14 أيام
الحكومة اللبنانية… آلية الترشيح للمناصب الدولية تفضح غياب الإصلاح - رصيف22
الإثنين، 19 أكتوبر 2026

لا تحتاج الدولة إلى خطابات مطوّلة لتثبت جدّيتها في الإصلاح؛ يكفي أن يُراقَب أداؤها في الاستحقاقات التي تبدو صغيرة.
ففي ملف الترشيحات اللبنانية إلى المناصب القانونية الدولية، تبدو الصورة واضحةً إلى حدّ الإحراج: قرارات تُتّخذ خلف الأبواب المغلقة، ونصوص قانونية يُلتفّ عليها، ومعيار الكفاءة يحلّ في آخر سلّم الأولويات.
حادثتان متتاليتان؛ الأولى في محكمة العدل الدولية، والثانية في لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة، تكشفان الكثير عن الطريقة التي تُدار بها صورة لبنان أمام العالم.
في كانون الثاني/ يناير 2025، استقال القاضي نواف سلام من رئاسة محكمة العدل الدولية إثر تكليفه تشكيل الحكومة، تاركاً مقعداً كانت ولايته تمتدّ حتى شباط/ فبراير 2027.
لم يكن هذا المقعد تفصيلاً عابراً؛ فلبنان لم يحظَ بعضوية المحكمة، منذ تأسيسها، إلا مرتين: مع القاضي فؤاد عمّون، ثمّ مع سلام نفسه الذي بلغ رئاستها.
والنظام الأساسي للمحكمة واضح في مسألة الترشيح. فبموجب المادتين الرابعة والخامسة منه، لا تسمّي الحكومات المرشحين، بل تتولّى ذلك "المجموعات الوطنية" في المحكمة الدائمة للتحكيم، أي أعضاء المحكمة المنتمين إلى الدول الأطراف في نظامها، بناءً على دعوة من الأمين العام للأمم المتحدة.
وتوصي المادة السادسة هذه المجموعات باستشارة أعلى الهيئات القضائية وكليات الحقوق والأكاديميات القانونية الوطنية قبل تسمية مرشحيها. والغاية من ذلك كلّه إبعاد الترشيح عن الحسابات السياسية للحكومات، وجعل الكفاءة معياره الأول.
غير أنّ ما جرى في لبنان سار في الاتجاه المعاكس. فقد بادرت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، خلافاً للقانون، إلى اختيار السفير مصطفى أديب مرشحاً، قبل أن يعود ويتراجع عن ترشيحه لعدم انطباق مؤهلاته على معايير المحكمة.
بعد ذلك، قامت المجموعة الوطنية اللبنانية، المؤلّفة من القضاة السابقين غالب غانم وعفيف شمس الدين وشكري صادر والمحامي غالب محمصاني، باختيار أحد المرشحين الكفوئين وفق الأصول. إلا أنّ الحكومة اللبنانية امتنعت عن إبلاغ مكتب الأمين العام للأمم المتحدة بهذا الترشيح، وتنازلت عن حقّ لبنان في المنافسة لمصلحة مرشّح المملكة الأردنية الهاشمية، الذي آل إليه المقعد.
هكذا خسر لبنان، بقرار ذاتي، فرصة استكمال ولايته في أعلى هيئة قضائية دولية، في ظرف كان فيه أحوج ما يكون إلى حضور فاعل على كل منبر دولي يدافع فيه عن حقوقه ومصالحه.
أما اليوم، فنحن أمام معضلة جديدة عنوانها لجنة القانون الدولي. هذه اللجنة التي أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947، تضمّ أربعةً وثلاثين خبيراً تنتخبهم الجمعية العامة لولاية مدتها خمس سنوات.
أما مهمّتها، فالتطوير التدريجي للقانون الدولي وتدوينه؛ تحويل الأعراف والمبادئ الدولية إلى نصوص مكتوبة، وإعداد مشاريع الاتفاقيات، وصياغة وثائق قانونية جوهرية. ومن أعمالها خرجت اتفاقيتا فيينا للعلاقات الدبلوماسية وقانون المعاهدات، ومواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً، والمشروع الذي شكّل أساس نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية.
لذلك يشترط النظام الأساسي للّجنة أن يكون أعضاؤها "من ذوي الكفاءة المعترف بها في القانون الدولي"، وأن يُراعى في تشكيلها تمثيل النظم القانونية الرئيسية في العالم. فالترشيح إلى هذا الموقع يتطلّب معايير أساسيةً لا تحتمل الاجتهاد: الخبرة العلمية والممارسة العملية في القانون الدولي.
