4 أشهر
محمد طالب... مقاوم جزائري منسي أعادت شبكات التواصل الاجتماعي إحياء سيرته البطولية
الجمعة، 16 يناير 2026

في أكتوبر/تشرين الأول 2021، وكعادته اليومية، نشر المؤرخ جان-كريستوف نوتان على حسابه في منصة "إكس" صورة لأحد الأبطال الذين شاركوا في تحرير فرنسا. لكنه لم يكن يدرك حينها أن هذه الكلمات القليلة عن رجل مجهول يُدعى محمد طالب ستكون بداية مغامرة طويلة. بعد عامين، وعقب إحدى محاضراته، اقتربت منه امرأة وهي تبكي: "قالت لي إنني تحدثت عن جدها على تويتر. لم أتذكر الأمر. لكن عندما أرتني صورا له"، استعاد المؤرخ ذاكرته وقصة محمد طالب. هكذا توطدت العلاقة بين سعاد، حفيدة محمد طالب والمؤرخ الذي قال: "قدّمت لي بعض الوثائق. لم يكن لديها تقريبا شيء. كانت قد عرفته في نهاية حياته، لكنه لم يتحدث يوما عن المقاومة". "أشياء جميلة كان لا بد الحديث عنها" يتلقى جان-كريستوف نوتان يوميا، عبر شبكات التواصل الاجتماعي طلبات من أحفاد يبحثون عن إجابات حول تاريخ عائلاتهم لكنه لا يستطيع تلبيتها جميعا. غير أنه استثنى حالة محمد طالب، وقرر التفرغ كليا لتتبع أثره: "التواصل مع سعاد أشعرني بأن جدها قام بأشياء جميلة تستحق حكيها".
وأضاف: "كان في الأمر نوع من التحدي. من السهل الكتابة عن المارشال لوكلير أو فوش مع مصادر متوفرة نسبيا، لكن فيما يخص محمد طالب، كان الأمر صعبا للغاية كونه شخصية مجهولة". في كتابه "البحث عن محمد طالب" (دار غراسيه)، يروي المؤلف الأشهُر السبعة التي لم يفارقه خلالها التفكير في هذا البطل العادي. لتتبع مسيرته بأكبر قدر من الدقة، اضطر إلى نبش الأرشيفات بلا كلل. وشرح لفرانس24: "تاريخ المقاومة هو تاريخ العمل السري. العثور على الوثائق صعب أصلا. وإذا أضفنا إلى ذلك كونه جزائريا ومتقدما في السن، فتصبح المهمة أكثر تعقيدا". مقاتل في الحربين العالميتين سرعان ما أدرك نوتان أن محمد طالب عاش أكثر من حياة. بدأت الأولى في مدينة مغنية بغرب الجزائر، حيث وُلد عام 1894. نشأ في عائلة موالية لفرنسا، القوة الاستعمارية التي كان يطمح أن يخدمها منذ الصغر. في عام 1914، التحق بالفوج الثاني لفرسان "السباهيين" الجزائريين. جنود مغاربة ساهموا في تحرير فرنسا من النازيين وبينما كانت الحرب العالمية الأولى تشتعل في أوروبا، قاتل أولا في شمال أفريقيا وشارك في "تهدئة المغرب". وفي عام 1916 أُرسل إلى فرنسا حيث شارك في المعارك الكبرى بمنطقة "السوم" شمال فرنسا ومرتفعات "موزيل" شرقا حيث أصيب بجروح جراء الغازات السامة. وبعد عودته إلى الجزائر عام 1919 نزع زيه العسكري ثم تزوج بعد عامين. قصة محمد طالب طويلة. بدأت في 1926. عاش في الشمال الفرنسي ثم سافر إلى مدينة بوردو عند اندلاع الحرب العالمية الثانية. عمل جزارا لكن سرعان ما التحق بالمقاومة. وقال المؤرخ جان-كريستوف نوتان: "كان رد فعله غريزيًا. لقد قاتل في حرب 14-18 لأنه لم يتقبل أن يفرض الألمان قانونهم في هذا البلد الجميل الذي كان يحبه كثيرا"(يقصد فرنسا).
