جنين- خلال 4 دقائق فقط من تلقي بلاغ بوجود جرحى جراء قصف إسرائيلي، وصل المسعفان في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني أسيد وهدان وخولة جمعة إلى موقع القصف في منطقة حرش السعادة غرب مدينة جنين شمالي الضفة الغربية.
أدى القصف إلى استشهاد 3 فلسطينيين، ولم يكن وصول المسعفيْن السريع كافيا لإنقاذ حياة أي منهم، فشرعا في إخلاء الجثامين، لكن وصول جيش الاحتلال الإسرائيلي أعاق المهمة، فأوقفهما واحتجزهما نحو نصف ساعة ومنعهما من استكمال عملهما.
كان ذلك يوم 28 أغسطس/آب الماضي حيث أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد قيس البيطاوي وباسل تركمان ومحمد جرادات إثر غارة بطائرة مسيرة استهدفت منزلا قيد الإنشاء، في حين أفادت جمعية الهلال الأحمر باحتجاز طواقمها والاستيلاء على معدات طبية وإجبارها على مغادرة المكان دون السماح لها بنقل الشهداء.
في حديثه للجزيرة نت، يستعيد أسيد وهدان تلك اللحظات قائلا "عندما نزلنا من سيارة الإسعاف كانت طائرة مسيرة تحلق فوق رؤوسنا، ومع ذلك تقدمنا أنا وزميلتي خولة بعدما طلبنا من الموجودين الابتعاد عن المنطقة".
وفور وصولهما، عثر المسعفان على الشهداء، وباشرا بإخراجهم، ويضيف "حمّلنا الشهيدين الأول والثاني، وعندما وضعنا الحمّالة لنقل الشهيد الثالث، وصلت قوات الاحتلال. صرخوا علينا وأشهروا أسلحتهم في وجهنا وطلبوا منا رفع أيدينا".
اقتاد الجنود المسعفين إلى منطقة أخرى، وفتشوهما جسديا، وصادروا هاتفيهما، ثم أجلسوهما على الأرض لنحو نصف ساعة. وفي الأثناء أخرج الجنود الجثمانين من مركبة الإسعاف، ثم احتجزوها وأمروا المسعفين بمغادرة المكان حتى انتهاء العملية، وعندما حاول وهدان استعادة حقيبة الإسعاف والحمّالتين، منعوه.
ما جرى مع المسعفيْن -بحسب وهدان- جزء من تجربة أوسع عاشتها طواقم الهلال الأحمر خلال السنوات الماضية. ويقول: "نتعرض باستمرار لتنكيل جيش الاحتلال، يوقفوننا ويعيقون عملنا، ويصادرون هواتفنا، وفي مرات تعرضنا للشبح والضرب، وأُطلق النار علينا أكثر من مرة".
ويضيف وهدان أن هذه الإجراءات لا تقف عند حدود تعطيل عمل الطاقم، بل قد تؤثر مباشرة في الوقت المتاح لإنقاذ المصابين "قد تتأخر الحالة 15 أو 20 دقيقة، ونحن لا نعرف كيف نصل إلى المستشفى. هذه المدة تؤثر كثيرا في حياة المصاب".
ولكن الأصعب -حسب كلامه- هي تلك المرات التي يعتقل فيها الاحتلال مصابين أو يأخذ جثامين شهداء من داخل مركبات الإسعاف، كما حدث مع الشهيد جهاد طالب من مخيم جنين العام الماضي، حيث أخرج الجيش الجثمان واحتجزه، ثم أوقف طاقم الإسعاف في الموقع نحو ساعتين.
وترافق المسعفة خولة جمعة زميلها أسيد وهدان في كثير من المرات، وبالنسبة لها لم يكن ما شهدته جنين يختلف عن غيره من الأحداث، إذ واجهت خلال عملها حالات أخرى أُعيقت فيها سيارات الإسعاف، كما جرى معهما في بلدة كفر دان غرب جنين.
وتضيف في حديثها للجزيرة نت: "أوقفتنا قوات الاحتلال وأنزلونا من سيارة الإسعاف، ثم أخذوا هواتفنا وفتشونا جسديا. أدى ذلك إلى تأخير وصولنا إلى الحالة التي كنا متوجهين إليها".
