6 أشهر
هآرتس: المطالب الأمنية الإسرائيلية في جنوبي سوريا تعيد إنتاج أخطاء الماضي
الخميس، 4 ديسمبر 2025
خلال الأيام الماضية أثارت التحركات العسكرية الإسرائيلية تساؤلات حول النوايا الحقيقية لإسرائيل في لبنان وسوريا، بما أن هذه النوايا تسعى في الظاهر لإبداء العزم على التخلص من كل ما يهدد أمن إسرائيل.
ومن ضمن تلك التحركات حدث اغتيال رئيس أركان حزب الله هيثم علي الطبطبائي، وكذلك الغارات اليومية التي استهدفت شخصيات أخرى في لبنان، مع الاستعدادات لشن عملية برية وإلقاء القبض على ناشطين سوريين في مرتفعات الجولان السورية، وقد تصعد الوضع هناك فتحول إلى حرب حقيقية، بيد أن كل من يحاول أن يحيل تلك الحوادث إلى عناصرها الأساسية سيتعب قبل أن يعثر على سياسة متسقة أو استراتيجية منتظمة، لأن الخط المستقيم يشير إلى هدف وحيد خطير، وهو إبقاء إسرائيل في واقع حرب مستمرة ودائمة بما يخدم الطموحات السياسية لحكومتها ورئيس تلك الحكومة.
ما بين إسرائيل والحكومة اللبنانية وحزب الله
تتمتع إسرائيل بمزايا استراتيجية على حدودها الشمالية وهذه المزايا غير موجودة في قطاع غزة، ثم إن حكومتي سوريا ولبنان أعربتا غير مرة عن عدم رغبتهما في خوض أي حرب مع إسرائيل، وهاتان الحكومتان لم تكتفيا بتصريحات براقة حتى تصل لأسماع الإسرائيليين والأميركيين، فقد وقع لبنان على اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل، وأصر الرئيس اللبناني جوزيف عون على المبدأ التاريخي الأساسي الذي يقضي بحصر جميع الأسلحة بيد الحكومة ووضعها تحت سيطرتها. كما عزمت الحكومة في بيروت على إصدار أوامر للجيش الوطني اللبناني يقضي وللمرة الأولى في تاريخه بمصادرة الأسلحة من العناصر الفاعلة التي لا تتبع للدولة، ابتداءاً من حزب الله والتنظيمات الفلسطينية.
والجيش اللبناني مشغول بالأصل بجمع تلك الأسلحة في الجنوب اللبناني، إلا أن وتيرة المصادرة ما تزال بعيدة كل البعد عن خلق الوضع الذي يرضي إسرائيل التي تشكك بقدرة الجيش اللبناني على الانتهاء من تلك المهمة بنهاية عام 2025، أي في الموعد المحدد المتفق عليه لإنجازها. ويعزو عون بطء العملية لرغبته بتفادي وقوع أي صدام عنيف بين حزب الله الذي مايزال يمتلك كثيراً من الأسلحة التي يمكن أن يستخدمها ضد المدنيين اللبنانيين وضد الجيش، وليس فقط ضد إسرائيل، وبين الجيش اللبناني ذي الإمكانيات المحدودة. وبالمقابل، ترى إسرائيل والولايات المتحدة بأن الضغط العسكري والتلويح بالحرب سيجبر الرئيس اللبناني على التخلي عن أسلوب الحوار السياسي مع حزب الله، وهذا ما قد يسفر عن مواجهة مباشرة معه.
أميركا تدخل على الخط الإسرائيلي-اللبناني
إلا أن الضغط العسكري مشحون بتناقضات في السياسات والعمليات، لأن معظم العمليات الإسرائيلية التي تتم في لبنان هي عبارة عن غارات جوية، كما أنها تسيطر على خمسة مواقع ذات أهمية محدودة في الجنوب اللبناني، ويعود أحد أسباب سيطرتها عليها لإمكانية استخدامها كورقة للتفاوض عند قيام محادثات مع لبنان، إلا أن إسرائيل والولايات المتحدة لم تقبلا بإجراء محادثات من أجل الاتفاق على الترتيبات الأمنية ولترسيم الحدود بين البلدين وإطلاق سراح المعتقلين اللبنانيين المحتجزين لدى إسرائيل، بل طالبت كل منهما بإجراء محادثات مباشرة مع تغيير تركيبة اللجنة المسؤولة عن مراقبة عملية وقف إطلاق النار بحيث تشمل سياسيين لبنانيين بدلاً من أن تقتصر على عسكريين وخبراء في هذا المجال، كما طالبتا بانضمام لبنان للاتفاقيات الإبراهيمية.
حددت هذه الأهداف بموجب ورقة عمل قدمها قبل شهرين توم براك المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى سوريا ولبنان، فقد اقترح هذا الرجل أن توقف إسرائيل غاراتها على لبنان لمدة شهرين، وخلال تلك الفترة، يمكن إجراء مفاوضات حول كل تلك الأمور، بحيث تبدأ المحادثات بترسيم الحدود البرية بين البلدين، مع رسم حدود المنطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري، وفي حال حققت تلك المحادثات أي تقدم، يمكن أن تنسحب إسرائيل بشكل متدرج من المواقع الخمس بما يتيح لأهاليها العودة إلى منازلهم، بيد أن براك أعلن بأن إسرائيل رفضت هذا المقترح، في حين تمسك حزب الله بموقفه الرافض لتسليم سلاحه بشكل كامل، إلا أن أمينه العام نعيم قاسم أكد بأن الاتفاق ينص على أن: "الجيش اللبناني وقوى الأمن اللبنانية هما الجهتان المسلحتان الوحيدتان المسموح لهما بالعمل في الجنوب اللبناني" وبحسب ما ورد في تفسيره، فإن حزب الله غير مجبر بموجب هذه الاتفاقية "على تسليم سلاحه في الجنوب اللبناني أو على الموافقة على إقامة منطقة منزوعة السلاح في الجنوب".
