من حظ كرة القدم، السيئ أو الجيد، أن الأميركيين لا يحبونها، وإن كانوا يطلقون اسمها على اللعبة الشعبية الأولى لديهم، والتي تختلف تماماً عن كرة القدم التي يعرفها العالم، والتي يطلقون عليها اسماً غريباً هو "السوكر".
أغلب الظن، لو كانت كرة القدم تحظى في أميركا بالشعبية التي تتمتع بها في البرازيل أو ألمانيا أو إيطاليا، كانت هوليوود ستمطرنا بالأفلام التي تدور عن كرة القدم وبطولاتها ليلاً نهاراً حتى نصاب بالملل!
كون هوليوود لا تعرف ولا تحب كرة القدم، فقد أثر ذلك بالتأكيد على عدد الأفلام التي تتناول اللعبة الأكثر شعبية في العالم، والتي تعد قليلة للغاية مقارنة برياضات أخرى أقل شعبية بكثير، مثل التنس وتنس الطاولة وسباق السيارات!
هناك ارتباط شرطي يمكن ملاحظته بين شعبية كرة القدم في بلد ما، والأفلام والمسلسلات التي تنتجها هذه البلد وتتناول اللعبة ولاعبيها وجمهورها بدرجة أو أخرى، بشكل رئيسي أو ثانوي، من وجهة نظر رياضية أو اجتماعية وسياسية أو كوميدية، عن البطولات المحلية، أو عن كأس العالم.
أحدث فيلم "عالمي" عن كأس العالم يأتي في وقته تماماً، حيث بدأ عرضه على منصة نتفليكس قبل أيام من انطلاق كأس العالم الحالي في أميركا وكندا والمكسيك.
الفيلم من انتاج المكسيك ويحمل اسم Mexico 68، وكما يدل عنوانه يدور حول بطولة العالم التي أقيمت في المكسيك منذ 40 عاماً بالتمام والكمال، والتي تعد واحدة من أقوى وأشهر البطولات في تاريخ المونديال، وهي الدورة التي قفزت بشعبية اللعبة إلى عنان السماء، وشهدت تألق دييجو مارادونا، الذي قاد الأرجنتين إلى الكأس بعد أن هزمت ألمانيا في النهائي، مروراً بالمباراة الشهيرة مع إنجلترا، والتي شهدت اثنين من أشهر أهداف كرة القدم على مر العصور، وكلاهما أحرزهما مارادونا: الأول هو الهدف الذي أحرزه بيده، ولم يره أي من حكام المباراة، والذي وصفه عقب المباراة بأنها "يد الله"، أما الهدف الثاني فقد انطلق من منتصف الملعب مراوغاً كل أعضاء الفريق الانجليزي تقريباً، قبل أن يودع الكرة الشباك!
لكن فيلم Mexico 68 لا يركز على البطولة نفسها أو مبارياتها، ولكن على الطريقة التي حصلت بها المكسيك على حق تنظيم الدورة عقب انسحاب كولومبيا من تنظيم البطولة في 1983، وذلك رغم كل الظروف التي كانت تجعل اختيار المكسيك يبدو مستحيلاً.
الفيلم أخرجه وشارك في كتابته جابريل ريبستين، ابن المخرج والمنتج المكسيكي الكبير أرتورو ريبستين، والذي قدم أعمال نجيب محفوظ في السينما المكسيكية من خلال فيلم "بداية ونهاية"، 1993.
في قالب كوميدي ساخر يروي Mexico 68 بجرأة سياسية وفنية قصة نصف تاريخية نصف خيالية عن الطرق الملتوية التي حصلت بها المكسيك على حق تنظيم كأس العالم 1986، من خلال شراء أصوات المندوبين ورئيس وأعضاء الاتحاد الدولي لكرة القدم، بالإضافة إلى المناورات السياسية خلف الكواليس وأمامها.
ولكن بدلاً من أن يرصد الفيلم كل ممثلي الاتحاد المكسيكي والمسار التأريخي التوثيقي للأحداث، اخترع شخصية اسمها مارتين دي لا تورا (يؤديها ببراعة مدهشة دييجو لونا) وهو رجل انتهازي فاسد، يقود الاتحاد بدعم من رجل الأعمال إميليو أسكارايا (دانيل جيمنيز كاتشو)، وهو شخصية حقيقية، كان إمبراطوراً لمحطات التليفزيون في المكسيك ومالك إستاد أزتيكا الأسطوري (الذي دخل التاريخ مع دورة المونديال الحالي باعتباره الملعب الوحيد الذي شهد ثلاث بطولات كأس عالم!) والذي كرس محطاته وأمواله وعلاقاته لكي تحصل المكسيك على البطولة بأي ثمن.
يستطيع مارتين (في الفيلم) أن يتغلب على الصعوبات بتحويلها إلى نقاط في صالحه: فكون المكسيك قد نظمت بالفعل دورة للمونديال في 1970، يمكن أن يؤخذ على أنها صاحبة خبرة خاصة أنها كانت واحدة من أنجح الدورات، وكون المكسيك تنافس الولايات المتحدة بجلالة قدرها التي جاء مندوبيها بوفد على رأسه وزير الخارجية هنري كيسنجر، والتي تفاوض ممثلي الدول عن طريق لغة المصالح والضغوط السياسية، فقد أتاح ذلك لمارتين أن يتوسع أيضاً في مناوراته "المالية" وأن يقلب المائدة في الاجتماع الأخير على الولايات المتحدة التي تحاول شراء الأصوات بأموالها ونفوذها.
وحتى عندما يحدث زلزال هائل في المكسيك يتسبب في قتل 12 ألف مواطن وتشريد الملايين قبل موعد البطولة بعام واحد، ينجح مارتين في تحويل الكارثة إلى صالح بلده، من خلال التأكيد على عزيمة مواطنيه ورغبتهم في تجاوز الأحزان والخسائر بمزيد من العمل والجهد، وذلك من خلال احتفال مسرحي معد سلفاً بجمهور مدفوع الأجر في استاد أزتيكا، ما يجبر مندوب الاتحاد الدولي (الذي رشته أميركا) على التراجع وقبول حجة ورشوة المكسيك!
هذا فيلم كان يمكن أن يكون صادماً جداً، مؤلماً جداً، خاصة في هذا الوقت الذي تنظم فيه المكسيك البطولة للمرة الثالثة، بالمشاركة مع الولايات المتحدة الأميركية، منافستها على تنظيم بطولة 1986، ولكن ما يحمي الفيلم من الصدام ويخفف من وقعه على الاتحاد الدولي والاتحاد المكسيكي والجمهور هو الأسلوب الذي يتعامل به ريبستين مع التاريخ، إذ يتخفى خلف الخيال، وأيضاً تلك النبرة الكوميدية العالية، والتي تخفف من واقعية العمل أيضاً.
خلف مغامرات مارتين الأفاق والتي تنتهي به وقد خسر كل شيء، يحمل Mexico 86 خطاً آخر حول تأثير كرة القدم في الشعوب، وكيف ساهم مونديال 86 في استعادة الشعب المكسيكي لثقته وفخره والخروج، ولو مؤقتاً، من حالة الاحباط الاقتصادي والسياسي التي كان يعيش فيها.
هذه الفكرة جسدها الفيلم الألماني الرائع "معجزة بيرن" The Miracle of Bern الذي أخرجه زونكه فورتمان، 2003، والذي يدور حول فوز ألمانيا غير المتوقع بكأس العالم 1954، الذي أقيم في مدينة بيرن بسويسرا، وذلك بعد أقل من 10 سنوات على الهزيمة المدوية التي منيت بها ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، والتي دمرت البلاد اقتصادياً ونفسياً، بالإضافة إلى الخسائر في الأرواح والبنى التحتية.
في أحد المشاهد المبكرة للفيلم يظهر مدى الصعوبات التي واجهت مدير الفريق الوطني لكي يجمع اللاعبين ويوفر لهم الملابس الرياضية والأحذية اللازمة. وكيف مني الفريق بهزيمة 8- 3 في مباراته الأولى أمام فريق الأحلام المجري الذي لم يهزم لمدة 4 سنوات، وكيف استطاع الفريق أن يجمع شتاته ويفوز في المباريات التالية ليصل إلى النهائي أمام المجر مرة أخرى. وهي المباراة التي بدأت بتسجيل المجر لهدفين، ولكن نجح الفريق الألماني في التعادل، ليحرز الهدف الثالث والفاصل قبل نهاية المباراة بدقائق.
مع ذلك، فإن "معجزة بيرن" لا يدور بالأساس حول فرق كرة القدم، ولكن حول الشعب الألماني، من خلال تتبع عائلة بعينها، تضم شخصيات مختلفة، على رأسها الأب الجندي العائد من الحرب بعد 6 سنوات في الأسر، والذي يصدم في أبناءه، فأحدهم يصبح شيوعياً نكاية في أبيه الذي كان يؤيد النازي، والابنة تصاحب جندياً بريطانياً، أما الأصغر فمهووس بكرة القدم رغم رفض وتهكم أبيه، ولكن في النهاية يسافران معاً إلى بيرن لحضور المباراة النهائية، حيث تستعيد العائلة تماسكها وثقتها بفضل الفوز الغالي، وبالفعل كان فوز ألمانيا بمونديال 54 إرهاصة وبداية للمعجزة الاقتصادية التي حققتها خلال سنوات معدودة بعد ذلك.
