6 أشهر
الحريات ودور الأحزاب والمجتمع المدني.. إلى أين تتجه تونس؟
الثلاثاء، 25 نوفمبر 2025

بعد أيام من عودة الحراك السياسي والمطلبي إلى شوارع العاصمة تحت شعار "ضد الظلم"، أصدرت مجموعة من الجمعيات التونسية بيانات متتالية، تنتقد فيها الوضع الحقوقي في البلاد.
وأدان المجلس الوطني للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ما وصفه بتغول السلطة التنفيذية، في ظل استفراد رئاسة الجمهورية بالحكم، وتوظيف القضاء لتعليق نشاط جمعيات حقوقية، مطالبًا بإنهاء حالة الطوارئ وإطلاق سراح سجناء الرأي في البلاد.
في السياق نفسه وبعد استئناف نشاطها عقب تعليق دام شهرًا، طالبت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، السلطات بتقديم ضمانات لاستقلالية القضاء، وإطلاق سراح كل سجينات وسجناء الرأي والعمل المدني والسياسي.
وفي حين ترفع الجمعيات الحقوقية صوتها للمطالبة باستقلالية القضاء، أجلت محكمة تونسية النظر في القضية المرفوعة ضد المحامية دليلة مصدق عضو هيئة الدفاع عن الموقوفين السياسيين، والإعلامي برهان بسيس بسبب التداول فيما يعرف بـ "قضية التآمر على أمن الدولة" وذلك إلى التاسع من يناير/ كانون الثاني من العام المقبل.
من جهتها نددت حركة النهضة بالأحكام التي أصدرتها الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية في حق تسعة من قيادييها في ما يعرف بملف باجة، على خلفية تهم بالتآمر، واصفة المحاكمة بالسياسية.
وفي رد على كل الأحداث الأخيرة، أكد الرئيس التونسي قيس سعيد، أن كرسي الحكم ليس غاية في حد ذاته، مضيفًا أن الدولة لن تظل مكتوفة الأيدي أمام أي محاولة للتنكيل بالمواطنين أو الإضرار بهم بأي شكل من الأشكال، مشددًا على دور الدولة في حماية المواطنين وضمان حقوقهم.
ويقول سعيد إن "من ارتهن وأراد تفجير البلاد ومن كانوا خصومًا في الظاهر أصبحوا اليوم حلفاء يوزعون الأدوار بينهم"، في غمز من قناة معارضيه.
وفي هذا الإطار، قالت رجاء الدهماني، رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، إن الجمعية نظّمت اليوم ندوة صحفية أعلنت خلالها استئناف نشاطها والعودة إلى سالف عملها فعليًا.
وأضافت في حديث إلى التلفزيون العربي من تونس أن الجمعية أعادت فتح جميع مقراتها، بما في ذلك مراكز الاستماع والتوجيه للنساء ضحايا العنف، مشيرةً إلى أن الإعلان عن هذه العودة جاء تزامنًا مع حملة 16 يومًا من النشاط لمناهضة العنف المسلّط على النساء.
وأوضحت الدهماني أن الجمعية ارتأت أيضًا فتح النقاش حول العنف الذي تعرّضت له الجمعية نفسها من خلال قرار تعليق نشاطها لمدة 30 يومًا، وهي مدة قالت إنها ليست بالهينة بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات في صياغة المواقف والآراء المتعلقة بالشأن العام السياسي، وكذلك بالنظر إلى نساء ضحايا العنف اللواتي تستقبلهن الجمعية يوميًا.
واعتبرت أن تعليق نشاط جمعية ناضلت لأكثر من 36 سنة دفاعًا عن حقوق النساء ولدفع المساواة الفعلية والدائمة بين المواطنات والمواطنين، يمثّل شرخًا في المسار الذي عرفته البلاد، خاصةً بعد الثورة التونسية التي كان الأمل معقودًا عليها لتحقيق مطالب الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
وأشارت الدهماني إلى أن الواقع اليوم يظهر وجود تهديد للحريات، سواء من خلال ارتفاع عدد السجينات في تونس—وهو ما اعتبرته سابقة في تاريخ البلاد—إذ تواجه أكثر من عشرين امرأة اليوم أحكامًا أو ملاحقات قضائية. وختمت بالمطالبة بمحاكمات عادلة للجميع.
بدوره، قال صهيب المزريقي، المحلل السياسي، إن من الضروري العودة إلى أسباب المسيرة وإلى توصيفها، معتبرًا أن الحالة الصحية والطبيعية والمدنية لأي مجتمع تقتضي وجود حراك وجملة من التحركات والمظاهرات والاحتجاجات وفضاءات للتعبير عن الرأي.
وأضاف في حديث إلى التلفزيون العربي من تونس أن من حق المواطنين أيضًا ممارسة النقد واتهام السلطة بممارسة الدكتاتورية أو الظلم، معتبرًا أن هذه القيم تبقى نسبية وليست قوالب جاهزة تُسقط على أي مجتمع، بل تحتاج إلى تنسيب في الرأي، وفي التقييم، وفي التوصيف، وحتى في التشخيص، وكذلك عند تقديم الحلول. وقال إن كل ذلك يبقى رأيًا لا موقفًا ثابتًا.
