43 دقائق
سوابق الغزو وتحطيم الحدود.. الجيوش الأربعة التي تستنفر لملء الفراغ الأمريكي
الأحد، 1 نوفمبر 2026
داخل 4 مكاتب شديدة التحصين، يبذل 4 ضباط جهودا متواصلة لبناء قدرات قتالية نوعية استعدادا لتغير مرتقب في موازين القوة العسكرية من شأنه أن يعيد ترتيب مراكز النفوذ على مستوى العالم.
اثنان من المكاتب يقعان في منطقة شرق آسيا وتفصل بينهما مسافة ألفي كيلومتر، والثالث في قلب أوروبا وتفصله مسافة 1700 كيلومتر عن المكتب الرابع الواقع بمدينة تمد بسببين إلى الشرق والغرب وتقع بين قارتين وتطل على بحرين.
في كتابه "صعود وهبوط القوى العظمى"، ركز بول كينيدي على أن الولايات المتحدة تحولت من أكبر دائن إلى أكبر مدين في العالم "مما يعني وصولها إلى النمط النموذجي للقوى المهيمنة عندما تبدأ في الأفول".
ومن بين الأعباء التي ستؤدي لذبول عظمة واشنطن الالتزام العسكري المتزايد في كل قارة والتكلفة المتزايدة للمعدات العسكرية "مما يحد بشدة من الخيارات المتاحة" لمواصلة التحكم في مصائر الدول والشعوب.
الكتاب الذي صدر 1987، يرى أن السقوط الأمريكي أمر محسوم، ولكنّ مهمة رجال الدولة خلال العقود القادمة هي "إدارة الشؤون بحيث يحدث التآكل النسبي لموقع الولايات المتحدة بسلاسة وبطء".
وقد قارن بول كينيدي واقع الولايات المتحدة بوضع بريطانيا العظمى سابقا، مبينا أن خريطة القواعد العسكرية التابعة لواشنطن تشبه خريطة تلك التي كانت تنشرها لندن في مناطق عديدة قبل الحرب العالمية الأولى.
وبعد مرور 25 عاما على صدور كتاب المفكر بول كينيدي جاء ستيفن والت في 2011 وكتب في مجلة "ناشيونال إنترست" مقاله الشهير المعنون بـ"موت العصر الأمريكي".
قال ستيفن والت إن واشنطن فقدت قدرتها على صياغة وتشكيل النظام العالمي والتحكم في سلوك الدول الأخرى، كما كانت تفعل منذ 1945.
وقد رصد والت ملامح تؤيد بدء حقبة الأفول الأمريكي من بينها: صعود مراكز قوى جديدة ومستقلة، والفشل العسكري في عدة حروب، واستنزاف الموارد وتعاظم الديون.
وفي 20 يناير/كانون الثاني 2017 جسد وصول ترمب للسلطة رغبة شريحة واسعة في الانكفاء الداخلي والتخلي عن ممارسة الهيمنة على العالم، ورُفعت لافتات عريضة تحمل: "شعار أمريكا أولا".
وهذه الحقبة كتب عنها ريتشارد هاس في "فورين أفيرز" تحت عنوان "حاضرون عند الدمار" ، إذ رأى أن "انسحاب ترمب المفاجئ من الاتفاقيات والمنظمات العريقة، وهجماته على الحلفاء، واحتضانه للحكام المستبدين مع تجاهل انتهاكات حقوق الإنسان.. من شأنه أن يؤدي إلى تراجع ملموس في النفوذ الأمريكي".
وقد تحدث هاس عن دول صاعدة تفرض نفسها على الساحة العالمية اقتصاديا وعسكريا وتنفذ عمليات مسلحة في مناطق حيوية دون أن تطلب إذنا من واشنطن.
هذه المتغيرات جعلت الكاتب المرموق في مجلة "فورين أفيرز" يترقب تشكّل عالم جديد "لن تكون فيه السيطرة المطلقة للولايات المتحدة".
ثم تضاعفت متاعب واشنطن بفعل عبء تمكين إسرائيل من الأسلحة اللازمة لقتل 73 ألف فلسطيني في غزة وتشريد وتجويع بقية السكان وهدم وتجريف المرافق الخدمية والأحياء السكنية في حرب إبادة بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستمرت لأكثر من عامين.
وقد تابعت الجماهير على الهواء مباشرة اصطفاف معظم حكومات العالم ضد إرادة أمريكا في الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ حيث صوّتت ما بين 162 و167 دولة لصالح قرارات متتالية تُساند الحقوق الفلسطينية وتناهض الاحتلال بين عامي 2023 و2024.
ولم يقف في خندق الرفض بجانب الولايات المتحدة وإسرائيل سوى 7 دول فقط: الأرجنتين، وباراغواي، ودول من جزر المحيط الهادي: ناورو، وبابوا غينيا الجديدة، وميكرونيزيا؛ في مشهد يعكس تآكل قدرة واشنطن على قيادة التوجهات العالمية.
وربما كانت واشنطن تطمح للإبقاء على قوة الردع واستعادة الهيبة عبر ضرب إيران، فشنت عليها حربين بمعية إسرائيل: الأولى كانت حرب الأيام الـ12 في يونيو/حزيران 2025، وأما الثانية فكانت شاملة وطويلة حيث انطلقت في فبراير/شباط 2026، واستمرت شهرين.
نجحت واشنطن في اغتيال المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي والعديد من قادة الصفين الأول والثاني في دوائر صنع القرار في طهران.