الدور الإيراني في المعضلة اللبنانية
غير أن الحكومة اللبنانية اضطلعت بمهمة أبعد بكثير مما توحيه اللغة التي كتبت بها تلك الاتفاقية، فقد تبنت مبدأ توحيد السلاح تحت سيادة الدولة، ووفقاً لذلك، لم تلتزم فقط بتدمير مقار إنتاج أسلحة حزب الله، بل أيضاً بمصادرة السلاح المنتشر في كل أنحاء البلد. كما أعلن الرئيس عون وبشكل صريح أمام علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران عن عدم وجود أي نية لديه للتخلي عن هذا المبدأ، ولهذا فهو يتوقع من إيران مساعدته على تطبيقه عبر إصدار أمر يجبر حزب الله على التعاون مع الحكومة اللبنانية.
هدف مستحيل
يدرك لبنان تماماً ما يعنيه تلويح إسرائيل بتوسيع رقعة القتال، كما يدرك عواقب قيام نزاع مسلح مع حزب الله والذي يمكن أن يتحول إلى حرب أهلية. لذا فإن السؤال المطروح هنا هو: هل تدرك إسرائيل تلك العواقب؟ إذ لو كان الهدف من غاراتها تسريع عملية تنفيذ هذا الاتفاق، فإن هذا يعني وبكل وضوح بأن إسرائيل تؤمن بقدرة الجيش اللبناني على تنفيذ هذه المهمة، وبأن الحكومة اللبنانية وحدها من يتخذ القرار السياسي، إلا أن إسرائيل سبق لها أن اتخذت ذلك القرار، وأيدها بل شجعها على ذلك حوار عام.
وهنا لابد أن يثير التلويح الإسرائيلي بتوسيع رقعة الحرب تساؤلات حول قدرة إسرائيل على نزع سلاح حزب الله بيدها، غير أن حروب إسرائيل في لبنان وغزة والضفة العربية أثبتت بأن نزع السلاح بشكل كامل هدف يستحيل تحقيقه من دون اتفاق.
جمود في دمشق
تعيش سوريا حالة مماثلة من عدم التكافؤ في القوة، وذلك لأن إسرائيل لم تسمح للجيش السوري بالانتشار في جنوبي مرتفعات الجولان، حيث أعلنت إسرائيل عن تنفيذ عمليات لمنع التنظيمات الإرهابية من إقامة موطئ قدم لها. وفي الوقت ذاته، وصلت المفاوضات بشأن عقد ترتيبات أمنية مع دمشق إلى درب مسدود، إذ بخلاف ما جرى مع لبنان، فإن الحكومة السورية تتفاوض مع إسرائيل بشكل مباشر، بل إن الرئيس أحمد الشرع تحدث، ولو بشيء من الغموض، عن استعداده للانضمام للاتفاقيات الإبراهيمية "عندما تصبح الظروف ملائمة". ثم إن الجيش السوري مايزال جديداً، وهنالك العشرات من الميليشيات التي لم تنضوي تحت لوائه حتى الآن، ناهيك عن وجود قوى انفصالية، كالميليشيات الدرزية المسلحة، والعشائر البدوية والفصائل الإسلامية التي ماتزال تعمل في المناطق الجنوبية التي "تهم إسرائيل".
لعب الوجود العسكري الإسرائيلي في الجولان السوري دوراً مساعداً بالنسبة للتنظيمات الموجودة هناك، كونه خلق حالة احتلال عسكري مباشر يمكن أن تتصعد لتتحول إلى انتفاضة، بعد أن ظهرت تلك الفكرة في النقاشات التي قامت في تلك المدن. أما بالنسبة للبنان، فلدى إسرائيل مصلحة كبيرة في السماح للجيش السوري بالانتشار في المنطقة كشريك في منع ظهور أي تنظيم معاد، غير أن إسرائيل تعتبر حكومة الشرع التي حظيت باعتراف عربي ودولي وأميركي على وجه الخصوص، جهة مثيرة للريبة والشكوك.
تطالب إسرائيل سوريا بقمع تلك التنظيمات الموجودة في جنوبي الجولان، وتصر على نزع السلاح في المنطقة الواقعة جنوبي دمشق، من دون أن تسمح لسوريا بنشر قواتها ومن دون أن تحدد الجهة المسؤولة عن قمع تلك التنظيمات الإرهابية الموجودة هناك. ولكن في الوقت الذي خلق الاحتلال الإسرائيلي لتلك المناطق انطباعاً بوجود "منطقة أمنية" فاعلة، فخير له أن يتعلم الدرس من المناطق الأمنية التي أقامتها إسرائيل في لبنان سابقاً، ومن المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل اليوم في قطاع غزة.
Loading ads...
المصدر: Haaretz (link is external)
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً


