تدخل القارة الأوروبية مرحلة مفصلية من تاريخها في ظل تصاعد المخاوف من التهديدات العسكرية والأمنية الروسية، مما دفع بريطانيا وحلفاءها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى الإسراع في خطى التحول من الردع التقليدي إلى الاستعداد المباشر لسيناريوهات المواجهة الشاملة.
وتكشف القراءة التحليلية لما ورد في الصحافة البريطانية عن إستراتيجية متكاملة تتداخل فيها إعادة بناء القدرات العسكرية والإنتاج الصناعي، مع استلهام نماذج الصمود المجتمعي من دول الجوار الروسي، بهدف تهيئة الشارع والقطاع الخاص لتبعات عصر جديد من الأزمات.
شكّل المقال التحليلي الذي كتبه وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتينغ ونشرته صحيفة "ديلي تلغراف" بعنوان "أعداؤنا يحدّثون قدراتهم بسرعة هائلة، وعلينا أن نتجاوزهم" المحور الأساسي للنقاش الإستراتيجي الذي تناولته الصحافة البريطانية.
وأكد وزير الدفاع أن الأولوية المطلقة لوزارته تتمثل في "جعل البلاد مستعدة لخوض الحرب والانتصار فيها"، معتبرا أن هذا هو "المعيار الوحيد الذي يُعتد به".
وقال إن أمام بريطانيا مهلة زمنية تزيد قليلا على ألف يوم لاستكمال استعداداتها، محذرا من أن قدرات خصومها العسكرية واقتصاداتهم الحربية قد تضعهم، بحلول عام 2030، في موقع يسمح لهم بشن هجوم.
وأشار في مقاله إلى أن "أخطر التهديدات التي شهدها القرن الـ20 تعود من جديد، ولكنها مسلحة بتقنيات القرن الـ21".
وأوضح أن الخطر لا يقتصر على الحرب التقليدية أو احتمال عبور الدبابات الروسية الحدود، بل يشمل أيضا الإرهاب المدعوم من الدول وأعمال التخريب والهجمات التي تستهدف تعطيل الحياة اليومية وتقويض الأمن وبث الخوف داخل المجتمعات.
وشدد ستريتينغ على أن مسؤوليته الأساسية كوزير للدفاع تتمثل في حماية البلاد، موضحا أن الأولوية الحاسمة لوزارته هي ضمان استعداد بريطانيا للقتال والانتصار في الحرب، ومؤكدا أن هذا الهدف ينبغي أن يتقدم على الانشغال بالنقاشات المتعلقة بنسب الإنفاق الدفاعي ومواعيد تحقيق المستهدفات.
وفي معرض دفاعه عن أداء الحكومة العمالية، قال إنها تحقق أكبر زيادة مستدامة في الإنفاق الدفاعي منذ نهاية الحرب الباردة. وأعرب عن ثقته الكاملة في الالتزام بمعايير الإنفاق التي حددها حلف الناتو.
ولم يُفوِّت ستريتينغ الفرصة لتوجيه انتقادات حادة للحكومات السابقة التي قادها حزب المحافظين، مشيرا إلى أنها تركت الجيش البريطاني بأصغر حجم له منذ الحروب النابليونية التي خاضتها فرنسا بقيادة نابليون بونابرت ضد تحالفات أوروبية متعاقبة بين عامي 1803 و1815.
وقال: "في عهدهم، تجاوزت تكلفة برامج التسليح والمعدات العسكرية الميزانيات المخصصة لها، أو تأخرت عن الجداول الزمنية المحددة، وغالبا ما حدث الأمران معا".
واستشهد ستريتينغ بتصريح وزير الدفاع الأسبق في حكومة المحافظين، بن والاس، الذي قال فيه إن القوات المسلحة البريطانية أُفرغت من قدراتها وتعاني نقصا في التمويل.
وتباهى بالتحسن الذي طرأ على الجيش البريطاني في عهد الحكومة الحالية، قائلا إن "عدد المنضمين إلى القوات المسلحة يفوق اليوم عدد المغادرين منها، كما ارتفعت المعنويات".
وتابع القول إن القوات البريطانية باتت اليوم تمتلك مزيدا من المعدات والتجهيزات، مضيفا أنه زار الأسبوع الماضي مصنعا في بلدة تيلفورد، حيث استؤنف تصنيع سبطانات المدافع من الفولاذ البريطاني داخل المملكة المتحدة بعد توقف دام نحو عقدين. وأشار كذلك إلى استثمار بقيمة 2.2 مليار باوند لإدخال 600 مركبة مدرعة من طراز "بوكسر" إلى الخدمة.
واستند الوزير إلى دروس الحرب في أوكرانيا، لافتا إلى أن طائرة مسيّرة لا تتجاوز تكلفتها 500 جنيه إسترليني يمكنها تدمير دبابة تبلغ قيمتها 3 ملايين جنيه إسترليني، وأن تطوير وسائل تسليح مبتكرة قد يستغرق الآن أسابيع بدلا من سنوات.
وفي تقرير أعدته مراسلة الشؤون الحكومية سابرينا ميلر، أفادت صحيفة "تلغراف" بأن "فنلندا تُعلّم بريطانيا كيفية الدفاع عن نفسها ضد الحرب الهجينة التي تشنها روسيا".
وذكرت المراسلة أن هذه الدولة الواقعة في شمال أوروبا -التي تتشارك مع روسيا أطول حدود لحلف الناتو- تقدِّم المشورة لكبار الأعضاء في مجلس اللوردات والنواب في البرلمان البريطاني عن كيفية استعداد المملكة المتحدة لحالات الطوارئ، وتدريب المدنيين وحمايتهم في زمن الحرب.
