Loading ads...
بيتر فينويك*في السادس من فبراير/شباط 2026، سجّل مؤشر «داو جونز» الصناعي مستوى قياسياً عند 50 ألف نقطة، أي خمسة أضعاف مستواه عام 1999 حين اخترق 10 آلاف نقطة للمرة الأولى. لكن السؤال الذي نادراً ما يُطرح هو: ما مدى واقعية هذا الارتفاع؟ ففي نهاية القرن الماضي، كان مبلغ 10 آلاف دولار يشتري نحو 40 أونصة من الذهب. أما اليوم، فإن 50 ألف دولار لا تشتري سوى 10 أونصات. بعبارة أخرى، فقد الدولار نحو 75% من قوته الشرائية خلال أقل من ثلاثة عقود.منذ اتفاقية «بريتون وودز» عام 1944، أصبح الدولار عملة الاحتياط العالمية المدعومة بالذهب بسعر 35 دولاراً للأونصة، إلى أن أنهى الرئيس نيكسون هذا النظام عملياً عام 1971. ومنذ ذلك الحين، انتقل العالم إلى العملات الورقية غير المدعومة بأصول ملموسة، معتمداً على الثقة في الحكومات التي تصدرها. وعلى الرغم من استمرار هيمنة الدولار على التجارة الدولية، فإن هذه المكانة لم تعد محصنة.اشترت البنوك المركزية، وفق بيانات مجلس الذهب العالمي، أكثر من 4 آلاف طن من الذهب بين عامي 2022 و2025، فيما امتنعت عن إعادة استثمار جزء من حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية. هذه التحركات ليست رمزية، فهي تعكس قلقاً متزايداً بشأن استقرار العملات الورقية في عالم يتسم بعجوزات مالية مزمنة.وتقدم التجربة الأسترالية مثالاً كاشفاً. ففي عام 1997 باع المركزي الأسترالي ثلثي احتياطياته (167 طناً) من الذهب بنحو 2.4 مليار دولار أسترالي، أي أقل من 450 دولاراً أسترالياً للأونصة. وبسعر الذهب الحالي الذي يتجاوز 7000 دولار أسترالي للأونصة، يعني ذلك خسارة ضخمة بالقيمة الحقيقية. هذه الواقعة ليست مجرد خطأ استثماري، بل تعبير عن فلسفة نقدية ترى أن مهمة البنك المركزي هي إدارة التضخم وتحقيق العمالة الكاملة، إرث فكري مستمد من الاقتصاد «الكينزي»، الذي يقوم على توسيع المعروض النقدي لتحفيز الاقتصاد.لكن إبقاء التضخم عند 2–3%، وهو الهدف الشائع للبنوك المركزية، يعني عملياً تآكل القوة الشرائية للنقود عبر الزمن. لأن عملة «مستقرة» وفق هذا التعريف هي عملة تفقد نصف قيمتها خلال جيل واحد. فإذا نجح الاحتياطي الأسترالي في سياسته، وبمعدل تضخم يبلغ 2.5%، سيصبح الدولار الواحد يساوي نحو 50 سنتاً خلال 28 عاماً. فهل هذا استقرار أم تآكل مُنظّم للمدخرات؟العملة المتراجعة لا تؤثر في الجميع بالتساوي. فهي تميل لمصلحة المقترضين وأصحاب الأصول، العقارات والأسهم والذهب، بينما تضر بالمدخرين وأصحاب الأجور الثابتة والمتقاعدين. وهكذا تتسع فجوة عدم المساواة، ليس فقط بسبب السوق، بل نتيجة خيارات نقدية.علاوة على ذلك، يُثبط ضعف قيمة العملة الادخار، ما يقلل من تراكم رأس المال وفرص رفع الإنتاجية. وبالتالي، يزداد فقر البلاد. اجتماعياً، يشجع الضعف على ثقافة الاستهلاك الفوري بدلاً من التخطيط طويل الأجل المفيد في بناء مجتمعات مزدهرة وحرة.اقتصادياً، عندما نتخلى عن الاستهلاك وندخر للمستقبل، نُراكم رأس مال يُمكن لرواد الأعمال استخدامه لتمويل مشاريع تُحسّن إنتاجية العمل. وعلى المستوى الفردي، نبني احتياطياً مالياً يُمكّننا من مواجهة الأوقات الصعبة، ونصبح أكثر استقلالية.لم يعد الجدل حول دور البنوك المركزية محلياً، فقد نشر معهد «ميزس» فيلماً وثائقياً ينتقد سياسات الفيدرالي بعنوان: «اللعب بالنار... المال، والمصارف، والاحتياطي الفيدرالي»، فيما جادل اقتصاديون بأن مجموعات الخبراء لا يمكنها امتلاك كل المعرفة اللازمة لتحديد الأسعار المثلى، ومنها الفائدة، وأن السوق أكثر قدرة على عكس المعلومات المتفرقة لدى ملايين الأفراد.في هذا السياق، تبدو مسألة «النقود السليمة» جوهرية. فلو كانت أسعار الفائدة تُحدد عبر تفاعل المقرضين والمقترضين في سوق حرة، لاحتاجوا إلى عملة لا تفقد قيمتها بسبب قرارات مالية قصيرة الأجل. غير أن الديمقراطيات الحديثة تواجه إغراء دائماً، وهو الإنفاق بالعجز لشراء الدعم السياسي. وهنا تصبح السندات الحكومية، أي طباعة النقود، وسيلة لتأجيل الكلفة، بينما يتولى البنك المركزي احتواء التضخم الناتج.بعض البدائل المطروحة تعيد الذهب إلى الواجهة. فدول بريكس تناقش عملة مشتركة مدعومة جزئياً بالذهب، فيما تقترح الباحثة جودي شيلتون إنشاء سندات ائتمانية للخزانة، تمنح حاملها عند الاستحقاق إما مبلغاً مضموناً من الدولارات الأمريكية أو كمية من الذهب. غير أن أي تحول كهذا سيصطدم بمصالح راسخة تستفيد من النظام الحالي.شخصياً، أؤيد سحب السيطرة على العملة من الحكومات، وإلغاء العملة القانونية، والسماح للأفراد بتداول العملة التي يختارونها. فالنقود ليست مجرد وسيلة تبادل، إنها عقد اجتماعي طويل الأجل. وكلما تآكلت قيمتها، تآكل معها الإحساس بالاستقرار والعدالة. فهل النظام الحالي يخدم المستقبل... أم يستهلكه؟ * كاتب في مؤسسة التعليم الاقتصادي
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






