منذ أيام تعرض مواقع التواصل الاجتماعي لنا تباعاً فيديوهات قاسية لما كان يتعرَّض له المعتقلون السوريون في سجون النظام الأسدي البائد ومشافيه العسكرية التي تحوَّلت عن وظيفتها، كان تأثير هذه الفيديوهات بالنسبة لبعضهم صادماً، بالمعنى الحرفي للكلمة؛ لأنَّها ترجمت كلَّ التصورات اللغوية إلى سلوك عملي بالصوت والصورة، وبقدر ما كانت المشاهد صادمة كانت أيضاً مؤلمة لإنسانية الإنسان الذي ينبغي أنَّه قد ترفَّع عن سائر المخلوقات بعقله الذي يوجِّه سلوكه ويجعله مسؤولاً عنه.
لكن مَنْ يعرف وضاعة النظام الأسدي يعرف أنَّه لا حدود للجرم الذي يمكن أن يقترفه هو وأذياله بحقِّ من يقف في وجهه وينادي بسقوطه، وبحقِّ المدنيين الذين حكمهم لسنوات بالخوف والقمع. هذا النظام كان مدرسة ممنهجة خلَّفت وراءها منظومة متكاملة ذات عقلية منفلتة من القيود الأخلاقية، ولكنَّها في الوقت نفسه كانت راضخة لقيد العبودية الذي تكيَّفت معه حتى الإذعان والتبعية المطلقة، وأيُّ سلوك كان يصدر عن هذه العقليات يعدُّ جزءاً لا يتجزَّأ من منظومة مغلقة تسير كلُّها لإرضاء استمرارية النظام والحيلولة دون سقوطه، وذلك من دون وعي حقيقي لمفاهيم الواجب والانضباط والولاء.
إنَّ كلَّ فرد ضمن هذه المنظومة يتحمَّل المسؤولية بشكل كامل ومستقل عن كلِّ سلوك إجرامي وغير إنساني تمَّت ممارسته، ومن غير المقبول إلقاء التهم على الآخرين من قادتهم..
يظهر السجانون في مشفى تشرين العسكري ضمن التسريبات المنتشرة وهم يقومون بسلوكيات غير بشرية تتداخل فيها الأدوار المهنية مع الوظائف القمعية، حيث يصبح للعنف شكلاً جديداً مزدوجاً لا يفصل بين تقديم الرعاية وإلحاق الإيذاء، ولا يفرِّق بين الإنسانية واللاإنسانية بأقسى صورها، ليتحوَّل قسم أبقراط الذي أقسمه أطباء المسلخ البشري إلى دليل إدانة على هذه القدرة العجيبة على الانتهاك، وكأنَّ هذا التداخل حين تحوَّل إلى نمط ذهني مستقر يمارس يومياً بشكل متكرر، وبدم بارد، ومن دون أدنى شعور بالذنب غدا فعلاً منسجماً مع وعيهم ولا يحتاج إلى مساءلة ولا يستدعي أيَّ صراع داخلي.
وتبرز خطورة هذه التحوُّلات في عقلية السجان أنَّها امتدَّت من السلوك الفعلي الظاهر لتخترق البنية العميقة للوعي، حيث يتمُّ إعادة تشكيل الإدراك نفسه وفق منطق يجعل الانتهاك أمراً غير طارئ، ونابعاً من إرادة ذاتية كاملة، صحيح أنَّ هذه الممارسات تشكِّل جزءاً من منظومة كبرى تشجِّع هذه الانتهاكات وتمنحها غطاءها، إلا أنَّها مع مرور الوقت تغدو عند الفرد ممارسات بدهية، وقناعة ضمنية تأتي استجابة لوعي تام بأنَّ ما يتمُّ فعله هو ما ينبغي فعله، حتى لو غابت التراتبية الوظيفية التي تلقي الأوامر والنواهي، بمعنى أنَّ النظام استطاع برمجة عقلية السجان بحيث غدت هذه العقلية تعمل كآلية داخلية مستقلة، تعيد إنتاج الفعل وتمنحه مشروعيته من داخلها، فيغيب الإحساس بالحاجة إلى التوجيه، ويحلُّ محلَّه وعي مغلق يرى في الانتهاك خياراً وحيداً لا لبس فيه.
