة إيران الرامية إلى فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز.
ولهذا، أشارت “وول ستريت جورنال” نقلاً عن مسؤولين أميركيين إلى إن جذور فقدان إدارة ترامب الثقة في مسقط تعود إلى اليوم السابق لأولى الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية، عندما ظهر وزير الخارجية العُماني على شاشة تلفزيون أميركي ليؤكد أن التوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي لتجنب الحرب “كان في متناول اليد، لو أُتيحت للدبلوماسية المساحة اللازمة”.
إلا أن المسؤولين الأميركيين نفوا أن يكون الاتفاق قريباً إلى هذا الحد، مشيرين إلى أن إيران لم تقدم أي عرض جاد للحد من برنامجها النووي. ومنذ ذلك الحين، سعت إدارة ترامب إلى تهميش الدور العُماني في أي مسار دبلوماسي.
هذا الامتعاض الأميركي لم يكن أقل أثراً لدى دول المنطقة وبوجه خاص في الخليج، وعلى رأسهم السعودية والإمارات اللتان تعتبران أن مسقط باتت أقرب إلى طهران مما ينبغي.
ووفقاً لمسؤولين عرب، أغضبت السلطنة كلاً من الإمارات والسعودية برفضها المتكرر الانضمام إلى البيانات المشتركة الصادرة عن الولايات المتحدة ودول المنطقة التي تدين الهجمات الإيرانية. وحتى عندما استهدفت طائرات مسيّرة إيرانية الموانئ العُمانية، اكتفت مسقط بالإقرار بوقوع الهجوم دون تحميل طهران المسؤولية، وفق “وول ستريت جورنال”. إذ كان السلطان هيثم بن طارق الوحيد بين قادة دول الخليج الذي هنأ مجتبى خامنئي إثر إعلان تعيينه مرشداً لإيران بعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي الأب إثر الهجمات التي اندلعت في شباط/ فبراير الماضي.
يمكن القول إن تتبع مواقف سلطنة عُمان يكشف عن براغماتية مقصودة، وربما مشبوهة، وكأنها تضع قدما باتجاه إيران لتضمن موطئ قدم هناك، وتضع قدماً أخرى بين حلفائها، سواء شركائها الخليجيين أو الغرب والولايات المتحدة، خصوصاً مع امتناعها عن أي حديث أو موقف واضح بشأن الإدارة المشتركة لمضيق هرمز بينها وبين إيران، وهو ما يصب في صالح الأخيرة ويشرعن تهديداتها واعتداءاتها في هذا الشريان المائي الاستراتيجي.
وهذا الموقف من سلطنة عُمان يبعث حولها بشكوك جمّة في الخليج كما في الولايات المتحدة، خصوصاً وأنها الأقل تعرضاً للهجوم من إيران. وبينما ظلت السلطنة الأقل تضرراً من الهجمات الإيرانية مقارنة بدول الخليج الأخرى، سواء من حيث الخسائر البشرية أو الأضرار المادية، إذ لم تتعرض أراضيها لأي هجوم صاروخي مباشر، فإن مسقط بقيت العاصمة الخليجية الوحيدة التي لم تستهدفها إيران طوال فترة النزاع.
ويمكن القول أيضاً إنه بقدر تراجع مصداقية وثقة واشنطن في عُمان، فقد أصبحت السلطنة خارج إطار التوافق الخليجي بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، إذ تتفق غالبية دول الخليج على ضرورة إبقاء المضيق مفتوحاً أمام الملاحة الدولية، ورفض فرض أي رسوم أو قيود على السفن، إلى جانب المطالبة بضمانات تحول دون تكرار الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
Loading ads...
ومن اللافت أن سلطنة عُمان وقعت في جملة متناقضات وضعت مواقفها في دائرة تشكك كبيرة، بداية من إدانة شن الحرب في نهاية شباط/ فبراير، وكانت صوتاً استثنائياً في هذا الاتجاه، ولم يكن ذلك الأمر الوحيد، إنما رافقها جملة حوادث سبقت الاصطفاف مع طهران في مضيق هرمز، حيث كتب كتب وزير الخارجية العُماني مقالاً بدا ظاهرياً يدين الهجمات على دول الخليج، إلا أنه اعتبر في مجلة “الإيكونوميست” هذه الهجمات “الخيار العقلاني الوحيد” أمام القيادة الإيرانية في ظل حرب استهدفت تقويض “الجمهورية الإسلامية”. ذلك ما يمكن وصفه بالمثل السياسي الذي يتردد في أوساط عديدة “صديق الجميع، ليس صديقاً لأحد”.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


