عندما تكتب بلسانٍ يختلف عن لسان الطفولة وذكريات البيت الأول وتتبنّى لغةً مختلفةً عرفتها بعد أن فتحتَ باب البيت وخرجت، ذاتك حينها ستغير قميصها اللغوي، وتفرغ حمولتها من الألفاظ وتظهر بهندامٍ مختلف.
تودّع لغة الذاكرة، لغة الأم المعشّقة بكل الروائح التي تسحبك من يدك للماضي، تترك تلك اللغة المسكونة بالعاطفة الخام، وبقدمك اليمنى تتقدّم صوب اللغة الجديدة المكتسبة، حيث تجد مساحة عذراء تمنح الكاتب "مسافةً جمالية" تفصل بين انفعاله اللحظي والكلمة المكتوبة.
هذا الانسلاخ العاطفي هو بالضبط ما تكلمت عنه الباحثة اللغوية الأوكرانيّة أنيتا بافلينكو في دراستها المعمقة "العقل ثنائي اللغة" (The Bilingual Mind) عام ٢٠٠٦ إذ تشير إلى أن اللّغة الثانية تخلق مرشحاً نفسياً يتيح للكاتب مساحة من العقلانية، فتخف وطأة الذاكرة المشحونة، وتولّد شخصية أخرى تتنفس من رئة مفردات جديدة، شخصية قادرة على البوح بأشياء قد يمنعها الخجل من قولها باللّغة الأولى.
وقد يكون ضيق القاموس في اللغة الثانية سببًا للتكثيف والبحث عن المجاز المبتكر والتشبيه غير المطروق لتعويض الغائب من الكلمات مما يفترض أن يزرع في تربة الطفل مع كلماته الأولى. فيصير البحث عن كلمات مناسبة فرضًا يوميًا، وإن هذا العناء اللّغوي يمنح النص أصالة غير متوقعة فيغدو الحرف المكتوب محاولة صادقة لإثبات الذات الكاتبة.
مثل هذه التجارب تثبت أن اللغة لا تُورث بالدّم لا تحملها الجينات أو الميمات*، بل تُمتلك بالإبداع، فكثيرًا ما نقرأ لكتّاب يستخدمون لغة ثانية (ولذلك لأسباب كثيرة، سياسية، اجتماعيّة، شخصيّة ربما)، فنشعر بأننا أمام شخص استطاع الإمساك بكل خيوط اللعبة اللغويّة سكنها وسكنته، فكما يُقال نحن نعيش داخل اللغة أكثر مما نعيش داخل أي حيّزٍ جغرافي.
"كلّما فتشت عنك وجدتك في اللغة" هكذا قال محمود درويش عن "سليم بركات" مثبتًا أنّه يعيش ضمن اللغة، "هذا الكردي جاء ليعلّمنا لغتنا" لم يكن درويش بقوله هذا يتواضع فحسب، بل كان يصف حالة انبهار حقيقية أمام كاتب خلق لنفسه وطناً لغوياً شاسعاً من اللغة الثانية.
لم يطرق بركات الباب ليدخل عالم اللغة العربية ولم يستخدم المتداول من كلماتها بل فتح نافذة في جدار اللغة وراح يلتقط من حجارتها المنسية من قاع المعاجم التراثية، ليعلي بها نصوصًا لا تشبه إلا نفسها.
"سليم بركات هو الكرديّ الذي أطال لسان العرب" حين رأى درويش كيف يطوّع سليم الشوكيات البريّة داخل مزهرية من الكريستال الهش، وكيف يروّض الكلمات الجزلة لتسير طواعيةً مع قطيع مفرداته داخل أسوار النّص، أدرك حينها أن بركات يمتلك مفاتيح سحرية لأبواب لم تُطرق من قبله.
تعمّقت العلاقة بينهما في سنوات العمل المشترك في مجلة "الكرمل" -درويش رئيس التحرير، وسليم بركات هو "الدينامو" والمحرّك الفعلي والمدقق- كانا صديقين يتشاركان القهوة على الشّرفة، درويش ينظر إلى الأفق البعيد باحثًا عن سماء فلسطين، وبركات يحدق في التّفاصيل الصغيرة تحت قدميه، يتأمل ذرات التراب باحثًا عن المنسيين في زوايا الجغرافيا النائية.
سليم بركات كاتب "نخبوي" بامتياز لا يعنيه إرضاء القارئ الكسول، أو المتلقي الغير جاهز للدخول بتجربة دلالية مختلفة لنموذج أدبي مغاير عما يعرفه ولا يتطابق مع النماذج المتراكمة في ذاكرته، فبركات يكتب نصًا يحتاج إلى جهد حقيقي لفك شفراته، هو لا يغازل الجمهور، بل يفرض عليهم الارتقاء في تلقيهم إلى مستوى لغته، فكما يذكر فوكو أن عملية التلقي قد تصل بأهميتها لعملية الكتابة، وبركات يمنح القارئ الفرصة لتلمس خشونة الخشب العتيق في كل مفردة، متجاوزاً التكاليف الباهظة التي سيدفعها هو ككاتب مع المتلقي ليصلا للمعنى المدهش في طريقٍ وعر ينتهي بواحةٍ غنّاء.
يمتلك الكلمات ويمنحها من روحه لتبدأ طريقها وتسير على ألسنة الناس بعد سباتٍ طويل، فنجده يستخدم من أسماء الطيور والخيول وأدوات الحرب القديمة ما لا نعرفه، ويعجنها داخل نصٍ حداثيّ سرياليّ.
هذا التناقض بين "المفردة التراثية الصعبة" و"الخيال الأدبي المعاصر" هو ما خلق الدّهشة الجمالية في أعماله، وأعاد الحياة للتراكيب اليابسة فنراها اخضرّت في شعره ورواياته.
مفرداته ليست زخارف لغوية منمّقة كنباتات الزّينة، بل هي جذورٌ تضرب عميقاً في التربة، تعيش طويلاً، تتحدى الجفاف، وتُسقى بقطرات متناغمة تسيل من ذاكرة كردية لا تنضب.
بإزميله نحت بركات اللغة العربية ليحمّلها حمولةٍ مكانيّة من الشمال السّوري من القامشلي تحديدًا وينقل القارئ العربي إلى هناك للمدينة وقراها، إلى صياح الديكة على الأسطح الطينية، وتفاصيل عن العائلات الكردية كما في عدد من رواياته وأشهرها "فقهاء الظلام" التي تناولت حياة الكرد في أواخر العهد العثماني.
Loading ads...
لقد استطاع بركات أن يجعل "الجغرافيا الكرديّة" جزءاً من المخيال العربي وهو إنجاز لم يسبقه إليه أحد بهذا العمق، بركات سادنٌ من سدنة اللّغة العربية القدامى، بعثه الله في القرن العشرين بروح كردية ليمنحها الحياة، ويثبت أن اللغة هي الحامل الأساسي والوحيد للأدب وهي المادة الخام التي تكون طيّعة التشكيل بقدر ما امتلك نحّات اللغة خبرةً معرفيّة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


