5 أشهر
الأبعاد النفسية للعمل المناخي: أهمية صيغة «الوقت المتبقي» في الحد من التغير المناخي
السبت، 29 نوفمبر 2025

تشتهر منطقة الشرق الأوسط بدورها الحيوي في أسواق الطاقة العالمية، إذ تبرز اليوم بوصفها قوة محورية في تحقيق الاستدامة. فالحكومات والشركات في منطقة الخليج العربي تستثمر في مصادر الطاقة المتجددة، وتضع سياسات مناخية طموحة، إلى جانب استضافة منتديات عالمية مثل مؤتمر الأطراف «كوب 28».
ولكن النجاح في تحويل جهود العمل المناخي على مستوى المنطقة والعالم يتطلب مواجهة حاجز أساسي غالبًا ما يتم إغفاله، وهو علم النفس البشري.
فهرس المحتوي
تحدي الحاجز النفسيمنهجيتا صيغة التاريخ وصيغة الوقت المتبقيوقادنا ذلك إلى أبرز طريقتين:من البحث إلى الإجراءات العمليةصيغة تتجاوز المناخ إلى غيره من المجالاتدعوة لتعزيز العمل المناخي في الشرق الأوسط
تحدي الحاجز النفسي
تشير التقارير الدولية حول التغير المناخي، مثل ملخص الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ لعام 2018 واتفاقية باريس للمناخ لعام 2015، بشكل متكرر إلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة. ورغم الوعي الواسع بالظواهر المناخية مثل ذوبان الجليد القطبي، وحرائق الغابات، والفيضانات، وشح المياه، غالبًا ما تكون المبادرة الفردية غائبة. وهنا يبرز السؤال حول قلة المبادرين إلى العمل رغم كثرة المهتمين بهذا المجال.
يكمن أحد الأسباب في مفهوم الحاجز النفسي. فالتغير المناخي أزمة تتطور ببطء وتتكشف على مدى عقود، وغالبًا ما تكون نتائجها غير واضحة أو بعيدة المدى. وعند النظر إلى التهديدات على أنها بعيدة، سواء جغرافيًا أو زمنيًا، تبدو أقل أهمية وإلحاحًا، مما قد يؤدي إلى اللامبالاة والتقاعس.
وجدت قبل بضع سنوات، أثناء تصفحي موقع «بي بي سي نيوز»، مقالًا بعنوان «كم ستعيش؟» تضمّن حاسبة العمر المتوقّع من «بي بي سي»، التي تطلب من القراء إدخال معلومات أساسية لتقدير متوسط العمر المتوقع ونسبة السنوات التي يمكن أن يتمتعوا خلالها بصحة جيدة.
كذلك شكّل العنوان بحد ذاته محفزًا قويًا، فمن منا لا يهتم بمستقبله؟ لكن ما أثار اهتمامي هو طريقة عرض المعلومات، حيث يطرح أسئلة مثل: هل أفضّل معرفة عدد السنوات المتبقية من عمري أم التاريخ الدقيق لنهاية حياتي؟
لم يكن هذا الفارق في صيغة السؤال بسيطًا؛ فقد دفعني وزميلتي في البحث أوزلم تيتيك إلى دراسة تأثير صياغة المعلومات على دوافعنا، خصوصًا حين تكون المخاطر كبيرة مثل التغير المناخي.
أردنا أن نعرف: هل يمكن لطريقة عرض الجدول الزمني للتهديدات المناخية، ما يُعرف في علم النفس بـ«التأطير الزمني»، أن تحد من تأثير الحاجز النفسي وتحفّز العمل الحقيقي؟
منهجيتا صيغة التاريخ وصيغة الوقت المتبقي
شمل بحثنا تحليلًا أرشيفيًا، وثماني تجارب عبر الإنترنت، وتجربة ميدانية واسعة النطاق. وكانت الخطوة الأولى بسيطة، وتتمحور حول كيفية تقديم خبراء المناخ والإعلام الجدول الزمني للتهديدات البيئية.
وقادنا ذلك إلى أبرز طريقتين:
• صيغة التاريخ: مثل «ستواجه المملكة المتحدة نقصًا في الموارد المائية بحلول عام 2040».
• صيغة الوقت المتبقي: مثل «ستواجه المملكة المتحدة نقصًا في الموارد المائية خلال 16 عامًا».
وكشفت الدراسة أن 93 في المئة من العناوين تميل إلى استخدام صيغة التاريخ. ولكن أي المنهجيتين تدفع الناس إلى التحرك فعليًا؟
قدّمت تجاربنا التالية، بما في ذلك دراسة ميدانية شملت أكثر من 20,000 قارئ عبر الإنترنت، إجابة واضحة. فعند عرض عناوين «الوقت المتبقي» (مثل: من المتوقع حدوث جفاف خلال سبع سنوات)، بدلًا من عناوين «التاريخ» (مثل: من المتوقع حدوث جفاف بحلول عام 2030).