وتتضمن الإستراتيجية الفنلندية إشراك القطاع الخاص والمؤسسات الحيوية؛ حيث شاركت أكثر من 180 منظمة فنلندية في قطاع الإمدادات الغذائية مؤخرا في محاكاة لأزمة مطولة لحماية سلاسل الإمداد.
كما تنتهج فنلندا نظام التجنيد الإجباري للذكور، وتمتلك أكثر من 50 ألفا و500 ملجأ مدني يتسع لنحو 4.8 ملايين شخص من أصل نحو 5.5 ملايين نسمة، فضلا عن تدريب الشباب على التصدي للتضليل الإعلامي.
ونقلت الصحيفة عن اللورد جون سبلار، عضو لجنة المرونة الوطنية البريطانية، قوله إن فنلندا تمتلك خبرة طويلة في الاستعداد، وإن هناك دروسا يمكن لبريطانيا الاستفادة منها.
أما النائب العمالي والقائد السابق في مشاة البحرية الملكية، أليكس بالينغر، الذي يرأس المجموعة البرلمانية المعنية بالقوات المسلحة، فرأى أن فنلندا تواجه التهديدات الهجينة نفسها التي تتعرض لها بريطانيا، مثل الهجمات السيبرانية والتضليل الإعلامي والتهديدات التي تستهدف الكابلات البحرية والملاحة.
وأعرب عن دعمه للتعلم من النموذج الفنلندي ومناقشة فكرة إعادة الخدمة الوطنية لبناء روح الاستعداد القومي.
وتستند هذه التحركات إلى مخاوف متزايدة من التهديدات السيبرانية والتجسس على الكابلات البحرية. وقد تجلت هذه المخاوف عمليا إثر الهجوم السيبراني الذي تعرضت له متاجر فرنسية وأدى لإتلاف كميات كبيرة من الأغذية والمعدات.
وفي تطور منفصل، كشف باحثون بمساعدة أدوات ذكاء اصطناعي عن ثغرات أمنية خطيرة في لغة البرمجة "بي إتش بي" (PHP)، في حين نشرت "تلغراف" تقريرا عن سفن صيد روسية يُشتبه في استخدامها للتجسس على كابلات الاتصالات البحرية البريطانية.
مطالبة البريطانيين بالتضحية والاستعداد لا تعفي الحكومة من توضيح خياراتها التمويلية، ذلك أن الحديث المتكرر عن المخاطر دون تقديم رؤية واضحة قد يقوض الثقة بدلا من تعزيزها
وفي مقال رأي بصحيفة "آي بيبر"، حذرت الكاتبة إيزابيل هاردمان من أن البريطانيين لم يستوعبوا بعد مدى قرب التهديدات، رغم دعوات المسؤولين إلى الاستعداد لمواجهة الأزمات.
وتناولت هاردمان حملة "كن مستعدا" الحكومية، التي تحث الأسر على الاحتفاظ بالمياه والغذاء والبطانيات والنقود والمصابيح اليدوية، مع توفير 3 لترات من مياه الشرب للشخص يوميا ومؤونة تكفي 3 أيام.
ورأت الكاتبة أن هذه الإجراءات ليست سلوكا استثنائيا، بل ممارسة مألوفة في بلدان الشمال الأوروبي، حيث يزداد الوعي بالمخاطر الأمنية.
لكنها لفتت إلى أن الطابع الفكاهي الذي أحاط بالنقاش، بعد تصريحات ساخرة بشأن الاحتفاظ بالنبيذ ومستحضرات التجميل في حالات الطوارئ، ساعد على جذب اهتمام الجمهور، وإن كان قد جعل الرسالة تبدو أقل جدية أحيانا.
غير أن انتقاد هاردمان الأبرز تعلق باستعداد الحكومة نفسها. فبينما تطالب الحكومة المواطنين بالتهيؤ للأزمات، فإنها لم تحسم كيفية بلوغ إنفاق دفاعي يعادل 3% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030، وأرجأت مناقشة المسألة إلى مراجعة الإنفاق المقبلة.
وخلصت إلى أن مطالبة المواطنين بالتضحية والاستعداد لا تعفي الحكومة من توضيح خياراتها التمويلية، محذرة من أن الحديث المتكرر عن المخاطر دون تقديم رؤية واضحة قد يقوض الثقة بدلا من تعزيزها.
وفي تطور ميداني متصل بسياق الحرب التي تغذي المخاوف الأوروبية، نقلت صحيفة "غارديان" أن هجوما أوكرانيا بطائرات مسيّرة تسبب في انقطاعات للكهرباء والمياه في شبه جزيرة القرم التي تسيطر عليها روسيا، في حين أعلنت موسكو مقتل أشخاص جراء هجمات في مناطق روسية وأوكرانية.
كما أوردت الصحيفة أن نحو 2500 جندي بريطاني وفرنسي شاركوا في مناورات عسكرية عُرفت باسم "راينو تايتن" في مركز "زينلاغر" للتدريب العسكري في ألمانيا.
Loading ads...
وشهدت المناورات واحدة من أكبر عمليات الإنزال الجوي البريطانية منذ عقدين بمشاركة 600 مظلي بريطاني وفرنسي، إلى جانب اختبار الجاهزية في مواجهة خصم يستخدم الحرب الإلكترونية والطائرات المسيرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