كما أن هذه الإعاقات -وفق خولة- لا تحدث فقط أثناء الاقتحامات أو في مواقع استهداف المصابين، وإنما قد تطال الطواقم وهي في طريقها إلى حالات مرضية عادية تحتاج إلى رعاية عاجلة.
يقول ضابط إسعاف في الهلال الأحمر -طلب عدم ذكر اسمه خشية الملاحقة من الاحتلال- إن الإعاقة أصبحت جزءا متكررا من عمل الطواقم، ولا تقتصر على الحالات المرتبطة بالعمليات العسكرية.
ويقول إن الحالة قد تستغرق نحو 40 دقيقة للوصول إلى المستشفى بسبب الحواجز، وهو ما ينعكس على قدرة المسعفين على الاستجابة للحالات الطارئة.
وفي كفر دان أيضا، يروي -المسعف نفسه- أن الاحتلال أوقف سيارة إسعاف كانت متجهة إلى طفلة مريضة، فاضطر أحد أفراد الطاقم إلى استخدام سيارة مدنية للوصول إليها ثم المشي على الأقدام، قبل نقلها على مراحل إلى سيارة الإسعاف.
ويضيف أن تكرار هذه التجارب أنهك الطواقم نفسيا، وأصبح بعض المسعفين يُفضلون ألا يذهبوا بأنفسهم إلى المرضى حيث يوجد جنود الاحتلال.
ولا تتوقف تداعيات هذه الممارسات عند تأخير الطواقم، بل تمتد إلى قدرة الهلال الأحمر على الاستجابة للحالات الطبية. ويقول مدير الإعلام في الجمعية عيد دويكات إن حجم الانتهاكات بحق الطواقم "يزداد يوما بعد يوم "، وإنها تؤثر في قدرتهم على الوصول إلى طالبي الخدمة الطبية.
ويشرح -للجزيرة نت- أن ذلك دفع الهلال الأحمر إلى اعتماد خطط بديلة، بينها زيادة أعداد المتطوعين المدربين على الاستجابة الأولية في القرى التي يصعب وصول سيارات الإسعاف إليها، لتقديم الإسعاف الأولي إلى حين إخراج المرضى ونقلهم إلى المستشفيات، إلى جانب الاعتماد على النقاط الطبية والعيادات المتنقلة.
ويقول دويكات إن الإغلاقات تؤثر مباشرة في حجم الاستجابة، موضحا: "إذا كنا نستجيب في اليوم بسيارة الإسعاف لـ50 حالة مثلا، فإننا بسبب الإغلاقات قد لا نستجيب إلا لـ10 فقط، بينما يتولى أفراد موجودون على الأرض الاستجابة لبقية الحالات".
ويؤكد أن الجمعية توثق الانتهاكات بحق طواقمها عبر وحدة متخصصة تتحقق من تفاصيل كل حادثة قبل إدراجها في التقارير الموجهة إلى الجهات المعنية.
يوم الأحد الماضي، مر مشهد اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلية مستشفى "إتش كلينك" التخصصي في رام الله واعتقالها شابا جريحا، بشكل اعتيادي دون إدانات واضحة من المنظمات الدولية ذات الصلة، فالمشهد بات يتكرر في الضفة الغربية وبصور أكثر بشاعة في كثير من الأحيان، كجزء من حرب إسرائيلية تستقطع القطاع الصحي.
ورافق الاقتحام إطلاق قنابل الغاز في محيط المستشفى، مما تسبب بحالات اختناق وأثار حالة من الهلع بين المرضى والمراجعين.
وقبل ذلك في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، اعتقلت القوات الإسرائيلية مصابا من داخل سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر عند مدخل بلدة طمون جنوب طوباس، بعد إصابته جراء الاعتداء عليه بالضرب.
Loading ads...
وإجمالا تفيد معطيات منظمة الصحة العالمية بتسجيل 98 حادثة اعتداء على الرعاية الصحية في الضفة الغربية منذ بداية عام 2026 وحتى نهاية يوليو/تموز الماضي، منها:
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