لكنّ الصواريخ الإيرانية طالت معظم القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، فعطلتها كليا أو جزئيا؛ مما ألحق بواشنطن أذى بليغا في الأرواح والعتاد، وضرب مصداقيتها أمام حلفاء كانوا يتوقعون منها حمايتهم من كل المخاطر.
وفي كلمة ألقاها بمنتدى الدوحة للأمن أقر توم برّاك مستشار الرئيس الأمريكي بأن الولايات المتحدة خاضت 23 تجربة لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج والقوقاز وآسيا الوسطى و"أيّ منها لم يحقق النتائج المرجوة، وهو ما يستدعي مراجعة جدية لهذه السياسة".
ثم صارح الحاضرين بالقول إن واشنطن تريد أن تكون طرفا مساعدا، لا جهة تتولى فرض الحلول، داعيا دول المنطقة إلى الاضطلاع بمسؤولياتها الأمنية.
ورأت نيويورك تايمز في مقال حديث أن الحرب -التي أرادها ترمب استعراضا للقوة- قيدت قدرة الولايات المتحدة بدلا من تعزيزها، مستدلة على هذا الطرح بإجلاء أفراد من قواعد أمريكية في الشرق الأوسط، وسحب القاذفات الأمريكية من بريطانيا خوفا من تعرضها لاستهداف إيراني بأدوات غير تقليدية .
ولكنّ الضرر الأكبر جاء من إغلاق إيران لمضيق هرمز ردا على الحرب الأمريكية، مما تسبب في أزمة طاقة عالمية جعلت واشنطن في المحصلة تطلب "النجدة" من عدوها اللدود موسكو.
جمّد ترمب عقوبات على روسيا وقعها للتو واتفق مع بوتين في أكتوبر/تشرين الأول 2026 على تصدير كميات هائلة من الديزل إلى الأسواق الأمريكية والعالمية، لكنّ الرئيس الأوكراني -الذي يُفترض أنه حليف بدرجة تابع لواشنطن- تعمد عرقلة تنفيذ الاتفاق بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية، ليؤكد تراجع هيمنة أمريكا على الأصدقاء قبل الأعداء.
إذن، ركَن هاس ووالت وبول كينيدي إلى حقائق وملامح تتناغم مع المسلمات التاريخية: الأيام دول، ولكل أجل كتاب، وقد جعل الله لكل شيء قدرا.
ولكنْ من المسلمات أيضا أن الطبيعة لا تقبل الفراغ، فأي قوة يمكنها اقتناص الفرصة والاستعداد لفرض نفسها على المسرح الدولي بعد "موت العصر الأمريكي".
لقد أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن بناء حاملة طائرات جديدة بكلفة 12 مليار دولار، وتحدث باعتزاز كبير عن استعداد أحفاد نابليون لمتغيرات عسكرية وإستراتيجية على مستوى أوروبا والعالم.
لكنّ فكرة خلافة فرنسا لأمريكا لن يقبلها هاس ووالت وبول ولا أي كاتب آخر مرموق، لأن باريس تنهار بشكل متسارع في أفريقيا بعد أن قضت قرونا في تشييد الحصون وغزو العقول.
ورغم امتلاك فرنسا للردع النووي، فإنه ليست لديها الأساطيل الجوية والبحرية الكافية لنقل وإدامة أعداد ضخمة من قواتها خارج الحدود.
وليس الاقتصاد نقطة قوة حاليا في باريس، حيث يثور الشباب الفرنسي بعنف طلبا لتوفير مقومات العيش الكريم، ويتجاوز الدين العام حاجز 110% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يضع حدا لرغبة ماكرون في استعادة العظمة والنفوذ.
وقد قيل لفرنسا أنْ ترحل من أفريقيا ولم تجد بدّا من الامتثال، فودعت قواعدها في السنغال ومالي وتشاد والنيجر وبوركينا فاسو وابتعدت عن الذهب والألمنيوم والنفط والحديد والملح والنحاس، وتركت وراءها شعوبا تريد أن تمحو لغة مولير من حاضرها وماضيها.
وليست بريطانيا بأفضل حالا إذ لا يتجاوز تعداد قواتها البرية 73 ألف جندي، ويعاني جيشها من تقادم السلاح ومن نقص حاد في الذخائر.
وإذا كانت روسيا قوة عظمى من دون منازع، فإن لديها مشاكل تمنعها من تصدر المسرح العالمي، فمتاعبها الاقتصادية كثيرة حيث تخضع لعقوبات من 49 دولة وتتعثر في الميدان الأوكراني منذ 2022، "وليس لديها نموذج أيديلوجي مغر قابل للتصدير"، ثم إن سوابقها في التوسع والإخضاع محصورة في نطاقها الإقيلمي.
وهذه النتيجة تجعل الأنظار تتجه إلى المكاتب الأربعة التي يقع اثنان منها في شرق آسيا، والثالث في قلب أوروبا والرابع في مدينة يهبّ عليها نسيم الشرق والغرب وتقع بين قارتين وتطل على بحرين.
يقع المكتب الأول في مجمع عسكري ضخم على تلة إتشيغايا حيث ينتصب البرج الفولاذي مخترقا سماء منطقة شينجوكو في طوكيو، المدينة التي تضم 23 إقليما ويتجاوز عدد سكانها 37 مليون نسمة، ويبلغ حجم اقتصادها وحدها 1.1 تريليون دولار.
ولا تبعد التلة المحصنة سوى مسافة كيلومترين من قصر الإمبراطور المشيد فوق أنقاض قلعة إيدو التاريخية التي يربو عمرها على 560 عاما.
