ضعف قبضة يد كبار السن ليس مجرد مشكلة مرتبطة بالقدرة على الإمساك بالأشياء أو حملها، بل قد يكون مؤشرًا يساعد الأطباء على تكوين صورة أوسع عن الحالة الصحية لكبار السن. وتشير مراجعة علمية منشورة إلى أن قوة قبضة اليد ترتبط بمجموعة واسعة من المؤشرات الصحية والوظيفية، كما يمكن أن تساعد في التنبؤ ببعض النتائج الصحية المستقبلية.
قوة القبضة هي مقدار القوة التي يستطيع الشخص إنتاجها عند الضغط باليد، وعادةً ما تُقاس باستخدام جهاز يسمى مقياس قوة القبضة (Dynamometer).
ويتميز هذا الاختبار بأنه بسيط وسريع نسبيًا، ولا يحتاج إلى إجراءات معقدة، ولذلك يُستخدم على نطاق واسع في الأبحاث السريرية ودراسات الشيخوخة.
وتشير المراجعة إلى أن قوة القبضة يمكن أن تعطي معلومات عن القوة العضلية العامة، لكن لا ينبغي اعتبارها بديلًا كاملًا عن تقييم قوة بقية عضلات الجسم. فقد تختلف العلاقة بين قوة اليد وقوة الأطراف الأخرى من شخص إلى آخر، وقد يكون تقييم قوة الجزء العلوي والسفلي من الجسم معًا أكثر دقة في بعض الحالات.
ترتبط قوة القبضة بالقدرة الوظيفية لدى كبار السن، حتى في بعض الأنشطة التي لا تَعتمد بصورة مباشرة على اليد، مثل المشي وصعود الدرج والنهوض من الكرسي.
أظهَرت دراسات أن كبار السن الذين يعانون من قيود جسدية تكون لديهم، في المتوسط، قوة القبضة أقل قوة. كما وُجد ارتباط بين قوة القبضة والأداء في اختبار المشي لمدة 6 دقائق.
وبحثت دراسات أخرى مستويات معينة من قوة القبضة باعتبارها مؤشرات محتملة على بطء المشي أو وجود صعوبات في أداء بعض الأنشطة اليومية.
لكن ضعف قبضة يد كبار السن لا يعني بمفرده أن الشخص يعاني من إعاقة حركية؛ فهو مؤشر واحد ضمن مجموعة من المؤشرات التي ينبغي تقييمها معًا.
لا تقتصر أهمية قوة العضلات على الحركة؛ فالعضلات والعظام ترتبط ببعضها بصورة وثيقة. ولهذا بحث العلماء العلاقة بين قوة القبضة وكثافة المعادن في العظام.
وتشير الأدلة إلى وجود علاقة بين قوة القبضة وكثافة المعادن في العظام أو هشاشتها في مواقع مختلفة من الجسم، بما في ذلك العمود الفقري والورك.
كما وجَدت مراجعة منهَجية أن الدراسات التي تناولت العلاقة بين قوة القبضة وكسور الورك دعمت وجود ارتباط بين انخفاض قوة القبضة وزيادة حدوث الكسور.
وهذا لا يعني أن قياس قوة القبضة يمكن أن يحل محل فحص كثافة العظام، لكنه قد يقدم معلومة إضافية عند تقييم خطر الكسور لدى كبار السن.
السقوط من أبرز المشكلات الصحية التي تواجه كبار السن، ويمكن أن يؤدي إلى إصابات وكسور وفقدان استقلالية الحركة.
وتشير بعض الدراسات التي تناولتها المراجعة إلى وجود علاقة بين انخفاض قوة القبضة وزيادة احتمالية السقوط. ففي إحدى الدراسات، كان متوسط قوة القبضة لدى الأشخاص الذين تعرضوا للسقوط أقل من الأشخاص الذين لم يتعرضوا له.
كما أظهَرت دراسات أخرى أن قوة القبضة قد تساعد في التنبؤ بالسقوط والسقوط المتكرر لدى بعض الفئات.
ومع ذلك، فإن خطر السقوط لا يعتمد على قوة اليد وحدها؛ إذ تلعب عوامل أخرى دورًا مهمًا، مثل التوازن، وسرعة المشي، وقوة الساقين، والأدوية، والبيئة المحيطة.
بحثت دراسات مختلفة في إمكانية استخدام قوة القبضة كمؤشر على الحالة التغذوية لدى المرضى وكبار السن.
وأظهَرت بعض الأبحاث أن الأشخاص الذين لديهم قوة قبضة أقل كانوا أكثر عرضة لمؤشرات سوء التغذية. كما حُددت في بعض الدراسات حدود مختلفة لقوة القبضة بحسب العمر والجنس عند محاولة الكشف عن خطر سوء التغذية.
لكن النتائج لم تكن متطابقة في جميع الدراسات. ولهذا يؤكد مضمون المراجعة أن قوة القبضة قد تكون معلومة مساعِدة عند تقييم الحالة التغذوية، لكنها ليست اختبارًا مستقلًا كافيًا لتشخيص سوء التغذية.
تشير الدراسات التي استعرضها الباحث إلى وجود علاقة بين انخفاض قوة القبضة وبعض المؤشرات المرتبطة بمرض السكري، بما في ذلك مستويات سكر الدم والهيموغلوبين السكري (HbA1c) في بعض الدراسات.
