شهر واحد
من معبد وثني إلى كنيسة فمسجد.. الجامع الكبير بحمص ونقوشه الإغريقية الغريبة
الأربعاء، 25 فبراير 2026
عثر مؤخراً على نقوش يونانية على قاعدة أحد الأعمدة داخل الجامع الكبير بحمص، وهذا ما أحيا من جديد الجدل القديم بين الباحثين والعلماء حول الموقع الحقيقي لمعبد الشمس، الذي اعتلى كبير كهنته عرش الإمبراطورية الرومانية في القرن الثالث الميلادي، فأصبح اسمه إيلاغابالوس.
عرفت حمص في التاريخ القديم باسم إيميسا، وأضحت حاضرة لمدينتها التي حملت الاسم ذاته، واحتفت على مدار عصور طويلة بمعالمها التاريخية المميزة، وعلى رأسها الجامع الكبير الشهير بشكله البيضاوي.
عثر على ذلك النقش الغريب تحت أحد أعمدة الجامع خلال عمليات الترميم، ويحمل موقع الجامع أهمية دينية وتاريخية أخرى جعلته يعرف باسم الجامع النوري وذلك لارتباطه بالحاكم الزنكي نور الدين الذي حكم المنطقة في القرن الثاني عشر الميلادي.
يعتقد كثيرون بأن هذا الجامع بني على أنقاض كنيسة القديس يوحنا المعمدان، ولهذا فإن له تصميماً معمارياً مستطيل الشكل، واشتهر على مدى الأزمان بقداسته وأهميته منذ العصور القديمة.
حاولت دراسة نشرت في مجلة Shedet المتخصصة بعلم الآثار حل المعضلة القديمة المتصلة بالجامع الكبير بحمص، والإجابة على السؤال: هل بني هذا الجامع على أنقاض معبد إيلاغابالوس أم لا، بعد أن حير هذا السؤال المؤرخين على مدى عقود، وبقي بلا إجابة نظراً لعدم توفر دليل قاطع.
يرى الدكتور مأمون صالح عبد الكريم، أستاذ علم الآثار والتاريخ بجامعة الشارقة، ومؤلف تلك الدراسة، بأن النقش يمثل تقدماً معرفياً مهماً، ويعتقد بأن بوسعه تبيان أصول هذا المعلم الإسلامي المقدس الذي كان معبداً وثنياً، ثم تحول إلى كنيسة مسيحية، ومن ثم إلى مكان مهم للعبادة عند المسلمين، ويشرح رأيه بقوله: "هذا النقش الذي تم العثور عليه خلال عملية الترميم، يقدم دليلاً جديداً في خضم جدل امتد لزمن طويل حول السؤال: هل يوجد معبد إيلاغابالوس تحت الجامع الكبير الحالي في مركز المدينة، أم أنه موجود ضمن الطبقات الأثرية التي تعلو التل حيث ما تزال آثار قلعة حمص الإسلامية قائمة حتى الآن؟"
طبقات وأديان مختلفة
على مدار سنين طويلة، بقي العلماء يتساءلون إن كان الجامع الكبير بحمص معبداً بالأصل، ثم أضحى كنيسة، على الرغم من دراستهم المستفيضة للمصادر النصية وللقى النقدية والشواهد الأثرية. ولكن اكتشاف هذا النقش الجديد سلط الضوء مرة أخرى على هذا النقاش القديم.
درس الدكتور عبد الكريم النقش في محاولة منه لمعرفة الصلة بين الجامع الكبير الحالي والمعبدين الوثني والمسيحي اللذان كانا قبله، وهذا ما دفعه إلى القول: "في حال التأكد من صلته برمزية عبادة الشمس، فيحتمل أن يشير ذلك إلى وجود حيز مكاني مستمر بين المعبد الوثني والمقرين الدينيين اللذين بنيا بعد ذلك في الموقع ذاته، وهذه الأدلة تدعم وبشكل كبير الجدل القائل بإن التحول الديني في إيميسا حدث على فترات زمنية عبر إعادة تأويلها، ولم يحدث عبر فترة انقطاع تامة، كما يؤكد ذلك أهمية التعاون بين علوم مختلفة تجمع ما بين علم الآثار، ودراسة النقوش، والتاريخ العمراني، وحفظ التراث".
ترى الدراسة بأن إيمسا، أي حمص اليوم، أقيمت على فترات دينية كبرى، بدأت بالوثية، ثم المسيحية، فالإسلام، وفي ذلك دراسة فريدة لحالة على مدار تحولاتها الدينية، ومقاومتها الثقافية، وهوية مدينتها التي قامت على طبقات، ضمن إطار عمل علم الآثار في الشرق الأوسط.