وليست 560 رقما استثنائيا في تاريخ اليابان؛ إذ قامت الإمبراطورية قبل 2680 عاما، وتعاقب عليها 126 إمبراطورا من عائلة واحدة مسجلة رقما قياسيا كأطول سلالة حاكمة في التاريخ دون انقطاع، من عهد جينمو الأول إلى حفيده "صاحب العظمة" ناروهيتو الذي يراقب حاليا النقاش الدائر في الوسطين السياسي والعسكري حول استعادة الأمجاد.
ففي المجمع الواقع على تلة إتشيغايا، يقع مكتب رئيس الأركان، ومن داخله يهندس الفريق أول هيرواكي أوتشيكورا خطة طوكيو للعودة إلى مسرح القوة ومحو عار الهزيمة وتكسير أغلال الاستسلام.
وقبل شهرين فقط، جهر ساسة اليابان بالقول إن البكاء وحده لم يعد يكفي لتخليد ذكرى ضرب الولايات المتحدة مدينتي هيروشيما وناغازاكي بالقنابل النووية في أغسطس/آب 1945.
وقد امتنعت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي عن توضيح ما إذا كانت ستُبقي على الالتزام القائم على 3 مبادئ: عدم امتلاك الأسلحة النووية، وعدم إنتاجها، وعدم السماح بدخولها إلى اليابان.
أما وزير الدفاع شينجيرو كويزومي، فقد أكد على ضرورة إجراء "نقاش بلا محرّمات" حول الأسلحة النووية في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية الدولية.
وقبل ذلك، أكد مسؤول ياباني رفيع أن بلاده يجب أن تمتلك أسلحة نووية، بعد مرور 80 عاما على خضوعها المطلق للأمريكيين بموجب وثيقة استسلام وُقِّعت على متن البارجة الأمريكية "يو إس إس ميسوري" في خليج طوكيو في الثاني من سبتمبر/أيلول عام 1945.
ومن أهم بنود الوثيقة: الاستسلام غير المشروط لجميع القوات المسلحة اليابانية، وإنهاء كافة العمليات الحربية فورا، والانصياع التام للقائد العام لقوات الحلفاء الجنرال دوغلاس ماكآرثر الذي خضع لسلطته حينها كل من الإمبراطور الياباني والحكومة وهيئة الأركان.
وتضمنت الوثيقة الإفراج الفوري عن جميع أسرى الحرب والمعتقلين المدنيين التابعين لقوات الحلفاء الموجودين تحت السيطرة اليابانية، والالتزام الشامل بإعلان بوتسدام، الذي يعني نزع سلاح اليابان وحل جيشها وتجريدها من السيادة على مستعمراتها في الخارج، والعمل على قتل نزعة التوسع والنفوذ لدى اليابانيين بشكل عام.
أساس هذا الإمعان في الإذلال، هو إدراك حقيقة القوة الجنونية لليابان والتي لم يكن هناك من سبيل لإضعافها سوى استخدام السلاح النووي للمرة الأولى والأخيرة على مر التاريخ.
وقد بدأت القصة من السابع من ديسمبر/كانون الأول 1941، عندما شنت القوات البحرية الإمبراطورية اليابانية هجوما خاطفا ومباغتا على القاعدة البحرية الأمريكية في "بيرل هاربر" بجزيرة أواهو في هاواي.
نفذ الجيش الياباني ضرباته عبر 353 طائرة حربية انطلقت من 6 حاملات طائرات، ما أسفر عن مقتل 2403 أمريكيين وإغراق وتدمير 8 بارجات حربية و18 سفينة وأكثر من 300 طائرة.
وعند هذه النقطة وصل قادة أمريكا إلى القناعة بأنه لا بد من قوة غير تقليدية وغير مسبوقة لهزيمة اليابان ووأد نزعة الغطرسة التي تتحكم في ضباطها وساستها.
وكان الرد الساحق في أغسطس/آب 1945، عندما ألقت قاذفات "بي-29" القنابل النووية على مدينتي هيروشيما وناغازاكي، فسقط أكثر من 200 ألف من القتلى والجرحى، ما حتم على قادة طوكيو توقيع وثيقة الاستسلام بعد ذلك بأقل من شهر.
لكنّ أمريكا 1945 تختلف عن هذه التي تسحب قاذفاتها من بريطانيا خوفا من هجوم إيراني، وتُغلق في وجهها المضايق، ويتحداها "القنصل الأوروبي" في كييف فولوديمير زيلينسكي، ولا يصطف معها في الجمعية العامة للأمم المتحدة سوى حفنة من الدول الضعيفة والهامشية: ناورو، وميكرونيزيا، وبابوا غينيا الجديدة، وباراغواي.
ولعل هذه المعطيات لا تغيب عن تاكايتشي وكويزومي وهيرواكي في استشراف مستقبل اليابان العسكري على المديين القصير والمتوسط.
تتجلى مساعي الساموراي للعظمة في رصد 310 مليارات دولار للإنفاق العسكري خلال 5 سنوات فقط (2023- 2027)، بمعدل 62 مليار دولار كل عام.
أيضا، بدأت اليابان إجراء تعديلات على المدمرتين "إيزومو" و"كاغا" لتصبحا حاملتي طائرات مقاتلة فعلية قادرتين على تشغيل مقاتلات الجيل الخامس "إف-35بي" (F-35B) ذات الإقلاع القصير والهبوط العمودي.
