شهر واحد
هل نشر الأسلحة النووية لحلف الناتو في ليتوانيا سيحميها من "التهديد الروسي"؟
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

هدّدت روسيا بتوجيه رؤوسها النووية نحو ليتوانيا، وذلك في حال استضافت الدولة المطلة على بحر البلطيق على أراضيها، أي أسلحة من الترسانات النووية لحلف شمال الأطلسي (الناتو).
يأتي ذلك بعدما أعلنت فيلنيوس سعيها لرفع الحظر الدستوري على تخزين الأسلحة النووية، في إطار جهود لتعزيز قدراتها الردعية والأمنية مع استمرار الهجوم الروسي على أوكرانيا، حتى تتمتع بالردع النووي للغرب.
في هذا الإطار، يبحث البرلمان الليتواني حاليًا اتخاذ قرار حول هذه المسألة، علمًا بأنه يحظى بتأييد الرئيس غيتاناس ناوسيدا والأحزاب الكبرى. ويتطلب إلغاء الحظر تأييد ثلثي أعضاء البرلمان، وقد يدخل حيز التنفيذ خلال الشتاء المقبل في حال تمت الموافقة عليه.
الأطلسي وروسيا: الرد الأوروبي الصعب على الحرب الهجينة المتصاعدة
وكان ناوسيدا كشف عن هذا المشروع في يوليو/ تموز وفق ما نقل وقتها الإعلام الرسمي، وقال إن بلاده تريد أن تكون "جزءًا لا يتجزأ من هذا الردع النووي".
ردًا على هذه المساعي، قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن ذلك سيمثل "منعطفًا خطيرًا للغاية من حيث تصعيد التوتر". وأضاف: "إذا وُجدت أسلحة نووية على أراض موجهة ضدنا، فإن أراضي تلك الدولة ستدخل، تبعًا لذلك، ضمن نطاق استهداف أسلحتنا النووية".
كما تأتي هذه التطورات في ظل سياق تصعيدي كبير مؤخرًا، بعد أن أعلنت ليتوانيا عن إسقاط طائرة حربية تابعة للناتو لمسيّرة في أجوائها ليل الإثنين الثلاثاء، قرب قرية براتكوناي (جنوب)، رجّحت أن تكون قادمة من بيلاروسيا، حليفة موسكو، لكن دون ذكر مصدرها بالتحديد.
لعرض هذا المحتوى من X (Twitter) من الضروري السماح بجمع نسب المشاهدة وإعلانات X (Twitter).
وتجري مقاتلات تابعة للناتو دوريات لمراقبة المجال الجوي في دول البلطيق الثلاث لاتفيا وليتوانيا وإستونيا، منذ انضمام هذه الدول إلى الحلف في 2004.
رغم ذلك، أثارت مسيّرات انحرفت عن مسارها ودخلت المجال الجوي لدول مجاورة لروسيا مخاوف من أن الحرب التي تشنها موسكو في أوكرانيا قد تمتد إلى خلف حدود الناتو.
ما هو "سور المسيّرات" الذي قررت دول حلف شمال الأطلسي إقامته على حدودها مع روسيا؟
لكن يبقى أن توسيع الردع النووي ليشمل دول الجوار الروسي يطرح عدة تساؤلات، لعل أبزرها: هل سيكون كافيًا لحمايتها من أي "تهديد روسي"؟ خصوصًا في ظل "الحرب الهجينة" التي تشنها موسكو في أوكرانيا رغم الدعم الغربي لكييف. كما يطرح تساؤلات حول مآل الاتفاقيات السابقة بين روسيا وحلف الناتو بخصوص دول هذه المنطقة.
للإجابة عن هذه التساؤلات وتسليط الضوء أكثر على هذا الموضوع، حاورنا د. محمد صالح الفتيح خبير في الشؤون الدفاعية الإستراتيجية والدولية، من لندن.
د. محمد صالح الفتيح: يؤكد تحرك ليتوانيا لرفع الحظر عن تخزين الأسلحة النووية على أراضيها، وتعديل المادة 137 من دستورها [تنص على عدم جواز نشر أسلحة دمار شامل أو إقامة قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها – ملاحظة المحرر] لتحقيق ذلك، تغير الواقع الجيوسياسي وانتهاء التوافقات التي صاغت المشهد في شرق ووسط أوروبا عند نهاية الحرب الباردة.
