2 أيام
حين يسبقنا الذكاء الاصطناعي إلى الاكتشافات... ماذا يتبقّى للعقل البشري؟ - رصيف22
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

قبل أشهر، طُلب من تسعة علماء رياضيات أن يجتمعوا حول مسألة واحدة. لم تكن مهمتهم أن يكتشفوا شيئاً، بل أن يقرأوا برهاناً أنتجته آلة، ويتحقّقوا من صحته، ويترجموه إلى صيغة يفهمها عقل بشري.
المسألة كانت حدسية إردوش للمسافات الأحادية، وجوهرها السؤال التالي: "إذا وضعت n نقطة في المستوى، فكم عدد أزواج النقاط التي يمكن أن تفصل بينها مسافة 1 بالضبط؟".
صمدت هذه الحدسية ثمانين عاماً في الهندسة الحديثة، والآلة نموذج تابع لشركة "أوبن إيه آي".
خلص علماء الرياضيات التسعة إلى أنّ النموذج نجح فعلاً في دحضها. كان من بينهم اسم يستحقّ التوقف عنده: جاكوب تسيمرمان، عالم الرياضيات الكندي البارز.
بعد أسابيع قليلة، في فيلادلفيا، انعقد المؤتمر الدولي لعلماء الرياضيات في الولايات المتحدة لأول مرة منذ عام 1986، وتسلّم تسيمرمان ميدالية "فيلدز"، أرفع تكريم في الرياضيات على الإطلاق.
بعد دقائق من تسلّمه إيّاها، أعلن للصحافيين أنه يغادر المجال الأكاديمي كلياً للعمل في مجال أمان الذكاء الاصطناعي.
المفارقة ليست في القرار، بل في توقيته؛ رجل يبلغ أعلى ما يمكن أن يبلغه إنسان في مجاله، يعلن في اللحظة نفسها التي نال فيها أرفع تكريم في الرياضيات، أنّ هذا المجال قد لا يعود له المعنى الذي عرفناه.
ما يقلقني في هذا كله ليس أنّ الآلة "تفكّر" رياضياً (من رياضيات)؛ فهذا نقاش قائم منذ سنوات ولم يعد يفاجئ أحداً. ما يقلقني أنّ المورد النادر تغيّر جذرياً من دون أن ننتبه بما يكفي.
لعقود، كان الوقت البشري هو العائق أمام إنتاج المعرفة الرياضية.
اليوم، صار العائق هو الوقت البشري اللازم لاستيعابها.
لقرون، لم تكن العبقرية الرياضية شيئاً يُكتسب بجلسة عمل أو مشروع محدد المدة، بل كانت أقرب إلى نذر حياة كاملة.
عاش بول إردوش، أحد أغزر علماء الرياضيات إنتاجاً، هذا النذر حرفياً: بلا بيت ثابت، بلا وظيفة تقليدية، يتنقّل بحقيبة واحدة بين بيوت زملائه حول العالم، ولا يحمل من متع الحياة إلا الأوراق والمسائل المفتوحة.
وعنه اشتهرت مقولة يعود أصلها في الحقيقة إلى زميله المجري ألفريد رينيي: "عالم الرياضيات آلة تحوّل القهوة إلى مبرهنات".
تلك كانت المعادلة: وقت بشري، وصبر لا ينضب، وفنجان تلو الآخر، تساوي بعد سنوات وأحياناً عقود اكتشافاً واحداً يستحق أن يُروى.
كل مبرهنة كلّفت وقتاً بشرياً مباشراً، وهذا الوقت بالتحديد كان سقف ما تستطيع البشرية معرفته.
بعد أسابيع من الجدل حول حدسية إردوش، أعلنت شركة "أنثروبيك"، أنّ نسخةً تجريبيةً غير منشورة من نموذج "كلود" حقّقت تقدّماً في اتجاه فرضية ريمان، أشهر مسألة رياضية غير محلولة منذ أكثر من 150 عاماً، وقد رُصدت جائزة قدرها مليون دولار لمن يثبتها.
