6 أشهر
ماكرون في جولة أفريقية... "خطوة تعكس إعادة تموضع استراتيجي للدبلوماسية الفرنسية"
الخميس، 20 نوفمبر 2025

يزور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بين 20 و24 تشرين الثاني/نوفمبر، أربع دول أفريقية هي موريشيوس وجنوب أفريقيا والغابون وأنغولا، وتتخلل الجولة مشاركته في قمة مجموعة العشرين وقمة أخرى بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي. ويعتزم ماكرون خلال زيارته موريشيوس المقررة يومي الخميس والجمعة، تعزيز الشراكة مع هذه الدولة المجاورة لإقليم لاريونيون (الفرنسي) الاستراتيجي في المحيط الهندي، حيث تعود آخر زيارة رسمية قام بها رئيس دولة إلى عام 1993. وستشكل هذه الزيارة فرصة لمتابعة مناورات تجمع بين القوات المسلحة في المنطقة الجنوبية للمحيط الهندي (FAZSOI) وخفر السواحل في موريشيوس، في ظل تصاعد أنشطة التهريب في البحر (بما في ذلك المخدرات والصيد غير المشروع والهجرة)، بحسب قصر الإليزيه.
لعرض هذا المحتوى من اليوتيوب من الضروري السماح بجمع نسب المشاهدة وإعلانات اليوتيوب.
يبدو أن إحدى التطبيقات الموجودة في متصفح الإنترنت الذي تستخدمه تمنع تحميل مشغل الفيديو. لتتمكن من مشاهدة هذا المحتوى، يجب عليك إلغاء استخدامه.
05:45
Loading ads...
وستكون أبرز محطات هذه الجولة مشاركة ماكرون في قمة مجموعة العشرين السبت والأحد، في عاصمة جنوب أفريقيا جوهانسبورغ، حيث من المقرر أن يلتقي نظيره سيريل رامافوزا. خلال جولته، سيحضر ماكرون أيضا احتفال إطلاق مجلس أعمال فرنسي-جنوب أفريقي، وسيزور منتزه الحرية في بريتوريا، وهو نصب تذكاري لتكريم مناضلي الحرية وكفاحهم ضد الفصل العنصري. وستكون زيارة الغابون الأحد والإثنين فرصة للرئيس الفرنسي "للإشادة باستكمال المرحلة الانتقالية" في هذا البلد الذي يقوده الجنرال برايس أوليغي نغيما، الذي نفذ انقلابا عام 2023 واُنتخب لاحقا رئيسا للبلاد. كما ستشكل فرصة لتعزيز الشراكات الثنائية والمصالح الفرنسية، مع شركات عريقة مثل إيراميه وسويز، بحسب الإليزيه. وختاما، يتوجه ماركون إلى العاصمة الأنغولية لواندا للمشاركة في قمة مشتركة بين الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي. إعادة تشكيل الدور الفرنسي طالما سعت باريس إلى تعزيز وجودها داخل القارة الأفريقية حماية لمصالحها الاقتصادية خاصة، غير أن المتغيرات الداخلية والخارجية أدت إلى إعادة تشكيل هذا الدور الفرنسي، ودفعت الإليزيه إلى تبني توجه غير تقليدي في استراتيجيته تجاه القارة، مع تعهُّد الرئيس الفرنسي باتباع نهج جديد في شراكة باريس مع دول أفريقيا باستبدال دورها الأمني المباشر بنهج معاملاتي، وذلك عقب تراجع الاعتماد على الجانب الفرنسي، وتفضيل الشراكات الأمنية مع روسيا، والصين وتركيا وإيران. اقرأ أيضافرنسا وشركاؤها الأوروبيون يعلنون انسحابهم العسكري من مالي ومواصلة التزامهم بمنطقة الساحل بين عامي 2017 و2025، أجرى الرئيس الفرنسي ما يقارب 40 زيارة رسمية إلى أفريقيا، شملت 26 دولة، وهو رقم غير مسبوق لرئيس فرنسي. في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017، قال ماكرون أمام 800 طالب في