في الحقيقة، لقد بدأ الحديث عن هذا القرار الليتواني منذ أشهر، بالتزامن مع تحركات مشابهة في عدة دول أوروبية أخرى، من ذلك فنلندا. لعل الدافع لكل هذه التحركات هو تصاعد التهديدات الروسية وتضاؤل احتمالات التوصل إلى تسويات كبرى بين موسكو وبين الغرب قريبًا.
للتذكير فإن المادة 137 قد صيغت في العام 1992 لحماية استقلال وحياد ليتوانيا وضمان الانسحاب الكامل للقوات السوفياتية من الأراضي الليتوانية.
في الواقع، تواجه روسيا مشكلة عويصة اليوم، حيث إنها قد استنزفت خيارات الضغط السياسي والتلميح بإمكانية استخدام الخيارات العسكرية. وبات استخدام الخيار العسكري نفسه غير مضمون العواقب. فعلى سبيل المثال، كانت روسيا قد سبقت ليتوانيا إلى تعزيز منشآتها العسكرية المحصنة في كالينينغراد [جيب روسي يقع بين بولندا وليتوانيا وبحر البلطيق]، مما دفع العديد من المحللين لترجيح أن موسكو نشرت بشكل سري قدرات نووية في ذلك الإقليم. كما نشرت علنًا صواريخ إسكندر البالستية القادرة على حمل رؤوس نووية والتي يغطي مداها ليتوانيا. ونشرت روسيا أيضًا صواريخ كينجال جو-أرض الفائقة السرعة.
مسيّرات وطائرات حربية و"أسطول شبح".. استراتيجية روسية لإرباك الناتو؟
لكن الوضع الحالي يؤشر إلى أن روسيا قد ترد أيضًا على هذه التطورات الأخيرة، من خلال إعلان الانسحاب من بنود وثيقة التأسيس بينها وبين والناتو التي وقعت في 1997، التي ضبطت انتشار الأسلحة النووية وهي تفرض الشفافية حيال انتشار القدرات العسكرية التقليدية، كما يمكن أن تعلن حل مجلس روسيا-الناتو الذي تأسس في 2002 [آلية للتشاور والتعاون واتخاذ القرارات والعمل المشترك. لم يعقد أي اجتماع منذ الغزو الروسي لأوكرانيا].
كذلك، يمكن أن تؤكد نشر قدرات نووية في إقليم كالينينغراد. ومن المحتمل أيضًا أن ترفع موسكو من وتيرة الحرب الهجينة التي تشنها ضد الدول الأوروبية، بما يشمل التدخل في الشؤون الداخلية، وعمليات التخريب، والهجمات بالطائرات المسيّرة.
من المحتمل أن يمتد الدرع النووي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى دول أخرى قريبة من الحدود الروسية. لكن الإدارة الأمريكية الحالية قد تماطل في تنفيذ مثل هذه الخطوات، وذلك يرجع لكون الرئيس دونالد ترامب حريص على ألا يظهر بمظهر من يصعد عسكريًا ضد روسيا.
لكن يبقى من المرجح أن هذا الموقف الأمريكي سيقود في المقابل، إلى تسريع عملية تطوير القدرات النووية الأوروبية المشتركة، ونشرها في دول الاتحاد الأوروبي، حتى خارج مظلة حلف الناتو.
في الحقيقة، فإن امتلاك أو انتشار القدرات النووية على أراضي دولة ما، يُرسل رسالة ردع لعدم استخدام الأسلحة النووية أو القدرات العسكرية التقليدية بشكل صريح. إلا أن الاستراتيجية الروسية، منذ العام 2014، تعتمد بشكل رئيسي على الحرب الهجينة.
Loading ads...
كذلك، فقد أثبت الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022، أنه قرار باهظ التكلفة بالنسبة لموسكو. ولهذا، فمن غير المرجح أن تلجأ روسيا مجددًا إلى تكرار هذا السيناريو ضد دول أوروبية أخرى. رغم ذلك، يبقى من المرجح توسيع استخدام تكتيكات الحرب الهجينة والاستفادة من فتور الموقف الأمريكي حيال هذا النزاع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