ويدرس هذا البحث "تطور الحياة الدينية في إيميسا خلال الحقبة الرومانية ومطلع الحقبة البيزنطية، ويوضح كيف تغير المشهد الديني للمدينة من عبادة آلهة محلية، مثل الإله إيلاغابالوس، وصولاً إلى اعتناق عامة الناس للمسيحية في القرن الرابع الميلادي"، حسب رأي الدكتور عبد الكريم الذي يتابع بالقول: "تكشف دراسة العوامل السياسية والاجتماعية التي أدت لهذا التحول عن وجود تاريخ معقد من التسامح والنضال الديني الذي سمح للمسيحية بأن تزدهر في نهاية المطاف".
النقش الغريب لم يعد لغزاً
يعتبر النقش على حجر الغرانيت جزءاً لا يتجزأ من قاعدة أحد الأعمدة في الجامع الكبير بحمص، وقد كتب بالإغريقية، حيث حفر النص مباشرة على سطح الحجر الغرانيتي، وبحسب عالمة الآثار تيريز ليون، رئيسة قسم الحفريات الأثرية بحمص، فقد دفن ذلك الحجر تحت أرضية الجامع، واكتشف لأول مرة خلال عمليات التنقيب التي أجريت في العام 2016.
يبلغ طول قاعدة العمود متر واحد، وعرضه كذلك، وتحتل الجهة المنقوشة مساحة 75 سم من واجهة القاعدة، في حين خصص نحو 25 سم للإطار المحيط بالنقش، وتفسر ليون ذلك بقولها: "تبدو كتابة صورة النقش متناظرة، ورسمية، وبينها فراغات أتت على شكل خطوط أفقية، وهذا الأسلوب معتمد مع نصوص الإهداء الرسمية أو التذكارات. وقد كتب النقش على عدة سطور رتبت بشكل أفقي مستقيم، وأحيطت الكتابة بإطار علوي مزخرف".
بسبب الاضطرابات التي عمت سوريا لفترة طويلة، لم يتم الكشف عن النقش بشكل كامل حتى أيار من عام 2016، وذلك عندما نشر المؤرخ عبد الهادي النجار أول ترجمة للنص الإغريقي الموجود على تلك القاعدة على صفحته في الفيس بوك، حيث كتب: "كتبت الفقرة الموجودة في النقش بنبرة بطولية وعسكرية، إذ صورت حاكماً محارباً وشبهته بالريح والعاصفة والفهد وهو يهزم الأعداء ويلزمهم بدفع أتاوة عبر سلطته الملكية الصارمة".
في حين لاحظ الدكتور عبد الكريم بأن الكتابة الإغريقية تشتمل على عدة أخطاء نحوية، وتلك سمة عامة في سوريا خلال الحكم الروماني، بما أن الآرامية كانت اللغة المحكية وليست الإغريقية.
أيدت الدراسة والتحقيق الذي أجراه الدكتور عبد الكريم للنقش تلك الصلة التي أثارت جدلاً امتد لسنين طويلة بين معبد الشمس، والكنيسة الأولى، وبين الجامع الكبير بحمص، وعن ذلك يقول: "إن هذا النقش الإغريقي على الرغم من طبيعته الملحمية وعدم احتوائه على تفاصيل كثيرة، يفسر الصلة ما بين هذا الجامع والبناء الوثني الذي يمكن أن يكون معبد الشمس، وخاصة منذ أن فكر الباحثون بوجود صلة بينهما منذ أمد بعيد، لذا، فإن أي نقش يعود للحقبة الرومانية يعثر عليه في هذا الجامع سيضيف معلومة جديدة إلى فهمنا لهذا الموضوع".
من معبد وثني إلى كنيسة فجامع
يؤكد الدكتور عبد الكريم أهمية هوية مدينة إيميسا وطابعها الديني، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي عند مفترق الطرق المفضية لطرق التجارة في العصور القديمة، وعلى رأسها مدينتي أنطاكيا ودمشق، وبلاد الشام كلها. وبالنسبة للإمبراطورية الرومانية والإمبراطوريات التي أتت بعدها، بزرت إيميسا كمركز تجاري مهم وبوابة استراتيجية للتوسع داخل سوريا وخارجها، ولهذا كتب ليقول: "تعتمد الهوية الرومانية لإيميسا على الوثنية بشكل أساسي"، وأضاف بأن الحياة الروحية للمدينة كانت قائمة على إله الشمس في المنطقة إيلاغابالوس، والذي اعتنق الإمبراطور الروماني اسمه. ولذلك أصبح معبد إيلاغابالوس مركزاً للاحتفالات الموسمية والأنشطة الدينية في عموم المنطقة.
