على مدى العقود الستة الماضية، شهد العالم تحولات اقتصادية جذرية غيّرت موقع بعض الدول على خريطة الثروة والتقدم: دول من شرق آسيا؛ كسنغافورة والصين وكوريا الجنوبية وماليزيا، ومن أوروبية الشرقية؛ كبولندا وتشيكيا وسلوفاكيا.
حققت هذه الدول قفزات استثنائية في الناتج المحلي ودخل الفرد الذي ارتفع في كوريا الجنوبية من 1000 دولار في السبعينيات إلى أكثر من 35 ألف دولار اليوم، كما تضعف في بولندا أكثر من ثلاث مرات منذ التسعينيات.
وفي المقابل، ظلت غالبية الدول العربية، غير النفطية، بمستويات إنتاجية ودخول متدنية، مقارنة بمواردها البشرية الهائلة وإمكاناتها الطبيعية.
احتياطات هائلة من النفط والغاز
العالم العربي ليس منطقة فقيرة بالموارد، بل على العكس، يملك احتياطات هائلة من النفط والغاز، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا بين ثلاث قارات، وسوقًا استهلاكية يزيد عدد سكانها عن 450 مليون شخص. ومع ذلك، لم تتحول هذه المقومات إلى قوة إنتاجية أو قاعدة تصنيع تكنولوجي أو اقتصاد قائم على المعرفة، كما حدث في شرق آسيا وشرق أوروبا.
يوجد 4 عوامل بنيوية، جعلت تلك المناطق ترتفع مقارنة بحالة ركود اقتصادي نسبي في معظم الدول العربية، تتمثل فيما يلي:
اختلاف نموذج التنمية الاقتصادية:
ففي حين تبنت دول شرق آسيا وأوروبا الشرقية نموذجًا تنمويًا مبنيًا على الإنتاج والتصنيع، كرّست الدول العربية نموذجًا ريعيًا غير قائم على القيمة المضافة والإنتاجية، بل يعتمد على ريع النفط والسياحية أو تحويلات العاملين، وتمحور الاستثمار بها حول الاستثمار العقاري؛ فاستطاعت بفضل الريع تعزيز استهلاكها، ولكنه لم تبنِ قدرات إنتاجًية.
بينما التصنيع يعزز الإنتاجية والاستدامة الاقتصادية عبر الزمن؛ لذا نرى بلدانًا عربية ذات دخل قومي كبير اسميًا (بسبب النفط) ولكن إنتاجية العامل فيها منخفضة ودخل الفرد فيها غير مستدام.
نموذج التنمية الاقتصادية الريعية أضعف القطاع الخاص وكرَّس هيمنة الدولة، بعكس البلدان التي حققت نموًا سريعًا، من خلال القطاع الخاص -المحرك الأساس للتنمية؛ فمعظم الدول العربية ما تزال هي المشغل الأكبر، والمستثمر الأكبر، والجهة المنظمة للسوق، والمنافس للقطاع الخاص.
هذا التداخل في الأدوار يعيق الكفاءة، ويقيد الابتكار ويضعف روح الريادة. والنتيجة ضعف معدلات تأسيس الشركات الجديدة لأدنى مستوياتها بالدول العربية.
ضعف المؤسسات وقصور الحوكمة:
تشكل سهولة ممارسة الأعمال، وشفافية إجراءات الاستثمار، وسرعة التراخيص، واستقرار القوانين الاقتصادية، وغياب الفساد، ركيزة نجاح سنغافورة وبولندا وجمهورية التشيك، بينما تعاني كثير من الدول العربية من تعقيدات الإجراءات الحكومية، وغموض القوانين، وتعدد وصراع الجهات، وضعف الرقابة وغياب المساءلة؛ ما يوفر بيئة تسهل انتشار الفساد، وهيمنة المصالح الضيقة.
والنتيجة؛ طرد رأس المال، وهجرة المستثمرين المحليين قبل الأجانب؛ فيذهبون إلى أوروبا الشرقية بعد سقوط الستار الحديدي، وسنغافورة وماليزيا ودبي؛ لما يتوفر فيها من بيئة حكومية موثوقة.
