3 أيام
العرب في مرآة الانتخابات الأميركية.. أسئلة السياسة والهوية والانتماء
الجمعة، 30 أكتوبر 2026

الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة.. أي أميركا يتطلع إليها العرب؟
يعيش بعض العرب في أميركا، وتبقى سياساتها موضع اعتراضهم. كيف تحضر الهوية وفلسطين والمصالح اليومية في علاقتهم بانتخاباتها؟
أتابع تغطية الانتخابات النصفية الأميركية على عدد من المحطات التلفزيونية العربية، وأتنقل بين الشاشات التي تحاول قراءة المشهد الانتخابي وتفكيك مواقف المرشحين واستشراف ما يمكن أن تفرزه صناديق الاقتراع من تحولات داخل الولايات المتحدة وخارجها.
لكن وسط هذا الزخم السياسي والإعلامي استوقفني تصريح لأحد السكان العرب في أميركا في معرض حديثه عن انتظاراته. قال عبارة بدت لي أعمق من كثير من التحليلات السياسية: "صحيح أنني أسكن أميركا، لكن أميركا لا تسكنني"، رغم أنه يقيم هناك منذ ما يزيد على 15 عامًا.
كانت جملة قصيرة، لكنها فتحت بابًا واسعًا من الأسئلة:
كيف يمكن لإنسان أن يقضي سنوات طويلة في بلد، ويعيش تفاصيل يومه بين شوارعه ومؤسساته، وربما يحمل جنسيته، لكنه لا يشعر بالانتماء الكامل إليه؟ وهل تكفي الإقامة الطويلة لتصبح أميركا جزءًا من وجدان من يعيش فيها، أم أن هناك مسافة لا تختصرها السنوات ولا تلغيها الأوراق الرسمية؟
لعل هذه العبارة تختصر جانبًا من علاقة بعض العرب بالولايات المتحدة، فهي علاقة تتجاوز حدود الهجرة والاندماج لتلامس السياسة والهوية والذاكرة، وما راكمته عقود من التدخلات الأميركية في المنطقة العربية من صور متناقضة عن هذا البلد.
لا يتابع العرب الانتخابات الأميركية باعتبارها شأنًا داخليًا يخص الناخب الأميركي وحده، فقرارات البيت الأبيض وموازين القوى في الكونغرس لا تتوقف آثارها عند حدود الولايات المتحدة. فمن فلسطين إلى العراق، ومن سوريا إلى لبنان، مرورًا بملفات إيران والخليج وسائر الجغرافيا العربية، تبدو واشنطن حاضرة في تفاصيل كثيرة من المشهد السياسي العربي.
ولهذا، فإن متابعة الانتخابات الأميركية من العالم العربي تحمل أسئلة مختلفة عن تلك التي تشغل الناخب الأميركي. فقد ينشغل المواطن الأميركي بأسعار الوقود والتضخم والرعاية الصحية والهجرة، فيما يتطلع كثيرون في العالم العربي إلى معرفة ما إذا كانت نتائج الاقتراع ستؤثر في سياسة واشنطن تجاه القضية الفلسطينية ودعم إسرائيل وأولوياتها في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، يحضر دونالد ترمب، رغم أنه ليس مرشحًا في الانتخابات النصفية، بوصفه رئيسًا يتنافس أنصاره وخصومه على تقييم تجربته، وعنوانًا لمرحلة سياسية أثارت نقاشًا واسعًا بشأن طبيعة الدور الأميركي في العالم، وحدود تدخل واشنطن في أزمات الدول وعلاقتها بحلفائها وخصومها.
مبنى الكونغرس الأميركي كما يظهر من أرلينغتون بولاية فرجينيا، 26 أكتوبر 2026 - رويترز
بالنسبة إلى قطاعات من العرب، ارتبطت صورة ترمب بمواقفه من القضية الفلسطينية، واعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل خلال ولايته الأولى، ونقل السفارة الأميركية إليها، فضلًا عن قراراته المتعلقة بالمنطقة. وفي المقابل، رأى بعض العرب في خطابه القائم على أولوية المصالح الأميركية المباشرة فرصة لتقليص التدخلات العسكرية الخارجية أو إعادة النظر في الحروب المكلفة.
لكن تجربة السنوات الأخيرة جعلت تقييم سياساته أكثر تعقيدًا من مجرد تأييد أو رفض، فالمواقف من ترمب ليست واحدة حتى داخل الجاليات العربية في الولايات المتحدة، إذ تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية وقضايا الهجرة والهوية مع الموقف من السياسة الخارجية الأميركية، ولا سيما ما يتعلق بفلسطين وغزة والعدوان على إيران.