وفيما يخص قدرات الضربة المضادة، تم نشر 400 من صواريخ كروز "توماهوك" الأمريكية المشتراة حديثا، إلى جانب تطوير صاروخ "النوع 12" (Type 12) الياباني لزيادة مداه إلى أكثر من ألف كيلومتر لتغطية أهداف عميقة في شرق آسيا.
وحول القوة البشرية، تضم قوات الدفاع الذاتي "جيه إس دي إف" (JSDF) نحو 247 ألف جندي في الخدمة الفعلية، بدعم من أسطول بحري متطور يضم أكثر من 50 مدمرة و22 غواصة هجومية حديثة من فئتي "سوريوي وتايغي"، إلى جانب العمل على تطوير حاملتي طائرات.
حاليا، يحتل الجيش الياباني الرتبة 7 ضمن أقوى الجيوش على مستوى العالم. وفي حديث للجزيرة نت، يلاحظ خبير الشؤون العسكرية والأمن البحري اللواء محمد عبد الواحد أن اليابان بدأت تتحول من الدفاع الخالص إلى الردع الاستباقي.
وبالنسبة للواء عبد الواحد، فإن اليابان لم تعد ترضى بأن تبقى حيث تركتها نتائج الحرب العالمية الثانية، لأن "الوضع الآن تغير، ويحتم عليها أن تتكيف مع البيئة الأمنية المعقدة والمتوترة في شرق آسيا حتى يمكنها مواجهة هذه التهديدات الأمنية، خاصة من الصعود العسكري الصيني السريع، ومن التهديدات النووية والصاروخية لكوريا الشمالية".
وإذا ما استحضرنا ارتخاء قبضة الهيمنة الأمريكية، تبدو طريق اليابان سالكة -مبدئيا- نحو الوصول للعظمة وذلك انطلاقا من مقدراتها الاقتصادية والتكنولوجية وسوابقها في الغزو والمباغتة والإخضاع وتحطيم الحدود.
يتجاوز حجم الاقتصاد الياباني 4.2 تريليونات دولار، مستقرا في المرتبة الرابعة عالميا، معتمدا على قاعدة صناعات ثقيلة ودقيقة.
ومن الناحية التكنولوجية، تستحوذ اليابان على أكثر من 45% من الإنتاج العالمي للروبوتات الصناعية، وتهيمن على المواد الخام والمعدات الدقيقة لصناعة أشباه الموصلات مثل أجهزة الليزر الكيميائية والسيليكون عالي النقاء.
وبالعودة للماضي القريب، نرى أن اليابان كانت تعتنق عقيدة توسعية استعمارية تقوم على القوة والتبشير برفاهية الشعوب.
ففي النصف الأول من القرن العشرين بسطت الإمبراطورية سلطتها على دول وأقاليم عديدة من قبيل الكوريتين وهونغ كونغ وتايوان وبكين ومساحات واسعة من البر الصيني، والفلبين وسنغافورة وماليزيا وكمبوديا وفيتنام وإندونيسيا.
لقد سيطر الساموراي في ذروة جنونه العسكري على خمس سكان الأرض حينها، فتحكم في مصير 450 مليون نسمة، وكبد بريطانيا والولايات المتحدة خسائر مؤلمة في معارك "بيرل هاربر" وسقوط "سنغافورة" ومواجهات "باتان" وحصار "مانيلا" وحرب النزيف في "غوادالكانال".
وهذا ما يعلق عليه اللواء عبد الواحد بالقول: "ولا ينكر أحد أن المنطقة الآسيوية عانت كثيرا من الطموحات الإمبريالية اليابانية وتوسعها العسكري الذي بلغ ذروته في الحرب العالمية الثانية".
وهذه الحقائق المؤلمة جدا لا تغيب للحظة عن أذهان الضباط الذين يداومون حاليا في المكتب الثاني الواقع على بعد ألفي كيلومتر إلى الشمال الغربي من تلة إتشيغايا.
يقع مكتب رئاسة الأركان هذا في مبنى "الأول من أغسطس" في حي "هايديان" بوسط بكين، وتحديدا بجوار متحف الثورة العسكرية ومقر التلفزيون المركزي القديم.
ويقع هذا المبنى المهيب الفخم إلى الشرق، بالقرب من مجمع "تشونغنانهاي"، حيث تتركز مؤسسات صنع القرار: الحزب الشيوعي والرئاسة والحكومة. وهو ملاصق مباشرة لـ"المدينة المحرمة"، وإلى الغرب منه يقع المقر المحصن المحفور تحت الأرض، المخصص للقيادة العسكرية في أوقات الحروب والأزمات.
وتتناوب على إدارة هذا المكتب حاليا نخبة من الجنرالات، بينما يقود وزارة الدفاع من المكان نفسه الأدميرال دونغ جون الذي صعد للمنصب بعد التدرج إلى أرقى الرتب البحرية لأكثر من 45 عاما.
وبإمكان الأدميرال دونغ جون أن يغفل عن كل شيء، سوى أن المكان الذي يدير منه أضخم جيش في العالم، كان يوما يخضع لاحتلال اليابان.
وهذا يعني في المحصلة أن سعي اليابان للعودة لسالف مجدها تعترضه ضغائن التاريخ ومتغيرات الحاضر؛ حيث يبلغ تعداد الجيش الصيني أزيد من مليوني جندي في الخدمة الفعلية، بينهم أزيد من 900 ألف في القوات البرية وحدها، المكونة من 13 فيلقا.
ومن حيث الإنفاق العسكري تبلغ ميزانية الدفاع الصينية 275 مليار دولار في عام 2026، وهي ثاني أضخم ميزانية عسكرية بعد الولايات المتحدة.
