تعد قضية شركة "فالينت" الدوائية نموذجًا صارخًا على كيف يمكن لإستراتيجية أعمال خاطئة، مدفوعة بالجشع وضغوط أسواق المال، أن تحول شركة كانت إحدى أسرع الشركات نموًا إلى مثال يضرب به على التلاعب في أسعار الأدوية.
مع تفضيل الربح السريع على الابتكار تحولت إلى فقاعة تأسست قواعدها على ممارسات محاسبية مشبوهة وعلاقات غامضة مع شبكات توزيع، مع رفع أسعار الأدوية، مما أدى في النهاية إلى انهيار القيمة السوقية للشركة وملاحقتها قضائيًا، لتعيد للأذهان فضيحة "إنرون" الشهيرة ولكن في ثوب طبي.
وصفت "فالينت –Valeant" – التي يقع مقرها الرئيسي في كندا - بأنها "إنرون صناعة الأدوية"، وليس في هذا التشبيه مبالغة، فكلتا الشركتين استقطبت أنظار وول ستريت، وكان يديرهما مستشارون سابقون لدى "ماكينزي"، وحققتا نموًا هائلًا، واستخدمتا كيانات مستقلة للتلاعب بالإيرادات، ثم انهارتا في أعقاب تحقيقات الاحتيال المحاسبي.
الرجل الذي غير قواعد اللعبة
حين تولى "مايكل بيرسون" إدارة الشركة عام 2010، قرر التخلي عن النهج التقليدي القائم على البحث والتطوير، مؤمنًا بأن عوائده منخفضة وغير مضمونة، فاتجه نحو شراء شركات تمتلك منتجات جاهزة في السوق، مع التركيز على خفض التكاليف ورفع الأسعار بديلًا عن الابتكار.
اعتمدت "فالينت" نموذجًا تحفيزيًا فريدًا، يحصل بموجبه مسؤولوها على تعويضات نقدية محدودة مقابل حزم ضخمة من مكافآت الأسهم، ما ربط مصالحهم الشخصية بسعر السهم في السوق، وقد أفضى ذلك إلى ضغط متصاعد للحفاظ على النمو بأي وسيلة، فأصبح رفع الأسعار واسترضاء وول ستريت هدفًا في حد ذاته، لا وسيلة لخدمة المرضى.
نفّذت الشركة أكثر من مئة صفقة استحواذ بين عامي 2008 و2015، بلغت ذروتها بإتمام عشر صفقات في ربع سنوي واحد، غير أن هذا النموذج ينطوي على خلل جوهري: كلما كبر حجم الشركة، تضاءلت الصفقات القادرة على تعزيز أرباحها، لتتحول "فالينت" تدريجيًا من شركة أدوية إلى مجموعة شركات متنافرة تبحث عن النمو بالشراء لا بالابتكار.
تراجع الإنفاق على البحث والتطوير في الشركة إلى 3% فقط من المبيعات، وهو المعدل الأدنى بين كبار منافسيها، ولجأت إلى تسريح ما يزيد على نصف موظفي الشركات المستحوَذ عليها في بعض الحالات، ليصبح نحو أربعة آلاف موظف في قطاع الأدوية الأمريكي ضحايا مباشرين لسياسة "بيرسون".
كشف تحليل أجري عام 2015، أن أسعار الأدوية ارتفعت بنسبة تراوحت بين 300% و1200% خلال عامين، وأن نصف الأدوية الأسرع ارتفاعًا في الأسعار كانت تابعة لـ"فالينت"، ومن أبرز الأمثلة رفعها سعر دواء "جلوميتزا" لعلاج السكري بنسبة 800%، في العام ذاته الذي استحوذت فيه على الشركة التي تمتلك حقوق تسويقه.
كشفت التحقيقات عن علاقة مريبة بين "فالينت" وشركة توزيع الأدوية "فيليدور آر إكس"، التي كانت تسيطر عليها فعليًا، واستخدمتها للضغط على المرضى والأطباء وشركات التأمين لاختيار أدويتها الباهظة على حساب البدائل الأرخص، وهو ما وصفته شركات الأبحاث صراحة بالاحتيال.
تغير الأدوار..من المنقذ إلى عبء
ارتفع سهم "فالينت" أكثر من 4000% في عهد "بيرسون"، وأشاد به مدير صندوق التحوط "بيل أكمان" وشبهه بالملياردير "وارن بافت" مشيدًا بعبقريته في إدارة رأس المال، بيد أن السهم انهار بنحو 90% في غضون أشهر، وتراجع 50% في يوم واحد إثر إعلان الشركة تأخر تقريرها السنوي، ليتحول "بيرسون" في نظر المستثمرين أنفسهم من منقذٍ إلى عبء، وليرتفع السهم فور إعلان تنحيه.
فتحت السلطات الأمريكية تحقيقًا في ممارسات الشركة المحاسبية نهاية 2015، وفي 2020 وجهت اتهامات رسمية لها بتقديم معلومات مضللة وتسجيل إيرادات بصورة غير صحيحة، وتكبدت غرامة 45 مليون دولار، وعانت لسنوات من غياب الأرباح مع سعيها لاستعادة ثقة القطاع الطبي، وغيرت اسمها إلى "باوش هيلث".
أقر "بيرسون" خلال جلسات الاستجواب أمام الكونجرس بأن إستراتيجية شراء الأدوية ورفع أسعارها قد تجاوزت الحد، وعجز عن تسمية دواء واحد استحوذت عليه الشركة دون رفع سعره، وأقرت الشركة ذاتها بأن أسلوب الإدارة والضغط لتحقيق أهداف الأداء كانا من بين الأسباب الجوهرية لكل ما آلت إليه أوضاعها.
أفضى نموذج الأعمال غير المستدام إلى تحول "فالينت" من شركة أدوية إلى آلة ربحية، فتورطت في فضائح متتالية، وأصبحت هدفاً للاتهامات والانتقادات، وبات استعادة ثقة المستثمرين والأطباء والمرضى تحدياً وجودياً يلقي بظلاله على مستقبلها.
Loading ads...
المصادر: أرقام – ذا نيويوركر – بيزنس إنسايدر - وول ستريت جورنال – فوربس – هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