فهل اعتمدت الحكومة اللبنانية أيّاً من هذه المعايير؟ الجواب ببساطة: لا. إذ لم يُفتح باب الترشيح، ولم تُعلَن أي شروط أو آلية للمفاضلة، بل اختار رئيس الحكومة الأمين العام لوزارة الخارجية والمغتربين عبد الستار عيسى، وهو دبلوماسي عريق لكنه ليس خبيراً في القانون الدولي.
واللافت أنّ الأمين العام للوزارة هو من كان يُفترض أن يتلقّى طلبات الترشيح وينظّم عملية الاختيار، لا أن يكون هو المرشّح؛ فإذا به يجمع صفة الحَكَم والمتسابق في آن. ويُنتظر إعلان هذا الترشيح الشهر المقبل، من دون أي معيار واضح يتيح الفرصة لمرشحين آخرين، ولو كانوا من طوائف أخرى.
ويزيد الأمر إشكالاً مبدأ "الصفة الشخصية" الذي يقوم عليه عمل اللجنة: فأعضاؤها لا يمثّلون حكوماتهم، بل يعملون كخبراء مستقلين بصفتهم الشخصية، وهو ما يعني أنهم لا يتلقّون تعليمات أو أوامر من أي حكومة، بما فيها حكومة بلدهم. فكيف لأمين عام وزارة الخارجية، وهو رأس الهرم الإداري في الدبلوماسية اللبنانية والمؤتمَن على تنفيذ سياسة الحكومة وتوجيهاتها، ألّا يتلقّى أوامر منها؟ وكيف له أن ينتقل بين ليلة وضحاها من موقع المنفّذ لقرارات السلطة إلى موقع الخبير المستقل الذي لا يأتمر إلا بضميره المهني وبقواعد القانون الدولي؟
ولا يعاني لبنان نقصاً في الكفاءات؛ ففي جامعاته، وفي المنظمات والمحاكم الدولية، وفي نقابتي المحامين، حقوقيون لبنانيون مشهود لهم في القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي. لكنّ هؤلاء لم يُسألوا، لأنّ الباب لم يُفتح أصلاً.
لا شكّ أنّ للحادثتين دلالات عميقةً على مفهوم الإصلاح ودولة القانون كما تمارسه السلطة. فالحادثة الأولى تحتمل أكثر من تفسير: هل هي وفاء بوعود سابقة؟ أم هروب من مواجهة دبلوماسية مع إسرائيل تمهيداً للمادة 13 من اتفاق الإطار؟ أم هي رغبة شخصية في إقفال الباب أمام أي لبناني آخر للدخول إلى نادي القضاء الدولي؟
أما الحادثة الثانية، فتدلّ على غياب أي رغبة في إصلاح حقيقي بعكس ما يرددونه دائماً. فهي، على غرار قانون العفو العام، اتخذت منحى مذهبياً سعياً إلى زعامة غير موجودة. وهي في جوهرها امتداد للنهج نفسه الذي استفاد منه كثيرون في السلك الدبلوماسي، حين تربّعوا على مقاعد دبلوماسية من خارج الملاك، متقدّمين على من أفنوا حياتهم المهنية داخل وزارة الخارجية، مستندين إلى حظوة عائلية أو علاقات سياسية، في ما بات يُعرف بـ"التعيين من خارج الملاك".
من الصعب معرفة كيف يمكن أن يقتنع العالم بجدّية أي إصلاح، وهذه الحكومة تتعاطى مع الاستحقاقات الدولية بهذه الخفّة، وعلى "الطريقة اللبنانية". فلا تظهر أي محاولات جدّية للإصلاح أو لإعادة بناء دولة القانون، وما التعيينات وطرق إجرائها إلا إعادة تدوير لمنظومة الفساد اللبنانية، بدءاً بتعيين مدّعى عليهم في ملف انفجار مرفأ بيروت في مراكز قيادية، وصولاً إلى عجز الدولة عن مكافحة الفساد، حتى تعيين فاسدين في مواقع مسؤولة، إذ لا تستطيع حتى الحدّ من تسلّط أصحاب المولّدات الخاصة أو احتكار مستوردي المواد الغذائية، والأمثلة لا تنتهي.
Loading ads...
المطلوب ليس معجزةً، بل آلية بسيطة وشفافة تنظّم الترشيح إلى المناصب الدولية: إعلان مفتوح عن الشغور، ومعايير منشورة مسبقاً، ولجنة مستقلة تضمّ قضاة وأساتذة جامعيين وممثلين عن نقابتي المحامين، ولائحة مختصرة تُعلَن للرأي العام. فالمقاعد الدولية ليست جوائز ترضية أو حصصاً طائفيةً، بل هي واجهة الدولة أمام العالم، ومن خلالها يُقاس ما إذا كان الإصلاح الموعود قراراً فعلياً أم مجرّد شعار.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