حقق "معجزة بيرن" 6 مليون مشاهدة حين عرضه ليصبح واحداً من أنجح الأفلام الألمانية على مر السنين، ولم يزل، مثل معجزة الفوز بالمونديال، مصدر إلهام وإثارة للشعور الوطني في ألمانيا.
دائماً ما تقرن كرة القدم، خاصة في حالة الفوز، بالمعجزات الإلهية، كما فعل دييجو مارادونا حين وصف هدفه في انجلترا بأنها "كانت يد الله"، وهذا هو العنوان الذي اختاره المخرج الإيطالي باولو سورينتينو لفيلمه The Hand Of God، عام 2021 ، الذي يروي فيه جزءاً من سيرته الذاتية.
ورغم أن الإحالة إلى عبارة مارادونا واضحة، كما أن مارادونا يوجد في الفيلم بالفعل باعتباره المنقذ الذي يصل إلى مدينة نابولي ليقود فريقها إلى الفوز بالدوري الإيطالي، إلا أن ما يشير إليه الفيلم ليس هدف مارادونا في إنجلترا، ولكن إنقاذ بطل الفيلم (سورنتينو نفسه) الذي يذهب إلى الملعب لمشاهدة مارادونا فينجو من حادث تسرب الغاز الذي قضى على حياة أبيه وأمه، وهي النجاة التي يصفها عمه بأنها يد الله.
يمزج سورنتينو بين سيرته كشاب يتيم ضائع يحلم بأن يصبح مخرجاً سينمائياً وبين أهل مدينته الجنوبية المنكوبة بالفقر والجريمة، والتي تستعيد بهائها بفضل كرة القدم.
توظيف آخر مختلف لعلاقة كرة القدم وكأس العالم بالمواطنة والشعور القومي بالانتماء قدمه المخرج والمؤلف المثير للجدل دائماً جعفر باناهي في فيلمه Offside الذي يعود إلى 2006.
الفيلم يرصد الاضطهاد الذي تتعرض له المرأة الإيرانية ومقاومتها المستمرة لهذا القهر، من خلال قصة بضعة فتيات يتنكرن في هيئة رجال لكي يستطعن حضور المباراة النهائية لتصفيات الوصول إلى كأس العالم، ولكن يتم إيقافهن وحبسهن في غرفة أعلى الاستاد تطل بالكاد على الملعب حتى نهاية المباراة.
باناهي كعادته يمزج هنا الوثائقي بالروائي، حيث تم تصوير الفيلم خلال المباراة النهائية بالفعل التي فازت فيها إيران على البحرين 1- 0، وشهد التصوير بالطبع أشكالاً من الارتجال حسب سير المباراة وظروف مطاردات القط والفأر بين الفتيات والأمن، وبما أن إيران فازت بالمباراة فإن النهاية تشهد فرحة جماعية في الشوارع يتحرر فيها الجنود من تزمتهم، وتتجمع النساء مع الرجال في فرح لإطلاق الألعاب النارية!
نهاية تحمل حلماً طال انتظاره، وربما يتحقق بطريقة أخرى مع نتائج إيران في المونديال الحالي.
الوصول إلى الأوليمبياد كان حلم أحمد زكي في فيلم "كابوريا"، 1990، أما الوصول إلى المونديال فكان حلم يوسف الشريف في فيلم "العالمي"، 2009، الذي يدور حول شاب مصري موهوب يحقق حلمه بالاحتراف في أوروبا وقيادة المنتخب الوطني إلى كأس العالم، ذلك الحلم الذي يتجدد في مصر وكل بلد عربي كل 4 سنوات!
ومن حسن الحظ أن الحلم بدأ يتحقق خلال الدورات السابقة من المونديال بدخول عدد معقول من الفرق العربية، على أمل أن تنجح إحداها في الوصول إلى الأدوار النهائية كما فعلت المغرب في المونديال السابق في قطر.
أخيراً من أجمل الأفلام التي تدور حول كرة القدم وكأس العالم والسعادة التي تبثها اللعبة في قلوب الملايين من عشاقها، فيلمThe Cup إخراج وتأليف خينستى نوربو، 1999، والذي يدور حول مجموعة من الرهبان البوذيين الصغار يعيشون في المنفى بين جدران دير صغير في الهند، الذين لم يصلوا إلى سن المراهقة بعد، يعشقون كرة القدم، ويحلمون بمشاهدة المبارة النهائية لمونديال 1998بين البرازيل وفرنسا، وبالفعل ينجح أذكاهم وأكثرهم تحمساً في استعارة تليفزيون وتهريبه داخل الدير حيث يتجمعون لمشاهدة المباراة في سعادة بالغة.
Loading ads...
اكتفيت هنا بنماذج من الأفلام الروائية، وبالطبع تشغل الأعمال الوثائقية مساحة أكبر وأهم في التأريخ لكأس العالم وأشهر المباريات واللاعبين وأسرار الكواليس.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