واغادوغو: "لم تعد لفرنسا سياسة أفريقية. أنا أنتمي إلى جيل لا يأتي ليُملي على أفريقيا ما يجب أن تفعله". وللمرة الأولى، اعترف رئيس فرنسي بأن "جرائم الاستعمار حقائق لا يمكن إنكارها". هذه اللهجة بدت وفق مراقبين مختلفة عن تلك التي كان يتبناها أسلافه. في هذا السياق، أطلق ماكرون سلسلة وعود، من بينها إعادة الممتلكات الثقافية الأفريقية، ومضاعفة الشراكات الجامعية، ورفع السرية عن أرشيف اغتيال (رئيس بوركينا فاسو السابق) توماس سانكارا (في 15 أكتوبر/تشرين الأول 1987)، وإعطاء الأولوية للحوار مع المجتمع المدني بدلا من "الحكام القدامى". لكن تصريحاته في واغادوغو أثارت صدمة بسبب تعليقه مازحا، بعد أن غادر الرئيس البوركيني روش مارك كابوري المنصة للحظات، قائلا إنه "ذهب لإصلاح المكيّف"، ما أثار استياء الحاضرين. وزاد الاستياء بعدما قال في يونيو/حزيران 2017، خلال زيارة إلى مايوت، تعليقا على قوارب "الكواسا-كواسا" التي يستخدمها المهاجرون من جزر القمر: "هي لا تصطاد كثيرا، بل تجلب القمريين". وقد اعترف الإليزيه لاحقا بأنها "مزحة غير موفقة". وفقا للأستاذ بجامعة باماكو إيتيان فاباكا سيسوكو، فإن "السخط الأفريقي تجاه فرنسا لا يبدأ مع إيمانويل ماكرون. فهو ظاهرة بنيوية تغذيها الذاكرة الاستعمارية، والتدخلات العسكرية المتكررة، وعملة الفرنك CFA، وإدارة الأزمات في الساحل، إضافة إلى الاستغلال الدائم للخطاب المعادي لفرنسا من قبل عدة أنظمة أفريقية. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن بعض زلات الرئيس الفرنسي قد لعبت دور "المسرّع". فالتصريحات حول "النساء الأفريقيات اللواتي ينجبن سبعة أو ثمانية أطفال"، والمزحة في واغادوغو بشأن الرئيس البوركيني الذي "ذهب لإصلاح جهاز التكييف"، والتصريحات المتناقضة حول الجزائر… كلها تحولت إلى رموز قوية للغطرسة. وقد جرى تداولها خارج سياقها بشكل واسع على شبكات التواصل، مما أعطى انطباعا بنظرة أبوية لم يعد الأفارقة يتقبلونها. هذه العبارات لم تخلق الغضب، لكنها بلورت تعبيراته. فقد وفرت للرأي العام والحركات القومية وحملات التأثير الأجنبية مقاطع من بضع ثوان تزن أكثر من خطابات دبلوماسية مطولة". ومع ذلك، فإن اختزال الرفض الحالي في "أخطاء التواصل" سيكون بحسب مختصين في الشأن الأفريقي قراءة غير دقيقة، ذلك أن التوجس القائم بحسبهم هو "نتاج تجارب ملموسة أيضا"، يعددها سيسوكو فيذكر: "الحرب التي لا تنتهي، والقواعد العسكرية، فالمساس بالسيادة، وسياسات التأشيرات، ثم الشعور المتكرر بأن الأولويات الفرنسية تتقدم غالبا على أولويات المجتمعات الأفريقية. وبالتالي، يمكن القول إن تصريحات ماكرون غير المحسوبة زادت من الشحنة العاطفية للسخط، لكنها ليست السبب الرئيسي ولا العامل الحاسم. فالتوترات الراهنة تعود أساسا إلى أزمة عميقة في نموذج العلاقة بين فرنسا وأفريقيا، وهي أزمة لا تزال باريس والنخب الإفريقية عاجزتين عن تجاوزها." مسار المراجعة رغم هذه الهفوات، تجدر الإشارة إلى أن ماكرون أطلق مسارا للمراجعة التاريخية. ففي سبتمبر/ أيلول 2018، اعترف بمسؤولية الجيش الفرنسي عن اغتيال (المناضل الشيوعي) موريس أودان خلال حرب