ولذلك فإنَّ كلَّ فرد ضمن هذه المنظومة يتحمَّل المسؤولية بشكل كامل ومستقل عن كلِّ سلوك إجرامي وغير إنساني تمَّت ممارسته، ومن غير المقبول إلقاء التهم على الآخرين من قادتهم، وهي تهم حقيقية على كلِّ حال، لأنّهم لم يكونوا مجبرين كما يدَّعون، ولم يكونوا مكرهين، ولا شيء؛ من كلام وسلوك وإشارات، يشي في هذه الفيديوهات التي رأيناها أنَّهم كانوا يقترفون التعذيب خارج إرادتهم التامة ورضاهم الكامل، فكلُّ تصرف وكلُّ كلمة كان انعكاساً لوعيهم المشوه إنسانياً.
ولكي يسهِّل هؤلاء المجرمون تنفيذ الجريمة كان لا بدَّ لهم من إعادة تعريف الآخر الذي كان يتم اختزاله إلى كيان مجرَّد من الإنسانية وجعله شيئاً مثله مثل سائر المخلوقات غير الإنسانية، وأبسط ما فعلوه هو أنَّهم نزعوا عنه الاسم فأصبح رقماً، من الصعب التعرُّف عليه أو تمييزه، هذا الرقم بالنسبة لهم لا يملك هوية أو ذاكرة، ولا يشير إلى أيِّ دلالة إنسانية، وبذلك تنقطع كلُّ الروابط بين السجَّان والمعتقل، فلا شيء يمتلكه هذا الرقم سوى الفراغ الذي يصبح من السهل جعله موضوعاً للسيطرة والقمع والعنف والقتل.
إن غياب العدالة الانتقالية يعني بقاء الذاكرة مثقلة، واستمرار الشروخ داخل المجتمع، وهو ما يجعل المستقبل امتداداً مشوَّهاً للماضي، أمَّا حضورها فيشكِّل خطوة نحو استعادة التوازن الأخلاقي، وإعادة الاعتبار للإنسان بوصفه القيمة العليا التي ينبغي أن تبنى عليها كلُّ منظومة سياسية واجتماعية.
المسؤولية الوحيدة التي قد يشعر بها السجان هي امتثاله للأوامر ومدى التزامه بها، ممَّا يعني وصوله إلى حالة من التبلُّد الأخلاقي بعد انفصاله التدريجي عن القيم، وتساعد المنظومة الفاسدة التي ينتمي إليها من تعزيز هذا السلوك من خلال تحفيزه والتشجيع عليه وإعطائه شرعية ضمنية تطلق خياله للتفنُّن بأساليب التعذيب والتفاخر بها؛ لأنه يعمل داخل نظام يقوم على المراقبة والشك، ممَّا يدفعه إلى تبني سلوكيات أكثر تشدداً لضمان موقعه وتفادي الشبهات، ضمن هذا الإطار يصبح الإفراط في العنف خياراً أقل مخاطرة من التردُّد، لأنَّ الأخير قد يفسَّر بوصفه ضعفاً أو خروجاً عن الانضباط.
Loading ads...
في ضوء هذا التشابك بين السلوك والبنية الذهنية، تتَّضح الحاجة إلى مسار يتجاوز الإدانة الخطابية نحو معالجة جذرية تعيد بناء مفهوم العدالة على أسس إنسانية وقانونية واضحة، وهو ما ينبغي أن تتيحه العدالة الانتقالية من خلال محاسبة الجناة وكشف الحقيقة كاملة وتوثيق الانتهاكات وردِّ الاعتبار للضحايا. مع ضمان عدم تحوُّل المحاسبة إلى انتقام وذلك من خلال تطبيق العدالة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





