ساعة واحدة
أهانوه في المكتب البيضاوي.. ولن نتركه قربانا لصفقات واشنطن مع بوتين
الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

في مطلع عام 2017 -بُعَيد بدء الرئيس دونالد ترمب ولايته الأولى- أوفدتني المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى "البيت الأبيض" للتحضير لزيارتها الأولى إلى المسؤول الجديد في "المكتب البيضاوي". والتقيتُ بنظيري إتش آر ماكماستر، الذي كان يشغل حينها منصب المستشار الثاني للأمن القومي للرئيس ترمب، وقد بدا متعاونا وودودا على غير المتوقع، غير أنه لم يمكث طويلا للأسف في منصبه.
والتقيتُ كذلك بصهر دونالد ترمب، جاريد كوشنر، الذي كان يؤدي في ذلك الوقت دورا أشبه بـ"كبير موظفي البيت الأبيض" وإن بصورة غير رسمية، وأوضحتُ له أن العلاقات القوية عبر الأطلسي تشكل، بالنسبة للمستشارة ميركل، الأساس الجوهري لسياستنا الخارجية؛ فبدءا من "الجسر الجوي لبرلين" وصولا إلى عبارة جون كينيدي الشهيرة: "أنا برليني"، ونداء رونالد ريغان للرئيس ميخائيل غورباتشوف: "اهدم هذا الجدار"، ظلت علاقتنا راسخة كالصخر، وغدا مئات الآلاف من الجنود الأمريكيين وعائلاتهم يحملون الصداقة الألمانية الأمريكية في "حمضهم النووي".
وأملت المستشارة ميركل أن تظل هذه العلاقة هي الأساس أيضا مع الإدارة الجديدة. ولن أنسى البتة رد جاريد كوشنر حين قال لي: "يا كريستوف، عليك أن تعلم أننا رجال أعمال؛ وفي عالم الأعمال، تكون صديقا في يوم، وعدوا في يوم آخر، وهكذا سندير سياستنا الخارجية".
لن أنسى البتة رد جاريد كوشنر حين قال لي: "يا كريستوف، عليك أن تعلم أننا رجال أعمال؛ وفي عالم الأعمال، تكون صديقا في يوم، وعدوا في يوم آخر، وهكذا سندير سياستنا الخارجية".
صُدمتُ آنذاك، ولكنني منذ الأيام الأولى لرئاسة ترمب، لم أعد أستغرب أي شيء يصدر عن "البيت الأبيض"، ويصعب لدي تقبُّل هذا الأمر، غير أن جاريد كوشنر أعلن حينها بوضوح عن إستراتيجية "البيت الأبيض"، ولذا، لا عجب في أن "روسيا بوتين" لم تعد، بالنسبة لإدارة ترمب، "إمبراطورية الشر" -وفق تعبير رونالد ريغان- بل أضحت دولة يمكن إبرام الصفقات معها.
ولا يهمّ إدارة ترمب أن فلاديمير بوتين ارتكب جرائم حرب جسيمة، وأنه مسؤول عن مقتل مئات الآلاف من الجنود والمدنيين الأوكرانيين والروس، وأنه ملاحَق من المحكمة الجنائية الدولية، وأنه مسؤول عن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة والأسمدة حول العالم؛ إذ يتجاهل ترمب- لدوافع سياسية داخلية- نظام العقوبات الوطنية الأمريكية، ويطلب من بوتين تصدير الديزل بما يتيح له تعزيز خزينته المخصصة للحرب، بل ويوجه ترمب دعوة إلى بوتين لحضور قمة "مجموعة العشرين" (G20) في فلوريدا؛ وهكذا، يبدو بوتين في حسابات ترمب صديقا يوما وعدوا في اليوم التالي.