وأشار المزريقي إلى أنه حين يجري الحديث عن الحقوق المدنية وحقوق التنظيم والجمعيات وتكوين الأحزاب، فإن الأمر منظم بالقانون، سواء وفق القانون عدد 87 المتعلق بالجمعيات والأحزاب لسنة 2011، أو وفق ما تلا ذلك من تعديلات بعد دستور 2022، وهي تشريعات قال إنها تضمن حرية التنظيم، لكنها قد تشهد في الوقت نفسه إغلاقًا أو إيقافًا لعدد من الهياكل.
وأوضح أن هذه المسألة ليست حالة تونسية خاصة، بل شهدتها دول أخرى عندما تظهر شبهات أو تُفتح تتبعات مالية أو غيرها، وهو أمر منصوص عليه في القوانين المنظمة للجمعيات والأحزاب. وأضاف أن الأمر لا يُعدّ بدعة، بل جزءًا من الإطار القانوني المنظم.
وتابع بالقول إن ما يحدث اليوم يشكّل امتحانًا شاملًا لجميع الأطراف: امتحان للسلطة التي تتهم جمعيات وأحزابًا بتلقي تمويلات أجنبية أو بالتآمر، وللجمعيات والمنظمات التي تنفي الاتهامات وتصف الدولة بأنها تتجه نحو الدكتاتورية، وتتّهم رئيس الجمهورية بأنه لا يؤمن بالجمعيات ولا بالأجسام الوسيطة، ويسعى إلى حلّ الأحزاب وتجميد الجمعيات بالقانون.
وأضاف أن هذا الاختبار يشمل أيضًا القضاء، معتبرًا أن دوره محوري، لأن الحسم سيكون عبره: فإذا كانت الجمعيات ملتزمة قانونيًا وكانت تقاريرها الأدبية والمالية سليمة ومعروضة على القضاء، فإن المسار سيكون واضحًا، أما إن ثبتت المخالفات فسيكون للقضاء كلمته كذلك.
من جانبه، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي صلاح الدين الجورشي أنه أصبح واضحًا اليوم أن الشتاء في تونس سيكون صعبًا وقارسًا ومؤلمًا، لأنه سيشهد، وقد بدأ يشهد بالفعل، عودة الحراك وعودة الوعي والدفاع عن الحريات الأساسية، انطلاقًا من الأحزاب مرورًا بالجمعيات وصولًا إلى عدد مهم من المواطنين، إضافة إلى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وأضاف الجورشي في حديث إلى التلفزيون العربي من تونس أن لحظة 22 نوفمبر/ تشرين الثاني الأخيرة ستبقى راسخة في الذاكرة، لأنها مثّلت حدثًا مهمًا ومعبّرًا؛ ففي ذلك اليوم التقت المتناقضات، واجتمعت الأطراف السياسية والأيديولوجية المختلفة على أرضية واحدة، هي أرضية الدفاع عن الحريات.
وأوضح أن هذه الأطراف شعرت بأنها أصيبت في الصميم بعدما أدركت أن الحريات أصبحت مهددة فعليًا، وأن الحقوق الأساسية التي منحها القانون وكرّسها النضال الوطني والشعبي باتت اليوم مهددة وقابلة للنسف نهائيًا، وهو ما دفع الجميع إلى الالتقاء والخروج في مسيرة حملت عنوانًا واضحًا.
لكن، وبحسب الجورشي، فقد ردّ الرئيس قيس سعيّد على هذا الحراك بتصريح وصفه بأنه مزعج ومخيف، إذ قال إن من يلتقي من هذه الأطراف "هو أراد تفجيره"، معتبرًا أن هذا الرد جاء بطريقة أمنية تحمل الكثير من التهديد، ومؤشرًا على أن الدولة لن تسكت، وفق تعبيره.
وأشار الجورشي إلى أن الرئيس انتقد أيضًا اجتماع هذه الأطراف المتناقضة على أرضية واحدة، معتبرًا أن هذا التطور يمثّل تحولًا مهمًا في مسار السياسات وفي مستوى الرؤية، لافتًا إلى أن المواجهة لم تعد بين السلطة من جهة، وبين طرف سياسي واحد، وخصوصًا حركة النهضة، بل أصبحت بين السلطة وقطاع واسع من الجمعيات والأحزاب السياسية، وهو ما يراه الرئيس خطرًا.
وأضاف أن الرئيس هاجم بشدة اللقاء الذي جمع أطرافًا سياسية وغير سياسية بهدف التنسيق فيما بينها حول الخطوات المقبلة، معتبرًا أن هذا اللقاء يتعارض مع المبادئ التي يجب الالتزام بها، وهو ما أدى إلى إيداع عدد من الشخصيات السجن واتهامهم بأنهم في حالة "مؤامرة على أمن الدولة".
وتابع الجورشي أن العجلة بدأت تدور الآن، وأن الحكومة ستتعامل خلال المرحلة المقبلة مع هذا الوضع المتصاعد.
Loading ads...
وأكد أنه أصبح واضحًا أن الاتحاد العام التونسي للشغل قرر من جهته تنظيم مسيرة يوم 5 ديسمبر/ كانون الأول المقبل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