يحتل اكتشاف النقش الإغريقي قلب الدراسة التي تقدم بها الدكتور عبد الكريم، إذ على الرغم من تطرق علماء آثار للحديث عن هذا النقش قبله، لم يخضع لأي دراسة بحثية علمية قبل ذلك، ولهذا يكشف تحليله لهذا النقش بأنه يمثل دليلاً دامغاً يحدد مكان معبد الشمس الشهير خلال الحقبة الرومانية إلى جانب تحديد موقعه بدقة.
على مدار قرن تقريباً، بقي الجدل قائماً بين العلماء حول موقع المعبد، غير أن ما اكتشفه الدكتور عبد الكريم في دراسته قدم جواباً لهذا السؤال الذي طرح منذ سنين طويلة، إذ بينت تلك الدراسة مكان المعبد بالضبط، بعد أن شغل موقعه بال العلماء وأشعل نقاشات حامية الوطيس بينهم.
يعلق على ذلك الدكتور عبد الكريم، فيقول: "يسهم بحثي بتبيان كثير من الأسئلة المطروحة منذ أمد بعيد، ويقدم أفكاراً ورؤى جديدة حول التحول الديني للموقع على مر فترات تاريخية متعاقبة، كما يوضح بأن الموقع تحول فيما بعد إلى كنيسة، ومن ثم إلى جامع بعد الفتح الإسلامي، وقد وُثق هذا التطور أيضاً في كتابات المؤرخين العرب".
يدرس البحث كيف تحولت إيميسا من معقل وثني لعبادة الشمس، إلى مركز مهم للمسيحية خلال الحقبتين الرومانية وأوائل الحقبة البيزنطية. وفي العصور القديمة، كانت حياة المدينة تدور حول عبادة إله الشمس إيلاغابالوس الذي حدد معبده هويتها ومكانتها الدينية وسلطتها السياسية ومؤسساتها الاقتصادية.
كبير الكهنة السوري الذي أضحى إمبراطوراً لروما
كان الكهنة في تلك الديانة يتمتعون بسلطات خارقة، لدرجة جعلت أحدهم إمبراطوراً على روما، فقبل وصوله إلى السلطة في عام 218 للميلاد، كان إيلاغابالوس كبير الكهنة لإله الشمس السوري، ثم أخذ عنه اسمه عندما أضحى إمبراطوراً.
وبمجرد وصوله لعرش الإمبراطورية، حرص إيلاغابالوس على جعل إله الشمس السوري كبير الآلهة في الإمبراطورية الرومانية التي فرض عليها عبادة هذا الإله في كافة الأقاليم. ولكن على الرغم من القرار الذي اتخذه هذا الإمبراطور والذي قضى بموجبه بإحداث تغيير مفاجئ في المشهد الديني، فإن تحول المكان في إيميسا من معبد إلى كنيسة لم يتم إلا على مراحل.
يحدثنا عن ذلك الدكتور عبد الكريم فيقول: "لم تحل المسيحية محل الوثنية بشكل مفاجئ، بل تعايش كلا المجتمعين جنباً إلى جنب على مدار أجيال"، وأكد بأن التغير الديني نادراً ما يتم بصورة فورية، فقد بقي التعايش بين الممارسات الوثنية والمسيحية مستمراً لعقود بل ربما لقرون في إيميسا، تماماً كالتعايش طويل الأمد بين الإسلام والمسيحية في حمص وفي سوريا الكبرى.
وبعيداً عن أهمية النقش، يخبرنا الدكتور عبد الكريم بأن إيميسا تعلمنا درساً مهماً، وهي أن المدن لا تمحو ماضيها بل تعيد تفسيره وتأويله، وعن ذلك يقول: "لم يخلق تحول إيميسا أي قطيعة، بل اتخذ شكل التفاوض بين الأديان القديمة والدين الجديد، وبذلك لم يكتف التغير الديني برسم شكل الأبنية المقدسة فحسب، بل رسم شكل ديناميات السلطة والهوية والفضاء المديني أيضاً".
لم يكن معبد الشمس القديم المكرس للإله إيلاغابالوس مجرد مكان للعبادة، فعلى الرغم من التحولات الدينية المتعاقبة، حافظ هذا المكان على أهميته ونفوذه، إذ بقي رمزاً لمدينة كبيرة مهمة وبقي يحتل قلب حياتها السياسية، على الرغم من تحوله من معبد إلى كنيسة ومن ثم إلى جامع.
Loading ads...
المصدر: The Phys.Org
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





