ساعة واحدة
صراع القرن الإفريقي: كيف تتحرك مصر لمواجهة تهديدات الملاحة وتركيز نفوذها في البحر الأحمر؟
الجمعة، 22 مايو 2026

بينما تتصاعد التوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز، وتزداد المخاوف من اضطراب طرق التجارة والطاقة، تتحرك مصر بوتيرة متسارعة لترسيخ شبكة من الروابط البحرية واللوجستية مع دول القرن الأفريقي، في مسار يتجاوز التعاون الاقتصادي التقليدي إلى إعادة بناء معادلة الأمن الإقليمي على الضفة الغربية للبحر الأحمر.
هذا التحرك تعكسه سلسلة الزيارات والاتفاقيات التي أبرمتها القاهرة مؤخراً مع إريتريا وجيبوتي والصومال والسودان، وكان أحدثها زيارة وفد مصري رفيع إلى أسمرة، انتهت بتوقيع اتفاقيات للتعاون البحري والاقتصادي، وسط حديث متصاعد عن سعي مصري لبناء شبكة نفوذ لوجستي وأمني في مواجهة تحركات إثيوبية وإسرائيلية متزايدة في المنطقة.
وتأتي هذه الخطوات في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، بعد توقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إقليم "صومالي لاند" مطلع 2024 للحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة مقابل الاعتراف بالإقليم، إلى جانب تنامي الحديث عن انفتاح إسرائيلي على "صومالي لاند" ومحاولات لإيجاد موطئ قدم على ساحل البحر الأحمر، وهو ما تعتبره القاهرة تهديداً مباشراً لتوازنات الأمن الإقليمي.
بحسب مصدر دبلوماسي مصري، فإن منطقة القرن الأفريقي أصبحت تُعامل داخل دوائر صنع القرار في القاهرة باعتبارها امتداداً مباشراً للأمن القومي المصري، ليس فقط بسبب قربها الجغرافي، بل لأنها تتحكم عملياً في واحد من أهم المسارات البحرية المرتبطة بالتجارة العالمية وقناة السويس.
وقال المصدر، الذي تحدث لـ"عربي بوست" مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن مصر تنظر إلى دول مثل إريتريا وجيبوتي والصومال باعتبارها أطرافاً مؤثرة في معادلة الأمن البحري، سواء بحكم إشرافها على البحر الأحمر أو قربها من مضيق باب المندب.
كما أن التوترات الأخيرة في المنطقة، سواء المرتبطة بالهجمات على الملاحة أو بالتصعيد الإيراني الإسرائيلي، أظهرت، بحسب المصدر الدبلوماسي المصري، هشاشة خطوط التجارة العالمية ومدى تأثر قناة السويس بها.
وتسعى القاهرة إلى بناء مقاربة مزدوجة تقوم على التعاون الاقتصادي والربط اللوجستي من جهة، وتعزيز التنسيق الأمني والسياسي من جهة أخرى، في إطار رؤية تعتبر أن الاستقرار الاقتصادي في القرن الأفريقي جزء من منظومة حماية البحر الأحمر.
حملت الزيارة الأخيرة إلى إريتريا دلالات تتجاوز الطابع الاقتصادي المباشر، حيث وقعت مصر وإريتريا اتفاقية للتعاون في مجال النقل البحري، تستهدف تدشين خط ملاحي يربط الموانئ المصرية والإريترية عبر البحر الأحمر، إلى جانب توسيع مجالات التعاون في النقل واللوجستيات وتطوير الموانئ.
وخلال الزيارة، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن "حوكمة وأمن البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له"، وشدد الوزير المصري على رفض القاهرة مشاركة أي أطراف غير مطلة على البحر الأحمر في ترتيباته الأمنية والسياسية.