الجزائر. وفي يوليو/تموز 2020، أعيدت جماجم مقاومين جزائريين إلى البلاد. وقد أوصى تقرير سافوي-سار (2018) بإعادة 90% من الأعمال الفنية الأفريقية الموجودة في المتاحف الفرنسية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2021، عاد 26 عملا ملكيا من أبومي، بينها عرش الملك بيهانزين، إلى بنين. وفي مايو/أيار 2021، اعترف ماكرون في كيغالي بالمسؤوليات الثقيلة والمرهقة" لفرنسا في الإبادة عام 1994، بعد تقرير دوكلير الذي كشف "طابع الانخراط النيوكولونيالي" في عهد ميتران (رئيس فرنسا بين 1981 و1995). أسهم هذا الاعتراف في تطبيع العلاقات بين باريس وكيغالي. لكن خلف هذه التصريحات، تأخر تنفيذ معظم الوعود، فيما تراكمت الأخطاء. وأبرز مثال على ذلك قمة أفريقيا–فرنسا في مونبلييه عام 2021، حيث قررت باريس عدم دعوة أي رئيس أفريقي، وإفساح المجال لشباب من المجتمع المدني تختارهم السفارات الفرنسية. وقد اعتُبرت هذه الخطوة إهانة في العديد من العواصم. بعد ثلاث سنوات، لم تثمر مبادرات تلك القمة إلا خطوات محدودة، مثل تأسيس "مؤسسة الابتكار من أجل الديمقراطية" و"بيت العوالم الأفريقية". ووفق تقرير برلماني فرنسي صدر مطلع 2025، لم تُخفّف صورة "العلاقة العمودية المتعالية" التي تطبع تعامل باريس مع القارة. غلوبال غيتواي من خلال الزيارة المرتقبة، تعتزم باريس وشركاؤها "تقييم التقدم" المُحرز منذ إطلاق مبادرة غلوبال غيتواي (Global Gateway) عام 2021، والتي تتضمن استثمارات كبيرة في مشاريع البنية التحتية الكبرى في أفريقيا، بتمويل مُعلن قدره 150 مليار يورو. يكمن هدف هذه الاستراتيجية في الإسهام في تنمية البلدان الشريكة للاتحاد الأوروبي، وفي القارة الأفريقية في المقام الأول، من خلال حشد جهود القطاع الخاص بغية تسريع وتيرة الرقمنة والانتقال في مجال الطاقة والتحول البيئي في البلدان الناشئة والنامية. الساحل: الانسحاب القسري في 13 يناير/كانون الثاني 2020، حين "استدعى" ماكرون رؤساء دول الساحل الخمس مطالبا "بتوضيحات" بشأن مكافحة الإرهاب -وهو أسلوب اعتبر توبيخا أبويا. وقال موسى مارا، رئيس الوزراء المالي الأسبق، لاحقا إن القمة "كان يجب أن تظهر على أنها اجتماع مُتوافق عليه". هذا الأسلوب لم يعد مقبولا في نظر الرأي العام في دول الساحل، حيث تدهورت الأوضاع الأمنية رغم تعزيز قوة برخان. وتتابعت الانقلابات: مالي (2020 و2021)، بوركينا فاسو (2022 مرتان)، والنيجر (2023). واستثمرت هذه الأنظمة الغضب الشعبي المتصاعد تجاه فرنسا، والذي غذّته الدعاية الروسية. بسبب ذلك كله، أصبح الانسحاب حتميا إذ دشن سنة 2022 بمغادرة القوات الفرنسية مالي بعد 9 سنوات، ثم بوركينا فاسو عام 2023 حين طلبت رحيل 400 جندي فرنسي تلتها النيجر في نفس السنة ثم بطلبها في 2024 إعادة التفاوض بشأن الوجود العسكري الفرنسي، وأخيرا كل من السنغال وكوت ديفوار، اللذين رفضا التواجد العسكري الفرنسي على أراضيهما بدرجات مختلفة. أدى ذلك إلى تراجع نفوذ فرنسا في القارة، خصوصا العسكري، وملء فراغه من قبل قوى أخرى: روسيا (فاغنر ثم "أفريكا كوربس")، وتركيا، والصين، وأيضا الإمارات. البلدان الناطقة بالإنجليزية: ملاذ استراتيجي؟ منذ وصوله إلى السلطة، تبنى ماكرون استراتيجية تنويع الحلفاء، عبر التوجه نحو دول لم تستعمرها فرنسا من قبل، بهدف بناء علاقات خالية من الإرث الاستعماري، والاستفادة من الفرص الاقتصادية الكبرى في أفريقيا الناطقة بالإنكليزية والبرتغالية. فزار في السنوات الماضية غانا ونيجيريا وإثيوبيا وكينيا ورواندا وجنوب أفريقيا. هذه التحركات تحمل بحسب مراقبين أهدافا ثقافية واقتصادية واضحة. إذ تستورد فرنسا 12% من نفطها من أفريقيا، وخصوصا أنغولا ونيجيريا، حيث أصبحت الأخيرة في 2024 الشريك الاقتصادي الأول لفرنسا جنوب الصحراء. وقد ارتفع حجم التبادل مع أنغولا 227% منذ 2017. وقال ماكرون في 2024 بوضوح: "أسواق الغد وسكانه في نيجيريا، وليس في الساحل". ورغم التوترات الدبلوماسية، خصوصا مع الجزائر، يبقى المغرب الكبير الشريك الاقتصادي الأول لفرنسا في أفريقيا (60% من المبادلات)، إلى جانب علاقة متينة مع مصر تعتمد إلى حد كبير على صفقات السلاح. لكن النتيجة الكلية تبقى دون الطموحات. فبين 2017 و2024 ارتفع حجم التجارة بين فرنسا وأفريقيا بـ33%، لكن حصة فرنسا من التجارة الأفريقية انخفضت من 5.5% إلى 3.2%، ما يكشف اتساع الهوة بين الخطاب والواقع، وأن "الأجندة التحويلية" التي روج لها ماكرون ما تزال مشروعا غير مكتمل. إعادة تموضع استراتيجي للدبلوماسية الفرنسية الأستاذ إيتيان فاباكا سيسوكو يرى أن اختيار الدول الأربع التي يزورها ماكرون لم "يكن اعتباطيا، وإنما يعكس إعادة تموضع استراتيجي للدبلوماسية الفرنسية في ظل انهيار نفوذها في منطقة الساحل واستمرار التوتر مع عدد من العواصم الأفريقية." ويمضي المتحدث مفسرا: "أولا، تمثل كلٌّ من موريشيوس وجنوب أفريقيا نموذجا للقارة التي تهم فرنسا لأسباب جيوستراتيجية ورمزية. ففي موريشيوس، يتحرك إيمانويل ماكرون في إطار الرؤية الخاصة بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ: الأمن البحري، طرق التجارة، المناخ، والتعاون العلمي. وهي ساحة يمكن لفرنسا أن تُظهر فيها علاقة هادئة، بعيدة عن جدل "فرانسافريك". أما في جنوب أفريقيا، فيسعى إلى مخاطبة "إفريقيا القوة" وليس "أفريقيا التابعة"، أي أفريقيا العضو في مجموعة بريكس والفاعل المركزي في الحوكمة العالمية. ثانيا، يندرج الغابون وأنغولا ضمن منطق "التثبيت". فالغابون يبقى وفقا للمتحدث "من آخر البلدان التي تحتفظ فيها فرنسا بحضور عسكري ظاهر، وإن أصبح اليوم مغطى بخطاب حماية غابات حوض الكونغو. أما أنغولا فهي في قلب الممرات الاقتصادية الجديدة التي يدعمها الاتحاد الأوروبي، ولا سيما ممر لوبـيتو، كما تستضيف قمة الاتحاد الأوروبي–الاتحاد الأفريقي، التي يحضرها ماكرون أيضا بصفته ممثلا أوروبيا. في الواقع، تشكل هذه الجولة دبلوماسية "الالتفاف": أي تجنب مناطق الصدام السياسي مع فرنسا (الساحل، المغرب العربي) وإبراز شراكات "إيجابية" مناخية وبحرية ولوجستية. والرسالة الضمنية هي التأكيد أن فرنسا ليست منبوذة من مجمل أفريقيا، بل إنها باتت تختار نقاط ارتكازها وفقا للفرص المتاحة لا وفقا للإرث التاريخي".
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