ضعف رأس المال البشري المحرك للنمو:
جاء نجاح كوريا الجنوبية نتاج عن قدراتها البشرية؛ نتيجة استثمارها في التعليم، ولاسيَّما العلوم والهندسة والبحث العلمي والابتكار.
في المقابل، تعاني نظم التعليم في بعض الدول العربية من استمرار التلقين، وضعف الاهتمام بالبحث ومحاربة ثقافة المغامرة والتجربة، وعدم فهم احتياجات سوق العمل الحالية؛ فنرى خريجين معظمهم في تخصصات أدبية وإدارية، بينما تحتاج الصناعة إلى فنييين ومهندسين؛ لذا تعتمد سوق عمل بدرجة كبيرة على العمالة الأجنبية في بعض الدول.
في الصين 36 % من الطلاب الجامعيين الجدد في تخصصات هندسية؛ حيث يتخرج أكثر من 3.5 مليون مهندس سنويًا، ويستوعب قطاع التكنولوجيا الناشئ نحو 10 ملايين عامل سنويًا. وعلى النقيض، يشكل المهندسون الخليجيون العاملون في القطاع الهندسي في دول مجلس التعاون الخليجي 15 % من مجموع المهندسين في دول المجلس، فيما يسيطر المهندسون الأجانب على 85 % من حجم العاملين في القطاع.
وقد رصد الكتاب المثير للجدل Breakneck: China’s Quest to Engineer the Future- الذي يشرح خفايا سعى الصين لبناء المستقبل، للكاتب الأمريكي الصيني دان وانج- الفوارق الفكرية والمؤسسية التي تصوغ قرارات كل من الولايات المتحدة والصين في القرن الحادي والعشرين، وذكر أن الصين أمة يقودها المهندسون، بينما الولايات المتحدة أمة يحكمها المحامون.
باستثناء الدول الخليجية تواجه الدول العربية تحديات مؤسسية
وبينما تضع كوريا الجنوبية وسنغافورة خططًا تمتد لعقود ولا تتغير بتغير الوزراء أو الحكومات، نجد في كثير من الدول العربية أن السياسات الاقتصادية قصيرة الأجل، تُطلق بدون التزامات ونتائج قابلة للقياس، تتغير بشكل متكرر، ولا تقودها رؤية مستقرة؛ فغياب الاستمرارية يقتل الثقة، ويمنع التراكم الخبرة، ويحد من قدرة المستثمرين على اتخاذ القرارات طويلة الأجل.
وروسيا على سبيل المثال، زاد فيها دخل الفرد من 1188 دولارًا عام 1990 إلى 7000 دولار عام 2024؛ وذلك على الرغم مما مرت منه من تغير نموذجها الاقتصادي والصراعات الجيوسياسية والعقوبات الاقتصادية وتكاليف الحرب مع أوكرانيا.
الخلاصة أن مقارنة دول العالم العربي بمناطق نجحت اقتصاديًا لا تكشف عن نقص في الإمكانات، بل خلل في المنهج؛ فالدول الآسيوية والشرق أوروبية حولت التعليم إلى مهارات، والحوكمة إلى ثقة، والسكان إلى إنتاجية، والاستثمار إلى تكنولوجيا.
وباستثناء الدول الخليجية، تواجه الدول العربية تحديات مؤسسية وتعليمية وديموجرافية وبيروقراطية تحول دون تحول الموارد إلى إنتاج حقيقي وقيمة اقتصادية تراكمية.
تغيير النموذج الاقتصادي
والعلاج لا يكون بزيادة الإنفاق أو رفع الرواتب أو قروض جديدة، بل بتغيير النموذج الاقتصادي ذاته؛ ليصبح قائمًا على الإنتاج ومحفزًا للابتكار وصديقًا للقطاع الخاص ومدعومًا بمؤسسات شفافة قوية ومسنودًا بسياسات مستقرة طويلة الرؤية، يتم قياس نتائجها مع محاسبة المقصرين.
عبر هذا التحول فقط، يمكن للدول العربية أن تلحق بركب الاقتصاد العالمي المتقدم، وأن يتحول الناتج المحلي الإجمالي فيها من رقم على الورق إلى تحسين فعلي في مستوى حياة المواطن العربي.
Loading ads...
الرابط المختصر :
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