ويتعرض الرئيس الأوكراني -وهو ضحية العدوان، وتُقصف بلاده بضراوة كل يوم وبالكاد ينجو بنفسه- للإهانة على يد الرئيس الأمريكي في "المكتب البيضاوي"، فيُطلب منه التنحي، ويُصوَّر بوصفه عقبة أمام السلام. فيتساءل المرء: من هو المعتدي ومن هي الضحية في عيني ترمب؟
تعرض الرئيس الأوكراني -وهو ضحية العدوان، وتُقصف بلاده بضراوة كل يوم وبالكاد ينجو بنفسه- للإهانة على يد الرئيس الأمريكي في "المكتب البيضاوي"، فيُطلب منه التنحي، ويُصوَّر بوصفه عقبة أمام السلام. فيتساءل المرء: من هو المعتدي ومن هي الضحية في عيني ترمب؟
وقد لاحظت المستشارة ميركل- بعد أن خابت آمالها إثر لقاءات قليلة مع الرئيس ترمب في خريف عام 2017- أن الأيام التي كانت ألمانيا تعتمد فيها كليا على الولايات المتحدة قد ولّت، وأن على أوروبا أن تتولى مصيرها بنفسها. وحاول القادة الأوروبيون تجاهل هذا الاستنتاج، وواصلوا إيمانهم بالولايات المتحدة والتزامها تجاه "حلف شمال الأطلسي".
بيد أنه توجد اليوم هوة شاسعة بين سياسة "الناتو" الرسمية وبين ما يجري أرض الواقع؛ إذ لا يزال مسؤولو "حلف شمال الأطلسي" ودوله الأعضاء يزعمون ويؤمنون بكل إخلاص بأن الولايات المتحدة ستهبّ لنجدة الدول الأعضاء التي تتعرض لعدوان من قبل روسيا، رغم ما يبديه ترمب من حفاوة بفلاديمير بوتين تمثلت بفرش السجاد الأحمر.
ودعوني أقولها بكل وضوح: الحنين إلى الماضي ليس إستراتيجية. لقد ولّت الأيام الخوالي الجميلة. هل ستعود مجدداً؟ ربما. لكن تذكّروا ما حدث بعد أن تنفّست أوروبا الصعداء إثر تولّي بايدن الرئاسة: بعد أربع سنوات عاد ترمب، وباتت الأمور أسوأ مما كانت عليه في ولايته الأولى. فلنكفّ عن أحلام اليقظة
دعوني أقولها بكل وضوح ليس الحنين إلى الماضي إستراتيجية، فقد ولّت الأيام الخوالي الجميلة
وماذا يعني ذلك لأوكرانيا وأوروبا؟ الخيارات جميعها صعبة؛ فإما أن نستسلم نحن الأوروبيين، ونوقف دعمنا لأوكرانيا، ونغدو شهودا على استيلاء بوتين التدريجي عليها، ونتحمل عبء التعامل مع ملايين اللاجئين الأوكرانيين وكذلك خطر أن يوجه بوتين -الذي يحتاج الحرب داخليا للبقاء سياسيا في بلده الذي دمره تماما- عدوانه نحو الضحية التالية؛ وإما أن نتصدى للمعتدي، ونواصل دعمنا العسكري والمالي لأوكرانيا (إذ تعد أوروبا حاليا أكبر جهة مانحة بفارق شاسع يتضاءل أمامه الدعم الأمريكي)، ونبني دفاعنا الأوروبي الخاص، ونعمل بجد لسد فجوات القدرات.
ليست الظروف مواتية، حيث تواجه الدول الأوروبية ديونا طائلة، وتقتصر على معدلات نمو منخفضة، وتجابه حركات شعبوية، غير أن أوروبا قادرة على فعل ذلك؛ ويتطلب الأمر قيادة؛ حيث يفوق "الناتج المحلي الإجمالي" لأوروبا نظيره الروسي بمراحل، وتستطيع أوروبا إنجاز ذلك من دون الولايات المتحدة؛ ولا نحتاج سوى إلى مزيد من التفاؤل.
يشكل "الاتحاد الأوروبي" قصة نجاح هائلة؛ فقد حفظ السلام في قلب أوروبا لأطول فترة في تاريخ هذه القارة التي مزقتها الحروب، ويمتلك سوقا داخلية مشتركة، وعملة موحدة، وحدودا مفتوحة، وجيلا شابا يدرس ويعمل في سائر أنحاء القارة. وليس علينا، نحن الأوروبيين، سوى التغلب على أجواء الكآبة والتشاؤم، وإعادة اكتشاف مكامن قوتنا.
Loading ads...
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