وتكشف استطلاعات الرأي الحديثة عن هذه التباينات. فقد أظهر استطلاع للمعهد العربي الأميركي، أجرته مؤسسة "جون زغبي ستراتيجيز" عبر الإنترنت بين 16 و23 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، وشمل 500 ناخب مرجح مشاركته من العرب الأميركيين، أن 59% من المشاركين يعتزمون التصويت للمرشح الديمقراطي في دوائرهم الانتخابية، مقابل 26% للمرشح الجمهوري، بهامش خطأ معلن يبلغ 4.5 نقاط مئوية.
كما أشار إلى أن 90% من المشاركين يرون أن ملف غزة سيكون مهمًا جدًا أو مهمًا إلى حد ما في تحديد خياراتهم في الانتخابات الرئاسية لعام 2028. وتعكس هذه النتائج حضور القضية الفلسطينية في حسابات قطاع واسع من الناخبين العرب الأميركيين، إلى جانب قضاياهم الداخلية.
لطالما قُدمت الولايات المتحدة بوصفها القوة التي تتولى دور شرطي العالم، أو على الأقل القوة التي ترى لنفسها حقًا واسعًا في التدخل في الأزمات الدولية وتوجيه مساراتها والتأثير في موازين القوى.
ومن هنا، لا يمكن فصل الانتخابات الأميركية عن مصائر مناطق بعيدة جغرافيًا عن واشنطن، لكنها قريبة من قرارات البيت الأبيض.
فأميركا، التي يختار ناخبوها رئيسها وممثليهم في الكونغرس في استحقاقات مختلفة، قوة عسكرية واقتصادية وسياسية تمتد آثار قراراتها إلى مختلف القارات. وحين تتغير أولويات الإدارة الأميركية، قد تتغير معها حسابات الحرب والسلم والتحالفات والمساعدات والعقوبات، وحتى فرص التسوية في نزاعات طال أمدها.
ولعل المفارقة أن الولايات المتحدة التي تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان تجد نفسها باستمرار أمام أسئلة بشأن مدى اتساق خطابها مع ممارساتها الخارجية. وهي أسئلة تتردد بقوة في العالم العربي، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالحروب والاحتلال وحقوق الشعوب، وحين يرى كثيرون أن واشنطن تتعامل مع القضايا وفق حسابات المصالح والتحالفات أكثر مما تحتكم إلى المبادئ التي تعلنها.
موظف انتخابي يساعد ناخبين على تسليم أوراق اقتراعهم في ديربورن، 5 نوفمبر 2024 - غيتي
لكن العودة إلى تلك العبارة التي سمعتها من المقيم العربي تعيد النقاش إلى نقطة أكثر إنسانية. فبعيدًا عن حسابات الانتخابات ومواقف ترمب وصراعات الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ثمة عرب يعيشون داخل الولايات المتحدة ويجدون أنفسهم أحيانًا أمام سؤال الانتماء والهوية، وأمام تحدي التوفيق بين حياتهم الأميركية وذاكرتهم العربية.
قد تكون أميركا بالنسبة إليهم مكانًا للعمل والاستقرار وتعليم الأبناء وبناء المستقبل، لكنها ليست بالضرورة وطنًا كاملًا في الوجدان. وربما لا يعود ذلك إلى عامل واحد، وإنما إلى تجارب شخصية واجتماعية، وإلى شعور بعضهم بأنهم يظلون موضع تساؤل أو تمييز بسبب أصولهم أو هويتهم.
وهنا تصبح الانتخابات مناسبة يختبر فيها هؤلاء موقعهم داخل المجتمع الأميركي، ومدى قدرة النظام السياسي على الاستماع إلى أصواتهم ومخاوفهم، لا بوصفهم كتلة انتخابية تبحث عن مصالحها فحسب، وإنما بوصفهم أفرادًا لهم أصوات ومخاوف تتصل بالسياسات التي تمس حياتهم وبلدان أصولهم أيضًا.
ربما لا تسكن أميركا كل من يسكنها، كما قال ذلك الرجل، لكن قراراتها تصل إلى أبعد من حدودها، وتؤثر في حياة أناس لم تطأ أقدامهم أرضها يومًا. وتلك واحدة من مفارقات القوة الأميركية؛ فهي بلد لا يشعر الجميع بالانتماء إليه، لكن كثيرين خارج حدودها يجدون أنفسهم معنيين بما يجري داخله.
Loading ads...
وبين صناديق الاقتراع في الولايات المتحدة وانتظارات العرب في الشرق الأوسط، تبقى الانتخابات الأميركية حدثًا يتجاوز حدود الجغرافيا ويطرح سؤالًا أكبر من هوية الفائز: أي أميركا يتطلع إليها العرب، داخل الولايات المتحدة وخارجها؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