Loading ads...
تكفل بالعناية بالجنود المسلمين الذين كانوا يُعالَجون في مستشفى سان-نيكولا في بوردو وتعاون مع الصليب الأحمر لمساعدة الأسرى من شمال أفريقيا المحتجزين لدى الألمان في معسكرات الفرونتشتالاغ. في الخفاء قدم الدعم للجنود الفارين، عبر توفير المأوى ووثائق مزورة. وفي هذا السياق، تعاون مع الأب اليسوعي لويس دو جابرون، الذي أسس مركزا لمساعدة الأسرى. "إنه تحالف استثنائي بين مسلم ومسيحي. كلاهما كانا رجلين متدينين جمعتهما قضية واحدة. كان الأب جابرون يريد مساعدة المحتاجين، بينما سعى محمد طالب إلى مساعدة المسلمين لكي لا يقعوا في أيدي الألمان". بين المقاومة والتعاون في يونيو/حزيران 1943، اعتُقل الرجلان ثم رُحِّلا إلى ألمانيا. ومن خلال مقارنة الأرشيفات، سواء المحلية أو التابعة لوزارة الداخلية أو لدائرة التاريخ العسكري، حاول المؤرخ فهم الأسباب التي أدت إلى سقوطهما. المهمة لم تكن سهلة. ومع جمع خيوط متناثرة، اكتشف أن بعض أبناء شمال أفريقيا لم يسلكوا طريق محمد طالب، بل اختاروا التعاون مع الألمان. ومن بينهم شخص يُدعى أحمد بيوض: "كان أستاذا في الجزائر. لجأ إلى فرنسا هربا من الملاحقة بسبب ميوله القومية. ثم أصبح أحد العقول المدبرة للدعاية الألمانية داخل أوساط جالية شمال أفريقيا". الناجون من الهولوكوست كان هذا الرجل يجند مباشرة داخل معسكرات الأسرى قرب بوردو. كما عمل محررا في صحيفة تصدر بالعربية بعنوان "لسان الأسير" وُزعت في مختلف معسكرات الفرونتشتالاغ في فرنسا. ويلخّص المؤرخ الأمر قائلا: "تفاعل أبناء شمال أفريقيا كما فعل الفرنسيون عموما: قسم قاوم، وقسم تعاون". نال محمد طالب وسام الصليب الحربي، ثم رُقّي إلى رتبة ضابط قبل أن يُمنح وسام قائد في جوقة الشرف. غير أن الاعتراف بما قدمه كان ضئيلا مقارنة بحجم ما قام به. "لقد دافع عن فرنسا مرتين في أقسى الظروف. اعتبر أنه أدى واجبه، لكنه انطوى على نفسه بعد ذلك، وهو سلوك مرتبط كثيرا بتجربة الترحيل" حسب المؤرخ جان-كريستوف نوتان. "تخليد ذكرى هؤلاء الناس" بعد أن عاش جحيم بوخنفالد ثم دورا، لم يعد محمد طالب الشخص نفسه عند عودته. أصبح يعاني من هواجس ويرى الأعداء في كل مكان. عاش حياة شحيحة. لم يغادر شقته المتواضعة في بولوني-بيانكور بضواحي باريس. كان محبا لفرنسا، ولم يعد يوما إلى الجزائر على الرغم من تأييده لاستقلالها. توفي في صمت تام عام 1982. بعد 80 على نهاية الحرب العالمية الثانية، يسلط جان-كريستوف نوتان الضوء أخيرا على "هذا المجهول الكبير الذي يستحق ذلك". وقال: "غالبا ما ألوم نفسي كوني لم أتحدث بما فيه الكفاية عن الأفارقة وما قدموه لفرنسا. كنت أعتقد أن الأرشيفات لم تكن كافية". ويختم: "قصة محمد طالب تذكرنا بأن هناك أشرارا، لكن هناك أيضا أناس طيبون. يجب أن نتذكر هؤلاء الناس. إنهم مفيدون لمجتمعنا". ستيفاني ترويار
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