كما أعلن وزير الخارجية المصري دعم بلاده الكامل لإريتريا في الحفاظ على سيادتها ووحدة أراضيها، في رسالة فُهمت على نطاق واسع باعتبارها مرتبطة بالقلق المشترك من التحركات الإثيوبية في المنطقة، خصوصاً بعد أزمة "صومالي لاند".
من جانبه، قال الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إن العلاقات بين القاهرة وأسمرة "استراتيجية وتاريخية"، معتبراً أن البلدين يقتربان من "المحطة الأخيرة من مستوى الشراكة"، وأكد أن مصر وإريتريا تمتلكان القدرة على "ضبط الإيقاع وخفض التوترات" في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
رغم أن الاتفاقيات الموقعة تحمل طابعاً اقتصادياً واضحاً، فإن خلفيتها السياسية والأمنية تبدو حاضرة بقوة، إذ إن القاهرة لا تتعامل مع الموانئ الجديدة وخطوط الشحن باعتبارها مشاريع تجارية فقط، بل كجزء من إعادة تموضع استراتيجي يهدف إلى تأمين المجال البحري المحيط بقناة السويس.
ويقول مصدر دبلوماسي مصري إن تطوير العلاقات مع إريتريا وجيبوتي والصومال والسودان "لا يستهدف تشكيل تحالفات مغلقة"، بل بناء شبكة تعاون إقليمي قائمة على احترام سيادة الدول ورفض أي تدخلات خارجية تهدد استقرار البحر الأحمر.
وأضاف أن القاهرة تعمل في مسارين متوازيين: الأول يقوم على تعميق العلاقات الثنائية مع دول القرن الأفريقي، والثاني يعتمد على تفعيل التنسيق الجماعي عبر مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، الذي تأسس عام 2020 في الرياض.
وبحسب المصدر، فإن مصر تعتبر أن تطوير الموانئ وخطوط النقل البحري يمنح دول المنطقة بديلاً عن نماذج "الهيمنة الاقتصادية" التي قد تحول بعض الموانئ إلى أدوات نفوذ لقوى خارجية، مؤكداً أن القاهرة تطرح نموذجاً قائماً على "التكامل التنموي" وليس عقود الإذعان أو السيطرة السياسية.
التحركات المصرية لم تتوقف عند إريتريا، إذ اتفقت هيئة قناة السويس مع هيئة الموانئ السودانية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، على إرسال فريق مصري متخصص لتطوير البنية التحتية للموانئ السودانية، خصوصاً ميناء بورتسودان، الذي يمثل منفذاً حيوياً لعدد من الدول الأفريقية الحبيسة.
كما شهد ديسمبر/ كانون الأول 2025 زيارة لوزير النقل المصري إلى جيبوتي، انتهت بتوقيع اتفاق لإنشاء محطة متعددة الأغراض ومركز لوجستي إقليمي، بهدف تحويل جيبوتي إلى نقطة ربط للتجارة الإقليمية بالتنسيق مع الموانئ المصرية.
ويرى مسؤولون مصريون أن هذه المشاريع لا تهدف فقط إلى توسيع النفوذ التجاري، بل إلى بناء شبكة إقليمية متكاملة قادرة على تأمين حركة الملاحة وتقليل تأثير أي اضطرابات محتملة في البحر الأحمر.
وقال وزير النقل المصري كامل الوزير إن القاهرة مستعدة لنقل خبراتها في مجالات السكك الحديدية والموانئ والنقل البحري إلى إريتريا ودول المنطقة، مشيراً إلى أن التعاون "لن يكون بمعزل عن المحيط الإقليمي"، بل جزءاً من مشروع أوسع لتعزيز التكامل بين موانئ البحر الأحمر.
يربط مراقبون بين تسارع التحركات المصرية في القرن الأفريقي وبين مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا مع "صومالي لاند" مطلع عام 2024، والتي منحت أديس أبابا إمكانية الوصول إلى ميناء بربرة على خليج عدن مقابل اعتراف إثيوبي بالإقليم.