وتمتلك الصين أكبر أسطول بحري في العالم حيث يبلغ قوامه 470 قطعة قتالية، فيما تمتلك ترسانة نووية وثلاث حاملات طائرات و60 غواصة.
كذلك تمتلك الصين ترسانة من الصواريخ فائقة السرعة والقوة، تصل إلى مدى يتجاوز 15 ألف كيلومتر، وبإمكانها ضرب أي هدف على كوكب الأرض.
وبينما يضم الأسطول الجوي أكثر من 2800 طائرة قتالية وعددا من القاذفات الإستراتيجية وطائرات النقل، تمتلك القوات البرية كمّا هائلا من الدبابات والمدرعات وراجمات الصواريخ الموجهة بالأقمار الصناعية.
وفي المجال التكنولوجي، يمتلك الجيش الصيني قدرات عالية في الفضاء والسيبرانية وتقنيات التشويش والحروب الإلكترونية، والتوجيه الذكي باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي حذرت الصين اليابان من هزيمة عسكرية "ساحقة" إذا استخدمت طوكيو القوة للتدخل في تايوان التي تطالب بكين بالسيادة عليها.
يومها جاء التحذير الصيني ردا على تصريح لرئيسة الوزراء اليابانية قالت فيه أمام البرلمان إن أي هجوم صيني على تايوان قد يُعد "وضعا يهدد البقاء" ويؤدي إلى رد عسكري من طوكيو.
وفي يناير/كانون الثاني الماضي قال متحدث الخارجية الصينية لين جيان إن اليابان بدأت تنفيذ "خارطة طريق فعلية" "لإعادة العسكرة"، متجاوزة القيود الصارمة التي فرضها الدستور على القوة العسكرية لليابان وحقها في إعلان الحرب.
وقد اعتبرت الخارجية الصينية أن اليابان لم تقطع صلتها تماما بـ"النزعة العسكرية"، مستشهدة باستمرار تكريم 14 من "مجرمي الحرب من الدرجة الأولى في ضريح ياسوكوني، ومحاولات القوى اليمينية تبييض تاريخ العدوان في المناهج الدراسية".
وفي حديث مع الجزيرة نت، يقول خبير الشؤون الإستراتيجية والعسكرية الدكتور علي الذهب إن الصين "تفكر في ماضيها مع اليابان، وهو ماض ملطخ بأحداث دموية ومآس، مما يعزز لديها هاجس تقوية قدراتها العسكرية. هذا التفكير يجعل الدول تركز على بناء قواتها المسلحة واستثمار المزيد في الإنفاق الدفاعي".
لكنّ الصين التي تؤهلها إمكانياتها لقيادة ما بعد العصر الأمريكي لا تنظر عسكريا إلى أبعد من محيطها، إذ تختزل القضايا الإستراتيجية في اعتراض صعود اليابان والاستعداد لضم تايوان وكبح الإرث الغربي في هونغ كونع، وبعض النزاعات الثانوية في بحر جنوب الصين.
وهذا ما يشرحه اللواء عبد الواحد بالقول إن "الصين بالفعل تتأهب لتكون القوة الأولى عالميا، لكنْ ليس من منظور عسكري. فهي لا تريد أن يكون لها قواعد عسكرية حول العالم مثل الولايات المتحدة الأمريكية، ولا تريد أن تكون لديها قواعد وأساطيل بحرية في كل أنحاء العالم".
والصين، التي تمتلك ثاني أقوى جيش على مستوى العالم، تركز حاليا على التكنولوجيا وجني المال "وتريد أن تصبح القوة الأولى ولكنْ من خلال الاقتصاد، عبر سلاسل التوريد أو سلاسل الإمداد.. مع تجنب الوقوع في فخ الإمبراطورية الاستعمارية الكلاسيكية التي قد تستنزف مواردها. إلا أنها لا تمانع من تطوير ترسانة عسكرية ضخمة تدافع بها عن مصالحها وترفع الكلفة على أي دولة تفكر في الاعتداء عليها".
فالصين وفق اللواء ليس لديها طموح استعماري عابر للقارات والحدود "بالطريقة التي مارسها الأوروبيون من قبل، مثل البرتغال وإسبانيا وإنجلترا وفرنسا، لكنها تنظر إلى نفسها على أنها "إمبراطورية الوسط".
وهذه النقطة الفارقة تقتضي التوجه غربا إلى المكتب الواقع في قلب مدينة أوروبية يؤمن أهلها بأنهم أنقى عرقا من بقية البشر ولديهم تاريخ حافل بتكسير الحواجز وتمزيق الخرائط وإنزال الجنود في المدن التي كان سكانها يظنونها عصية على الأعداء.
من الجنوب، يتنسم حي "تيرغارتن" هواء قناة "لاندفير"، وإلى الشمال منه يمتد الأفق بمتنزه "غروسار"، وفي الغرب اتسع المجال قديما للدبلوماسية فازدحمت المنطقة المحاذية بمباني السفارات، بينما يبدأ حيز القوة في الجنوب الشرقي حيث مجمع بندلربلوك مقر القيادة العليا للجيش.
أنت الآن في مركز الغطرسة في الكون، وفي المكتب الكائن بمجمع بندلربلوك يتابع الفريق كارستن بروير توبيخ ترمب لأوروبا وملامح تصدع النظام الدولي، ويتحسب للحظة فارقة قد تتيح لبرلين أن تعود لسيرتها الأولى.