كما ارتبط انخفاض قوة القبضة بتعدد الأمراض؛ فكلما زاد عدد الأمراض المصاحِبة لدى الشخص، لوحِظ في عدد من الدراسات وجود انخفاض في قوة القبضة.
وهنا تظهَر أهمية هذا القياس باعتباره جزءًا من التقييم العام، وليس باعتباره اختبارًا لتشخيص مرض بعينه.
لا تقتصر الأبحاث على الجانب العضلي والجسدي، فقد بحث العلماء أيضًا العلاقة بين قوة القبضة والوظائف الإدراكية.
وأشارت مراجعة منهجية إلى أن غالبية الدراسات التي شملتها وجَدت علاقة ذات دلالة إحصائية بين قوة القبضة والوظائف الإدراكية لدى كبار السن.
كما رَبطَت دراسات أخرى بين انخفاض قوة القبضة وزيادة احتمالية وجود ضعف إدراكي خفيف، إضافة إلى ارتباطها ببعض الاختبارات التي تقيس الذاكرة وسرعة معالجة المعلومات والوظائف التنفيذية.
لكن العلاقة بين قوة العضلات والقدرات الإدراكية معقدة، ولا يمكن استخدام ضعف قوة القبضة وحده لتشخيص الخرف أو أي اضطراب إدراكي.
وجَدت دراسات أخرى وجود علاقة بين قوة القبضة وبعض المؤشرات النفسية وجودة النوم.
فقد ارتبط ضعف قوة القبضة بزيادة انتشار الاكتئاب في بعض المجموعات السكانية، كما ارتبطت مشكلات النوم، مثل انخفاض جودة النوم أو اضطراب النوم الشديد، بانخفاض قوة القبضة في عدد من الدراسات.
كذلك، وجَدت أبحاث أن هناك علاقة بين قوة القبضة وجودة الحياة لدى أشخاص يعانون من أمراض مختلفة، منها السرطان ومرض الانسداد الرئوي المزمن وأمراض الكبد وبعض الحالات التي تتطلب جراحة العمود الفقري.
وهذه النتائج تشير إلى أن قوة القبضة قد تعكس جانبًا من الحالة الصحية العامة، وليس القوة العضلية فقط.
تبدو العلاقة بين قوة القبضة والوفيات المرتبطة بالسرطان أقل وضوحًا من العلاقة مع الوفيات لأي سبب أو مع بعض أمراض القلب والأوعية الدموية.
فقد توصلت بعض التحليلات المجمَّعة إلى عدم وجود ارتباط إحصائي واضح بين زيادة قوة العضلات وانخفاض خطر الوفاة بالسرطان، بينما وجَدت دراسات أخرى ارتباطًا بين انخفاض قوة القبضة وزيادة بعض أنواع السرطان والوفيات الناتجة عنها.
من الجوانب المهمة التي تناولتها الأبحاث قدرة قوة القبضة على التنبؤ بالوظيفة المستقبلية.
وأظهَرت دراسات متابَعة طويلة المدى أن الأشخاص الذين كانت لديهم قوة قبضة منخفضة في بداية المتابعة كانوا أكثر عرضة لاحقًا لبعض القيود الوظيفية، مثل صعوبة المشي أو النهوض من الكرسي أو حمل الأشياء الثقيلة أو أداء بعض أنشطة الحياة اليومية.
كما وجَدت دراسات لدى كبار السن ومرضى الكسور وبعض المرضى الذين خضعوا لعمليات جراحية أن قوة القبضة قبل العلاج أو عند الدخول إلى المستشفى قد ترتبط بالقدرة الوظيفية اللاحقة.
وهذا يجعل القياس مفيدًا بصورة خاصة عند محاولة تحديد الأشخاص الأكثر عرضة لفقدان الاستقلالية أو التدهور الوظيفي.
تكمن أهمية اختبار قوة القبضة في بساطته وسرعته وإمكانية تكراره.فبدل الاعتماد على مؤشر صحي واحد، يمكن استخدام قوة القبضة إلى جانب اختبارات أخرى مثل سرعة المشي، والقدرة على النهوض من الكرسي، والتوازن، وتقييم الحالة التغذوية والأمراض المزمنة. وبهذه الطريقة، قد يساعد الاختبار في التعرف مبكرًا إلى كبار السن الأكثر عرضة لتراجع الوظائف أو بعض النتائج الصحية السلبية.
تشير الأدلة إلى أن ضعف قبضة يد كبار السن قد تكون نافذة بسيطة على جوانب متعددة من صحة كبار السن. فقد ارتبط انخفاض القوة في الدراسات بمؤشرات تتعلق بالقوة والحركة، وصحة العظام والكسور، والسقوط، والتغذية، والسكري وتعدد الأمراض، والإدراك، والاكتئاب، والنوم، وجودة الحياة، إضافة إلى بعض النتائج المرتبطة بدخول المستشفى والوفيات.
Loading ads...
ومع ذلك، فإن ضعف قبضة يد كبار السن لا يُعد تشخيصًا مستقلًا لمرض محدد، ولا ينبغي تفسيره بمعزل عن بقية جوانب التقييم الطبي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