كما زاد احتمال تفاعل القراء وضغطهم على روابط العناوين بنسبة 25 في المئة. ولم يقتصر التأثير على زيادة الاهتمام، بل ازداد احتمال التبرع للقضايا البيئية عند عرض المخاطر بصيغة الوقت المتبقي بدلًا من ذكر تاريخ حدوثها البعيد.
ويعود السبب في ذلك إلى أن صيغة الوقت المتبقي تولد شعورًا بأن الوقت ينفد، فيصبح التهديد وشيكًا ومباشرًا، وموعدًا قادمًا يحمل إلينا مخاطر كبيرة.
من البحث إلى الإجراءات العملية
تحمل نتائج الدراسة تأثيرات ملموسة على آلية تعاطي الحكومات والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام مع التحذيرات البيئية، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط التي تعاني من شح المياه وارتفاع درجات الحرارة والتهديدات البيئية.
ومن خلال استخدام صيغة الوقت المتبقي عند الحديث عن التغيرات المناخية، يمكن لجهات التواصل أن تمنح التهديدات البيئية طابعًا يوحي بالخطر القريب ويزيد الشعور بالمسؤولية. ونستعرض فيما يلي الاختلاف بين الصيغتين:
• صيغة التاريخ: «ستشهد المنطقة شحًا شديدًا في الموارد المائية بحلول عام 2040».
• صيغة الوقت المتبقي: «ستشهد المنطقة شحًا شديدًا في الموارد المائية خلال 15 عامًا فقط».
ويشجع هذا التغيير البسيط في الصياغة على اتخاذ الإجراءات العملية، مثل التبرع لأنشطة حماية البيئة، ودعم السياسات الجديدة، وتغيير السلوك الشخصي، بالإضافة إلى تعزيز حس المسؤولية في هذا المجال.
صيغة تتجاوز المناخ إلى غيره من المجالات
كما تشير أبحاثنا أيضًا إلى أن صيغة الوقت المتبقي فعالة في العديد من المجالات. ففي مجال التواصل الصحي، تبدو عبارة «إذا لم تتوقف عن التدخين خلال سنتين، ستعاني من مشاكل صحية غير قابلة للعلاج» أكثر إقناعًا من عبارة «ستعاني من مشاكل صحية غير قابلة للعلاج بحلول عام 2027».
كذلك في مجال التخطيط المالي، يمكن التأكيد على أهمية اتخاذ الخطوات في الوقت المناسب لتجنب العواقب المالية السلبية، مثل «تلوح أزمة ميزانية في الأفق خلال ثلاث سنوات، في حال عدم تحقيق أهداف المبيعات».
كما وبصورة مماثلة، يمكن أن تؤكد صيغ الوقت المتبقي على ضرورة اتخاذ إجراءات تشريعية سريعة في سياق السياسة العامة، مثل «علينا إقرار قوانين جديدة خلال خمس سنوات لتجنب العقوبات».
كما يمكن لخبراء التسويق، ولا سيما أصحاب الخدمات والمنتجات المستدامة، استخدام صيغة الوقت المتبقي لتسليط الضوء على أهمية عروضهم.
دعوة لتعزيز العمل المناخي في الشرق الأوسط
يرتكز العمل المناخي في الشرق الأوسط على اعتماد السياسات السليمة والحلول التقنية، فضلًا عن تعزيز الجانب النفسي لأهميته عند اتخاذ القرارات اليومية. ويمكن تحديد إجراءات التدخل التي تعزز الاختيارات المستدامة على نطاق واسع من خلال فهم آلية تفكير الأفراد ومشاعرهم وتصرفاتهم.
ويتجاوز التأثير النفسي لصيغة الوقت المتبقي الجانب النظري المجرّد، ليقدم استراتيجية قابلة للتنفيذ يمكن أن تحفّز المجتمعات وصنّاع السياسات والشركات. ومن خلال تجاوز الحاجز النفسي واستشعار الخطر، يمكننا تحويل القلق إلى التزام وإجراءات عملية.
في نهاية المطاف لقد أظهر قادة المنطقة قدرتهم على وضع أهداف طموحة. وحان الوقت لتسخير الإمكانات الكاملة لعلم السلوك في تحقيق هذه الأهداف. وتغيير محتوى كلامنا والطريقة التي نعبّر بها عن التهديدات المناخية. كما تبرز مع مرور الوقت قيمة الزمن وأهمية العمل؛ فالوقت المتبقي أقل مما نظن، وأثمن من أي مرحلة مضت.
بقلم ديفيد فارو، أستاذ التسويق في كلية لندن لإدارة الأعمال
Loading ads...
الرابط المختصر :
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