فعلى بعد كيلومتر واحد إلى الشرق من هذا المكتب يقع مقر الرايخ الثاني والثالث، حيث تم اتخاذ أعتى القرارات العسكرية على مر التاريخ من قبيل: رسم حدود أفريقيا واحتلال فرنسا وبلجيكا والنمسا وبولندا واجتياح الاتحاد السوفياتي ومحو سيادة دول عديدة في مشارق الأرض ومغاربها.
وقد كان ذلك في مرحلتين: الأولى؛ في عهد المستشار أوتو فون بيسمارك، حيث تمت صياغة عقيدة الصعود بالحديد والدم، وانصهرت ولايات وأقاليم ضمن الإمبراطورية العظمى.
والثانية؛ في حضرة المستشار أدولف هتلر، وفيها بلغ جنون القوة أقصاه، فانطلقت الماكينة العسكرية للفيرماخت من نفس هذا الحي تدمر كل شيء فسيطرت على ثلت الاتحاد السوفياتي واجتاحت أوروبا في أسابيع، فسقطت باريس وانهارت عواصم أخرى، لتتحول الحدود وخرائط الجغرافيا إلى مجرد درس من التاريخ.
لكنّ وقائع شهيرة في الحرب العالمية الثانية وضعت حدا لهذا الطغيان الكبير؛ فتلقى الألمان ضربة موجعة على يد الجيش الأحمر السوفياتي في ستالينغراد وكورسك في عام 1943، ثم جاء إنزال نورماندي لتحرير فرنسا من قبضة النازية بعد ذلك بعام.
وفي أبريل/نيسان 1945، جرت وقائع معركة السقوط الكبير؛ فطوّق الجيش الأحمر برلين ووصل القتال إلى حي تيرغارتن ومقر القيادة في "بندلربلوك" ومبنى الرايخستاغ.
وبعد انتحار أدولف هتلر والاستسلام الكامل، جفّ الحبر الألماني عن كتابة مصائر الشعوب، منذ 1945 وحتى اليوم.
لكنّ جيوش الحلفاء لم تقتل شعور الألمان بالسمو العرقي وبأن لهم الحق في ممارسة السيادة على بقية الشعوب.
وعندما أمعن ترمب في الحط من قدر قادة أوروبا على هامش منتدى دافوس، كان القاضي السبعيني فريدريش ميرتس قد وصل إلى مقر المستشارية في حي "تيرغارتن" وبيده "حكم نهائي" يقضي بأن بلاده لن تواصل الرضوخ لنظام القوة، وباستطاعتها أيضا رسم المستقبل.
وكأي قاضٍ في عمره، لم يُصدر المستشار ميرتس هذا الحكم من فراغ، وإنما استند في صياغته إلى حيثيات السلاح والسياسة والاقتصاد والتاريخ.
وهذا التحول يستحضره اللواء عبد الواحد بالقول إن "ألمانيا لها تاريخ طويل من الحروب، وهي من اخترعت أصلا فكرة المجال الحيوي للدول، حيث كانت تعتبر نفسها دولة متفوقة، وأن الجنس الآري أو الجنس الجرماني مختلف عن بقية الأجناس الأخرى".
وفي الجانب الاقتصادي، تحتل ألمانيا المركز الثالث عالميا بناتج محلي إجمالي يتجاوز 5.4 تريليونات دولار؛ بقاعدة ثقيلة تستند إلى السيارات والمعدات العسكرية والهندسية، والأجهزة الطبية والكيميائيات.
وألمانيا الثرية جدا هي إحدى أقل الدول مديونية مقارنة بنظيراتها في مجموعة السبع، مما يمنحها هامشا هائلا للاقتراض والإنفاق الاستثنائي وقت الأزمات دون مواجهة مخاطر الإفلاس.
ومنذ وصوله إلى السلطة، يدفع السيد القاضي ميرتس نحو تعزيز القدرات العسكرية لبلاده، استعدادا لقيادة القارة العجوز عندما تحين لحظة الفراغ الأمريكي المرتقبة.
وقد خرجت الخلافات بين الجانبين إلى العلن، وتجلت في محطات عدة، بينها إعلان وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) رسميا عن خطة لسحب 5 آلاف جندي من تمركزاتها في ألمانيا.
ولم يكتفِ المستشار الألماني بعدم تقديم الدعم لترمب في حربه على إيران، بل استبعد انتصار واشنطن عسكريا، مشيرا إلى أنها تتعرض للإذلال في جولات التفاوض أيضا.
وفي أكثر من محفل، قال المستشار بأعلى صوته: "إن الحقبة التي كان يمكن فيها لألمانيا وأوروبا الاعتماد التلقائي على المظلة الأمنية والحماية الأمريكية قد انتهت إلى غير رجعة".
ثم كشف بشكل صريح طبيعة ما يخطط له الفريق أول كارستن بروير في مكتبه بمقر "بندلربلوك" في حي تيرغارتن: "علينا أن نملك القوة لنكون ندا يُحسب له الحساب".
وحتى ينفذ قائد الجيش خطة الندية، أقرت الحكومة في برلين ميزانية عسكرية لعام 2026 تجاوزت 124 مليار دولار، لتكون الأضخم في تاريخ البلاد الحديث.
تستهدف الخطة تحديث السلاح الجوي والدفاع الصاروخي، وبناء منظومات جديدة لحماية السماوات الأوروبية من أي شرر قد يتطاير من الروس أو من غيرهم.
وفي الجانب البري، يرمي الجنرال إلى رفع كفاءة دبابات "ليوبارد" العريقة، وتحديث مدرعات "بوما" و"بوكسر"، وتأمين المخزون الإستراتيجي من الذخيرة الثقيلة.