النموذج لم يحلّ الفرضية، ولا يقترب من ذلك. لكنه، بحسب إعلان الشركة، رفع النسبة المثبَتة من أصفار دالة زيتا الواقعة على الخط الحرج من 41.6% إلى 67.2%، متجاوزاً أفضل نتيجة توصّل إليها البشر خلال عقود من الجهد المتراكم.
اللافت في الرواية، كما نشرتها الشركة، هو توزيع الأدوار: الشخص الذي وجّه النموذج لم يكن عالم رياضيات، واقتصر دوره على تشجيعه بجمل من نوع "استمرّ في المحاولة". وعلى مدار يوم ونصف، اختبر النموذج نحو 650 فكرةً مختلفةً عبر ستين وكيلاً فرعياً، يعمل كل منها على مسار منفصل.
أما التدخّل البشري الفعلي، فاقتصر على مراجعة عالِمَي رياضيات للنتيجة النهائية.
سيقول كثيرون إنّ في هذا مبالغةً، ولديهم ما يسندهم. دحض حدسية ليس ابتكار نظرية؛ البحث عن مثال مضاد مهمة يناسبها المسح الآلي المنهجي أكثر مما يناسبها الحدس، وهي أقرب إلى ما تجيده الحواسيب منذ عقود. وتحسين نسبة معروفة داخل مسار برهاني مفتوح ليس فتحاً مفهومياً؛ إنه تسريع لعمل قائم. ثمّ إنّ ما أعلنته "أنثروبيك" يخصّ نسخةً غير منشورة، وشركة تعلن عن نتائج نموذجها ليست جهةً محايدة.
كل هذا صحيح. لكنه لا يمسّ ما يعنيني هنا. حتى لو قبلنا أنّ الآلة لا تبتكر بالمعنى الذي نمنحه للكلمة، فإنّ ما جرى في الحالتين واحد: أُنتجت نتائج رياضية (من رياضيات) بوتيرة لا يستطيع الإنتاج البشري مجاراتها، وكان الدور البشري في الحالتين هو المراجعة والفهم، لا الاكتشاف. تسعة علماء رياضيات في الحالة الأولى، واثنان في الثانية. وفي الحالتين، جاء البشر في النهاية لا في البداية.
الآلة تنتج احتمالات رياضيةً بلا توقف، وبلا تعب، وبلا حاجة إلى فنجان واحد. أما المورد الذي لم يتغيّر فهو نحن: قدرتنا المحدودة على المراجعة والفهم والثقة بما تنتجه.
والنتيجة مفارقة أشدّ إرباكاً من "الآلة تكتشف بدل الإنسان": صرنا نملك معرفةً أكثر مما نستطيع استيعابه، وأسرع مما نقدر أن نتحقق منه.
السؤال لم يعد: "هل تستطيع الآلة أن تكتشف؟"، فهو سؤال حُسم عملياً، بل: "هل يكفينا الوقت لنفهم ما تكتشفه؟".
يُنسب إلى أفلاطون، أنه كتب على بوابة أكاديميته: "لا يدخلها إلا من كان رياضياً (من رياضيات)"، في إشارة إلى أنّ العقل الرياضي، بتمرّنه على الانتقال من المحسوس إلى المجرد الخالص، كان يُعدّ شرطاً حتى لتعلّم الفلسفة نفسها.
وسواء صحّت القصة تاريخياً أم لا، فإنها تلخّص فكرةً ظلّت راسخةً لقرون: الرياضيات ليست أرقاماً، بل هي تمرين للعقل البشري على أرقى أنواع التجريد الذي يملكه.
فإذا صارت الآلة قادرةً على أداء هذا التمرين، أو جزء كبير منه، من دون أن تحتاج إلى عقل بشري يفكّر رياضياً (من رياضيات) بالمعنى التقليدي، فربما لا نخسر مهنةً كما قال تسيمرمان.
Loading ads...
ربما نخسر تدريجياً نوعاً من التمرين الذهني شكّل تعريفنا للعقل نفسه، وهذا، لا سرعة الاكتشافات ولا كثرتها، هو ما يستحق منا القلق.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





