5 أيام
بين رهبة الحبر المطبوع وسيولة الرقمي.. شهادة حسين جلعاد على تحولات المشهد الشعري والصحفي العربي
الجمعة، 30 أكتوبر 2026

جاب الشاعر والكاتب الأردني حسين جلعاد الآفاق جامعاً بين الإبداع الشخصي والدور الثقافي العام، ما أتاح له الاشتباك مبكراً مع القضايا الكبرى؛ ليغدو جزءاً من ذاكرة ثقافية وشعرية عربية امتدت عبر عقود، واختبرت نفسها إبان المجد الورقي للصحافة الثقافية، حيث احتدمت الرؤى بين المراكز والأطراف. وفي هذا الحوار مع "الجزيرة نت"، يفكك جلعاد راهن الشعر والصحافة والنقد، ويتوقف عند مآلات بيروت الثقافية، وتحديات النخب العربية وتناقضات مواقفها أمام إبادة غزة وأسئلة اللحظة الراهنة.
سؤال جميل ويمسّ لبّ التجربة.الصحافة الورقية، في زمنها الذهبي، لم تكن مجرد ناقل للأخبار أو ساحة لمقالات الرأي، بل فضاء عام حيّ تُصاغ فيه الذائقة الثقافية وتتبلور فيه القضايا الكبرى.
كانت الصحف اليومية والأسبوعية، في عمّان أو بيروت أو القاهرة أو لندن، منصات يلتقي عندها القارئ العربي مع نصوص لم يكن يجدها في مكان آخر، فهناك مقالات طويلة، حوارات معمّقة، ملفات نقدية، وملاحق أدبية. وكان الكُتّاب، شعراء وروائيون ونقاد، يتحوّلون عبرها إلى أسماء لامعة تتداولها الأوساط الثقافية مثلما تُتداول أسماء اللاعبين في ملاعب الكرة.
بالنسبة لي شخصيًا، وقد عملت مراسلًا ومحررًا في أكثر من صحيفة أردنية وعربية، فإنني أستعيد تلك المرحلة وكأنها زمن مختلف في طريقة الكتابة وفي مستوى التلقي. المراسل أو المحرر لم يكن مجرد موظف، بل كان شاهدًا وفاعلًا ومبادرًا.
كنت أذهب لأغطي أمسية شعرية، فأعود ومعي قصة عن جيل كامل، أو أحاور روائيًا فإذا بالحوار يتحول إلى مادة تؤسس لنقاش أوسع حول الرواية العربية. كان ثمة رهبة من الصفحة المطبوعة، شعور بأن الكلمة المكتوبة تحمل وزنًا ومسؤولية.
اليوم. حين أستدعي تلك الفترات، أرى أن مجد الصحافة الورقية ارتبط بقدرتها على أن تكون مرجعًا، أرشيفًا حيًا، وسجلًا للتاريخ الثقافي.
في العام ذاته جاءني خبر اختياري "سفيرًا للشعر الأردني" من حركة شعراء العالم التي انطلقت من تشيلي، وكان وقع ذلك عليّ مزيجًا من المفاجأة والاعتزاز. فالمبادرة لم تصدر من مركز ثقافي تقليدي في أوروبا أو أميركا، بل من بلد ظلّ اسمه يقترن في الذاكرة الإنسانية ببابلو نيرودا، شاعر الحرية والحب والمقاومة. كأن تشيلي، بما تمثله من رمزية نيرودا، أرادت أن تقول إن للشعر وطنًا آخر يتجاوز الجغرافيا وحدود السياسة.
اللقب نفسه كان ذا طبيعة شرفية ورمزية، أقرب إلى "دبلوماسية شعرية" منها إلى أي وظيفة بيروقراطية. فالحركة عمدت إلى أن يكون لكل بلد شاعر أو أكثر يمثّل صوته في شبكة واسعة تضم مئات الشعراء من القارات الخمس. لم يكن المطلوب سوى أن يظل الشاعر حاضرًا في هذا الفضاء المفتوح، يتبادل مع الآخرين رؤى الحرية والجمال، ويسهم في صياغة خطاب إنساني مشترك.
ما لفتني آنذاك أنّ الحركة وصفت الشعراء بأنهم "الضمير الحي للبشرية"، ورأت في تواصلهم ما يشبه التقاء الأنهار في باطن الأرض. وقد استوقفتني هذه الصورة كثيرًا، لأنها تعيد إلى الشعر شيئًا من هيبته الأولى: أن يكون وسيلة للحرية، وجسرًا للتعارف الإنساني.
من هنا، لم أتعامل مع الاختيار على أنه وسام شخصي فحسب، بل بوصفه دعوة إلى مساءلة معنى "التمثيل الشعري". هل يمثل الشاعر وطنه وأمته، أم لغته، أم قضاياه الخاصة؟ في النهاية تبيّن لي أنّه يحمل شيئًا من كل ذلك معًا، فهو ابن بيئته وحاضن لذاكرته، لكنه في الآن نفسه جزء من نسيج إنساني أكبر. لذلك كان الحافز المختلف في هذه التجربة أنّها لم تضعني في قفص الهوية الضيق، بل في فضاء مفتوح تتجاور فيه الأصوات من الشرق والغرب والجنوب، وتلتقي على أرضية مشتركة قوامها الكلمة والحرية.
جاء اختياري هنا ضمن فعالية "بيروت 39" في سياق احتفالية اختيار بيروت عاصمة عالمية للكتاب. ولعل ما منح الحدث قيمة مضاعفة أنه ارتبط بمدينة کبيروت، التي طالما شكّلت رمزًا للحياة الثقافية العربية، وفضاءً تلاقت فيه التيارات الفكرية والأدبية، من أقصى المشرق إلى المغرب والمهجر. لم يكن الاختيار مجرد تكريم فردي، بل بدا أشبه بمشروع جماعي يسلّط الضوء على جيل كامل من الكتّاب العرب الذين كانوا يتلمسون طريقهم في الكتابة والانتشار. كان الهدف أن يُتاح لهؤلاء الأصوات أن تلتقي وتتعارف وتفتح حوارًا مع العالم، سواء عبر اللقاءات أو الترجمات أو التغطيات الإعلامية. لذلك أحسستُ أن "بيروت 39" لم يكن جائزة بقدر ما كان منصة، جسرًا يربط بين الطاقات الجديدة وبين فضاء أوسع من القراء والناشرين والمترجمين.
على المستوى الشخصي، فقد منحتني التجربة فرصة ثمينة لمعاينة نفسي في مرآة أوسع، إلى جانب أسماء عربية شابة بات كثير منها لاحقًا جزءًا من المشهد الثقافي العالمي. كما أن ارتباط الحدث باحتفالية "بيروت عاصمة عالمية للكتاب" أضفى عليه بُعدًا رمزيًا، كأن بيروت، رغم جراحها وحروبها وأزماتها، ما زالت قادرة على أن تستدعي دورها كحاضنة للثقافة العربية ونافذة على العالم.
يصعب الحديث عن بيروت اليوم من دون أن يداهمك الحنين إلى صورتها التي عرفناها جميعًا، حيث كانت عاصمة للكتاب، وملتقى للثقافة العربية الحديثة، ونافذة مشرعة على العالم. فمنذ منتصف القرن العشرين، تحولت بيروت إلى ورشة مفتوحة للنشر والطباعة، وصارت دارًا كبرى للكتب العربية، تستقطب كتّابًا من فلسطين وسوريا والأردن والعراق والمغرب واليمن، كما تحتضن دور نشر ومجلات ومراكز أبحاث خلقت حيوية فريدة. لم تكن بيروت مجرد مدينة، بل كانت فضاءً يمدّ الثقافة العربية بطاقة متجددة.
لكن الخراب الذي حلّ بالمدينة قد أضعف هذا الدور، بدءا من الحرب الأهلية إلى الانهيار الاقتصادي وصولًا إلى انفجار المرفأ وما تبعه من أزمات سياسية. للأسف هذا الخراب ترك فراغًا واضحًا في المشهد الثقافي. بيروت التي كانت تُعدّ عاصمة مستدامة للكتاب والنشر فقدت كثيرًا من بريقها، وتراجع حضورها كمنصة أولى للمؤلفين والناشرين والمترجمين. ومع ذلك، ما زالت تحتفظ بوهج رمزي يصعب محوه، فاسم بيروت وحده، حتى في ظل الأزمات، يستدعي صورة الكتاب المفتوح والمجلة الثقافية والدار التي تطبع وتوزع للعالم العربي كله.
اليوم نجد أن صناعة الكتاب العربي تتوزع بين عواصم أخرى مثل القاهرة وعمّان والدار البيضاء والشارقة والدوحة والرياض، حيث تتكامل المعارض والجوائز والمبادرات. ومع ذلك يبقى غياب بيروت، بما كانت تمثله من روح حرة ومنبر مفتوح، فجوة لا يمكن ملؤها بسهولة. فالمسألة ليست مسألة بنية تحتية أو دعم مؤسسي فقط، بل تتعلق بالروح الثقافية التي تميزت بها بيروت، أي حرية التعبير، جرأة الطرح، والانفتاح على العالم.
من هنا أرى أن دور بيروت، وإن تراجع عمليًا، لم يختفِ تمامًا. فذكراها تظل حاضرة كمرجع، ونماذجها في النشر والتحرير ما زالت تُلهم أجيالًا جديدة. لعل الثقافة العربية اليوم مدعوة لأن تفكر كيف تعيد إنتاج هذا الدور في مدن أخرى، أو ربما كيف تساعد بيروت نفسها على النهوض مجددًا. فالثقافة، في نهاية الأمر، لا تموت، بل تغيّر أماكنها وتجدد أدواتها، فيما تبقى المدن الكبرى مثل بيروت علامات مضيئة، حتى لو أرهقها الخراب.
الانتماء إلى رابطة الكتّاب الأردنيين منحني فرصة لمعاينة العمل الثقافي النقابي من الداخل، ومعرفة التحديات التي تواجه ما يُسمّى بـ"الموقف الأدبي" في العالم العربي. تاريخيًا، لعبت الاتحادات والروابط القلمية دورًا مهمًا في التعبير عن ضمير المثقف العربي، سواء تجاه القضايا الوطنية الكبرى أو في الدفاع عن حرية التعبير والعدالة الاجتماعية.وكانت بياناتها،في زمن مضى، تجد صدى واسعًا وتؤثر في الرأي العام.
لكن اليوم، إذا تأملنا واقع هذه المؤسسات، نجد أن صوتها لم يعد بالقوة نفسها. فالاتحادات والروابط تعاني من أزمات داخلية، مثل ضعف الموارد، والانقسامات السياسية، وأحيانًا تكلّس في بنيتها الإدارية، وهو ما جعل بياناتها أو مواقفها تبدو متأخرة أو باهتة قياسًا إلى حجم المأساة التي يعيشها العالم العربي. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هناك محاولات جادّة هنا وهناك، وأن المثقفين ما زالوا يسعون عبر هذه الأطر لتثبيت موقف أخلاقي، خصوصًا في ما يتعلق بفلسطين وغزة.
المجزرة المستمرة في غزة، وما يوازيها من عدوان على اليمن وسوريا، والاعتداء على قطر، تمثّل اختبارًا حقيقيًا لصدقية هذه الهيئات. فالمطلوب منها ليس فقط إصدار بيان شجب، بل أن تبتكر أدوات جديدة، تعيد وصل الأدب بالفعل السياسي والثقافي، وتبرهن أن الكاتب ليس مراقبًا من بعيد، بل ضميرًا يقظًا لأمته. المؤلم أن كثيرًا من المواقف الرسمية الصادرة عن هذه الروابط تبدو وكأنها تلهث وراء الأحداث بدل أن تقودها، وكأنها فقدت تلك الحيوية التي كانت تجعل من صوت الأدباء جزءًا من المعركة الرمزية ضد الاستعمار والعدوان.
مع ذلك، أؤمن أن الأمل لم ينقطع. فهناك جيل جديد من الكتّاب يعبّر عن مواقفه بطرق بديلة، عبر وسائل التواصل، المقالة الحرة، النص الشعري، المبادرات الفردية والجماعية. وهذه الأصوات قد تكون اليوم أبلغ أثرًا من بيانات الاتحادات نفسها. غير أن المسؤولية تبقى قائمة، وهي أن تستعيد الروابط القلمية مكانتها التاريخية، وأن تثبت أن"الموقف الأدبي"ما زال بخير، ليس بقدرته على الشجب وحده، بل بقدرته على أن يذكّر العالم بأن ما يحدث في غزة وفلسطين واليمن وسوريا ولبنان وغیرها من البلدان العربیة ليس شأنًا سياسيًا فحسب، بل جرحًا إنسانيًا يمسّ الضمير العالمي.
*الراهن الأدبي العربي يشي بالكثير من التناقضات، وهو انعكاس مباشر لما يعيشه الواقع العربي نفسه من انقسامات واضطرابات سياسية واجتماعية. لقد كان الأدباء في مراحل سابقة يُنظر إليهم بوصفهم "ضمير الأمة"، لكننا اليوم نرى تفاوتًا حادًا في المواقف، بل وتناقضات تصل أحيانًا حدّ التواطؤ أو الصمت. بعض الكتّاب اختار الاصطفاف مع السلطة أو مع مصالح ضيقة، فيما ظل آخرون مخلصين لدور الأدب كصوت حرّ وناقد.
شخصيًا، أتعامل مع هذه الظاهرة بنوع من الألم والمرارة، لأنني عايشت أجيالًا من الأدباء الذين دفعوا أثمانًا باهظة دفاعًا عن مواقفهم. حين أرى اليوم كتابًا يبررون العدوان أو يلتزمون صمتًا مريبًا إزاء مأساة بحجم ما يجري في فلسطين، أو يمرون مرور الكرام على حروب وجرائم إبادة في منطقتنا، أشعر أن الأدب يفقد شيئًا من معناه الأصلي. فالأدب ليس ترفًا ولا زينة لغوية، بل شهادة على العصر. وإذا خان الكاتب شهادته، فمن يملأ هذا الفراغ؟
في تجربتي، حاولت أن أبقى وفيًا لهذا المعنى. في قصائدي عن غزة، كتبتُ من قلب الألم، مسجّلًا ما يعيشه الناس تحت القصف لا كخبر عابر، بل كذاكرة حيّة. في ديواني الأول "العالي يصلب دائما" وكذلك الثاني "كما يخسر الأنبياء"، كان انشغالي واضحًا بفكرة الشهادة والتمرد على الصمت. وفي مشروعي القصصي "عيون الغرقى"، سعيت أن أضع القارئ في مواجهة التاريخ السياسي والاجتماعي للمنطقة، وأن أجعل السرد مساحة لاستعادة أصوات الهامش، لا للتواطؤ مع الرواية الرسمية. هذه المواقف بالنسبة لي ليست خيارًا جماليًا فقط، بل خيار فكري وأخلاقي أيضًا.
ومع ذلك، لا أعمّم. ثمة أصوات حقيقية ما زالت تكتب بجرأة وصدق، وتدفع أثمانًا اجتماعية أو مهنية بسبب مواقفها. هذا التفاوت بين المخلص والمتواطئ، بين من يرى الأدب فعلاً للحرية ومن يحوّله إلى سلعة أو أداة، يعكس عمق الأزمة الراهنة.
أنا أؤمن أن ما ينجو ويظلّ حيًا هو الكتابة الصادقة التي تُكتب من قلب التجربة الإنسانية، لا تلك التي تتزين بالشعارات أو تتكئ على الامتيازات. لقد علّمنا التاريخ أن النصوص التي صمدت ليست بالضرورة تلك التي احتفى بها الإعلام في وقتها، بل تلك التي حملت جوهر الحرية والكرامة. لذلك، رغم اختلال المشهد وتناقضاته، أرى أن الأدب ما زال قادرًا على أن يجدّد نفسه من الداخل، وأن يفرز في النهاية الأصوات التي تظل شاهدة على زمنها بصدق لا يزول. في النهاية الأمر يعتمد عليك. أين تريد أن تصطف، وكيف تريد أن تكون؟
مهرجان جرش للثقافة والفنون يمثل بالنسبة لي ذاكرة شخصية وجماعية في آن معا. فمنذ العام 1997 تقريبًا، شاركت فيه بصفتي شاعرًا، وكذلك توليت أحيانا مهمة تقديم الشعراء العرب والأردنيين على منابر المهرجان، وهذا حدث أحيانا أيضا في فعاليات بيت الشعر الأردني.
هذه التجربة شكلت مساحة استثنائية للتأمل في معنى الشعر حين يُلقى على جمهور واسع، وللتفكير في كيفية أن تتحول الكلمة إلى حدث جماهيري. إن تقديم الشعراء في جرش منحني موقعًا مختلفًا، أن أكون شاهدًا ومرافقًا لوجوه بارزة في الشعر العربي ومن أجيال متعددة. قدّمت شعراء كبارًا، كما واكبت تجارب شعرية من الأردن والعالم العربي، إلى جانب أصوات شابة آنذاك صارت لاحقًا جزءًا من المشهد الثقافي. كنت أتعلم من قرب كيف يتعامل كل شاعر مع الجمهور ومع لحظة الإلقاء، وأرى كيف يخرج النص من الصفحة المطبوعة ليتحوّل إلى صوت، وكيف تتبدّل معاني القصيدة في الهواء الطلق تحت سماء جرش وأعمدتها.
هذه الخبرة أسهمت في صقل تجربتي الخاصة، إذ جعلتني أكثر وعيًا بعلاقة الشعر بالمتلقي،وأكثر إدراكًا لمسؤولية الكلمة حين تُقال على الملأ. أما على المستوى الشخصي، فقد كان جرش مناسبة لأكتشف قوة التواصل بين الشعراء والجمهور الأردني والعربي. هذا يعطينا مسقطا آخر للرؤية ويساعدنا في فهم أن الشعر ليس انعزالًا تامًا، بل هو أيضًا احتكاك حيّ مع الناس.
Loading ads...
لهذا أستطيع القول إن مهرجان جرش شكّل علامة بارزة في تجربتي، سواء كشاعر أو كصحفي، لأنه جمع بين الحضور الإبداعي الشخصي وبين الدور الثقافي العام، وأتاح لي أن أكون جزءًا من ذاكرة شعرية عربية ممتدة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