كذلك، بدأ العمل فعليا على توسيع نطاق تحرك جهاز الاستخبارات، وتم رصد مليارات الدولارات لقيادة الفضاء والحروب السيبرانية، لربط وحدات الجيش بشبكات استطلاع وتوجيه لحظية.
ويتطلب الاستعداد لحرب تلوح في الأفق رفع المقدرات البشرية للجيش، الذي يبلغ تعداده حاليا 181 ألف ضابط وجندي في الخدمة الفعلية.
وحاليا، تمتلك ألمانيا أسرابا من المقاتلات المتطورة تتولى حماية أجواء شمال أوروبا والجناح الشرقي، أما في الجانب البحري، فتتركز قوتها في بحري الشمال والأبيض المتوسط، حيث تنشر فرقاطات وغواصات فائقة التطور.
وتبدو ألمانيا جديرة بالعظمة في ظل امتلاك المال الوفير، والتكنولوجيا المتطورة، والشعور بالتفوق، والسوابق التاريخية في فرض سلطانها على الأمم.
لكنّ عودتها إلى المجد الأول قد تعترضها مطبات، من قبيل الحاجة إلى مدى زمني لتنفيذ خطة التسليح، وتعقيدات المعاهدات والمواثيق التي تلزمها بأن تبقى حيث وضعتها قواعد الاستسلام.
وإلى أن تتعاطى برلين مع هذه التعقيدات، يمكن الاتجاه جنوبا نحو مدينة يتنازعها الشرق والغرب، ولها تاريخ حافل بتجهيز الألوية، وإغراق الأساطيل، ودك الحصون والقلاع.
في الحد الفاصل بين أوروبا وآسيا، يقف حي "أسكودار" متسيدا الزمان والمكان: إلى الشمال جامع "مهرماه سلطان"، وفي الجنوب الغربي "برج الفتاة" المكلف بحراسة 700 عام من الأمجاد، ومن الشرق المسجد الأكبر وبرج الاتصالات فوق تلة "تشامليجا".
وإلى الغرب من الحي، يمتد مضيق البوسفور، ومنه تتراءى في الجانب الأوروبي قمم "آيا صوفيا"، وأسوار بيزنطة التي حطمها العثمانيون، وقصر "توبكابي"، وقلعة "يدي كوله" حيث كان يتم احتجاز سفراء موسكو وباريس ولندن عندما تثير حكوماتهم حفيظة السلطان.
وفي الجنوب، وتحديدا عندما يقف البوسفور لعناق مرمرة، يقع مقر قيادة "الجيش الأول" في "ثكنة سليمية" ذات الأبراج الأربعة، التي أُديرت منها عمليات الغزو والفتح والإمداد لقرون.
وهذا هو رابع المكاتب التي لا تغيب عن أذهان الساسة والخبراء في قراءة ملامح الصعود، واستحضار تجارب تذويب الحدود، وطمس الجغرافيا، وإعادة كتابة التاريخ.
سيد هذا المكان هو الفريق أول باختيار إرساي الذي تولى رسميا قيادة الجيش الأول، في مطلع أغطس/آب 2025، بعد أن راكم خبرة ميدانية طويلة تجسدها بزته المرصعة بالأوسمة والنياشين.
ورغم أن قيادة الأركان تقع حاليا في أنقرة، فإن تاريخ القوة كُتب من إسطنبول، وبالذات من المكان الذي يديره هذا الضابط المخضرم، حيث عبر العثمانيون المضيق إلى الغرب أول مرة في منتصف القرن الرابع عشر، ثم توّجوا مسيرة الفتح بتحطيم أسوار بيزنطة عام 1453م.
ولم يطل الزمن حتى هيمن الأتراك على 3 قارات، فخضعت لهم أقاليم عديدة من أعالي المجر وأسوار فيينا شمالا إلى جبال اليمن وشواطئ الخليج جنوبا، ومن الجزائر وأطراف الأطلسي غربا إلى القوقاز وحدود فارس شرقا.
وفي ذروة قوتها وصلت الدولة العثمانية إلى تخوم ألمانيا وعسكرت في تولون في قلب فرنسا لحماية ملكها فرانسيس الأول من بطش إمبراطورية آل هابسبورغ الرومانية المقدسة عام 1543.
ولقرون عديدة، أذلت أمة الترك أقواما ورفعت آخرين، ودانت لهم 40 دولة من بينها: كرواتيا وأوكرانيا والمجر وصربيا وجورجيا وأرمينيا، وسوريا ولبنان ومعظم دول الخليج ومصر والجزائر وليبيا وتونس والسودان وإريتريا والصومال.
وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى استسلم الأتراك لحقيقة أنهم فقدوا قدرتهم على التحكم في مصائر الشعوب، وكان الحفاظ على إسطنبول آخر نصر سطّروه في الميدان، حيث ارتقى 250 ألف شهيد في الدفاع عن أسوارها في أيام مشهودة من عام 1915.
لكنَ تركيا أردوغان تختلف كليا عن تلك التي هُزمت في الحرب العالمية الأولى، وعاشت نحو 100 عام من العزلة والانكفاء على الذات.
قبل عامين، قال أردوغان أمام كوكبة من الضباط: "من سوريا إلى شمال العراق، ومن ليبيا إلى الصومال، تؤدي قواتنا المسلحة مهامها بنجاح واقتدار في كل مكان تتولى فيه المسؤوليات".
وفي حفل بالكلية الوطنية الحربية، تحدث "السلطان" باعتزاز عن الأبطال والمحاربين الذين دافعوا "عن الوطن قرابة ألف عام".