بالنسبة للقاهرة، لم يكن الأمر مجرد اتفاق اقتصادي، بل تحول استراتيجي يهدد بإعادة رسم توازنات النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، خصوصاً مع المخاوف من أن يتحول الوجود الإثيوبي البحري إلى مدخل لترتيبات أمنية جديدة في المنطقة.
وبحسب مصدر دبلوماسي، فإن مصر سارعت بعد ذلك إلى توقيع اتفاق تعاون عسكري مع الصومال لدعم قدرات الجيش الصومالي، في خطوة قرأتها دوائر إقليمية باعتبارها رسالة مضادة لمحاولات تجاوز الحكومة الفيدرالية الصومالية أو فرض ترتيبات جديدة على حسابها.
وأضاف المصدر في تصريح لـ"عربي بوست" أن القاهرة "تسابق الزمن" حالياً لتثبيت حضورها البحري والاقتصادي في المنطقة قبل تشكل توازنات جديدة قد تقلص من قدرتها على التأثير في معادلة البحر الأحمر.
تقدم القاهرة تحركاتها في القرن الأفريقي باعتبارها جزءاً من رؤية تنموية شاملة، تربط بين الأمن والاستثمار والبنية التحتية، ووفقاً للمصادر المصرية، فإن تحسين الربط البحري واللوجستي سيؤدي إلى زيادة التبادل التجاري وفتح أسواق جديدة للمنتجات المصرية، خصوصاً المواد الغذائية ومواد البناء.
لكن هذا المسار يحمل أيضاً بعداً أمنياً واضحاً، إذ إن الموانئ التي تعمل مصر على تطويرها أو ربطها بشبكات الملاحة المصرية تمثل، من وجهة نظر القاهرة، جزءاً من منظومة حماية البحر الأحمر وتأمين طرق التجارة المؤدية إلى قناة السويس.
ويقول خبير مصري في الشؤون الأفريقية إن القاهرة تتولى بالفعل تطوير ميناء "دواليه" في جيبوتي، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة المتجهة إلى إثيوبيا، موضحاً أن الهدف ليس مواجهة أديس أبابا مباشرة، بل "منع أي ضغوط أو ترتيبات أحادية قد تهدد استقرار المنطقة".
وأضاف الخبير المصري لـ"عربي بوست" أن القاهرة تسعى إلى خلق شبكة مصالح اقتصادية متبادلة مع دول القرن الأفريقي، بما يسمح ببناء شراكات طويلة الأمد تعزز الاستقرار الإقليمي وتحد من قدرة أي طرف خارجي على احتكار النفوذ في البحر الأحمر.
وتكشف التحركات المصرية الأخيرة أن القاهرة لم تعد تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره مجرد ممر ملاحي مرتبط بقناة السويس، بل كساحة نفوذ إقليمي تتداخل فيها اعتبارات الأمن والطاقة والتجارة والتحالفات الجيوسياسية.
ومن هذا المنطلق، تبدو مشاريع الربط البحري والموانئ وخطوط الشحن جزءاً من محاولة أوسع لإعادة بناء الحضور المصري في القرن الأفريقي، في مواجهة بيئة إقليمية تتسم بتزايد التنافس على الموانئ والممرات البحرية.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرتبطاً بقدرة القاهرة على تحويل الاتفاقيات الثنائية إلى شبكة مصالح إقليمية مستدامة، وعلى الموازنة بين الطابع التنموي الذي تعلنه وبين الحسابات الأمنية والجيوسياسية التي تحكم المنطقة.
Loading ads...
ففي لحظة تتغير فيها خرائط النفوذ حول البحر الأحمر، تبدو مصر كأنها تحاول تثبيت معادلة جديدة: حماية الأمن البحري لا تبدأ فقط من الأساطيل والقواعد العسكرية، بل أيضاً من الموانئ، وخطوط الشحن، وشبكات المصالح الاقتصادية الممتدة على طول القرن الأفريقي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