وهذا النفَس السلطاني في خطابات "الخليفة العثماني"، له ارتجاجات كبيرة على الأرض ويلقى صدى في مراكز صنع القرار.
ففي حين تنشر تركيا قوات في عدة مناطق من قبيل سوريا والعراق والصومال وليبيا وتبرم اتفاقات دفاع مع السعودية وباكستان وقطر، يثير صعودها هلعا كبيرا في اليونان وإسرائيل وفي عواصم غربية عديدة.
حاليا، يحتل الجيش التركي المرتبة التاسعة عالميا والأولى في الشرق الأوسط والثانية في حلف الناتو، ويبلغ تعداده نحو 480 ألف جندي في الخدمة الفعلية، ونحو 380 ألفا في الاحتياط.
تمتلكُ تركيا أسرابا من مقاتلات (إف-16) الأمريكية المحدَّثة، وأعلنت عن إنتاج المقاتلة "كآن" وهي مقاتلة متعددة المهام من الجيل الخامس، ثنائية المحرك وقادرة على العمل في جميع الأحوال الجوية، وقد صُممت لتكون العمود الفقريَ لأسطول الطيران التكتيكي في سلاح الجو التركي.
وبشكل عام يمتلك سلاح الجو التركي ألف طائرة عسكرية، وأنظمة دفاع عديدة، إلى جانب ترسانة ضخمة من المسيَّرات المتطورة من طُرز "بيرقدار" و"أكينجي" و"العنقاء".
وفي الجانب البري، يمتلك الجيش التركي آلافا من الدبابات والمدرعات وأنظمة المدفعية والصواريخ، وجحافل من المقاتلين تتوزع على مختلف أرجاء البلاد.
أما البحرية التركية فتضم 180 قطعة نشطة، بينها حاملة الطائرات المسيرة "تي سي جي أناضولو" (TCG Anadolu)، و15 فرقاطة، وعشرات الزوارق الهجومية، و11 كاسحة ألغام، و12 غواصة، و35 سفينة تزود بالوقود.
وتشكل المعدات والأسلحة المصنّعة محليا حاليا أكثر من 80% من إجمالي تسليح الجيش التركي.
وهذه القوة الهائلة، جوا وبرا وبحرا، يدعمها إنفاق عسكري هائل يتجاوز 44 مليار دولار للعامِ الحالي، وتستند إلى خبرة 700 عام من القتال المتواصل.
وفي قراءته لصعود "الجيش المحمدي"، يقول الخبير العسكري الدكتور علي الذهب إن "تركيا تنطلق من ماض عسكري عريق، إذ كانت تسود على جزء كبير من العالم. ومع تعافيها الاقتصادي والصناعي، تحاول أن تكون في مصاف الدول العظمى".
ثم إن إنها "لم تهمل في الوقت ذاته اقتصادها العسكري، خصوصا الصناعات الدفاعية، حيث أصبحت قوة صاعدة في مجال الصناعات العسكرية في الشرق الأوسط دون منازع".
في الجانب الاقتصادي، تحتل تركيا المرتبة 11 عالميا، بناتج إجمالي يتجاوز 1.6 تريليون دولار ما يمنحها مكانة مرموقة ضمن مجموعة الدول العشرين الأقوى اقتصادا على مستوى العالم.
لكنّ هذا الرقم رغم ضخامته يجعل تركيا في الجانب الاقتصادي بعيدة جدا عن الصين وألمانيا واليابان حيث تحتل هذه الدول على التوالي المراكز 2 و3 و4 على مستوى العالم.
وتقول حسابات الأرقام إن تركيا تأتي خلف الصين من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، لكنها تتميز عنها بخبرتها الطويلة في تعديل موازين القوة في أوروبا وفرض سلطانها على القريب والبعيد.
أما ألمانيا واليابان فتتقدمان على تركيا اقتصاديا بينما تتقارب الإمكانيات العسكرية للدول الثلاث، لكنّ أحفاد السلطان محمد الفاتح تميزوا عن ورثة الرايخ وعن جنود إمبراطورية الشمس بأن مدنهم استعصت على جيوش الحلفاء، فلم يوقعوا وثيقة استسلام وإذعان تعترض طريقهم الجديد نحو الصعود. وفي مقال نشره -السبت- موقع "ذا هيل"، قال دوف زاخيم، المسؤول السابق في البنتاغون، إنه أمام تراجع الالتزام الدفاعي للولايات المتحدة مع حلفائها، تتجه قوى دولية أخرى إلى بناء ترتيبات دفاعية مستقلة، من أوروبا إلى الشرق الأوسط وآسيا.
ووفقاً لزاخيم، فإن هذه التحركات لا تعزز أمن تلك الدول فحسب، بل تكشف أيضاً تآكل الثقة في واشنطن وتفتح المجال أمام منافسين آخرين.
وفي الشرق الأوسط، لفت زاخيم إلى توقيع عدة شراكات ذات طبيعة دفاعية وعسكرية لتعزيز الدفاع المشترك، وتطوير التعاون العسكري عبر الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
Loading ads...
وأيّا يكن، فإن هناك 4 مكاتب شديدة التحصين مرشحة لإحداث تغيير في مجرى التاريخ: اثنان منها في شرق آسيا تفصل بينهما مسافة ألفي كيلومتر، والثالث في قلب أوروبا وتفصله مسافة 1700 كيلومتر عن الرابع الواقع في مدينة تمد بسببين للشرق والغرب وتقع بين قارتين وتطل على بحرين.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




