في عام 2010، كان المتداول الأمريكي الشاب "روبرت هول" يراقب الاهتمام الكبير المحيط بأسهم تكنولوجيا الطاقة النظيفة، وتحديداً شركة "سوليندرا" (Solyndra) المصنعة للألواح الشمسية الأسطوانية.
وكان "روبرت" مطمئناً، لأنه كان محاطاً بزخم إعلامي مكثف وإجماع كامل في المنتديات الاستثمارية ومدونات التداول على أن الشركة مدعومة بقرض حكومي أمريكي ضخم بقيمة 535 مليون دولار، وأن نموذجها غير التقليدي سينجح بشكل استثنائي.
وكلما بحث عن آراء، وجد توافقاً جماعياً يؤيد الشراء، لذا ضخ ما يقرب من 35 ألف دولار من مدخراته في هذا القطاع. لكن في أواخر عام 2011، عندما أعلنت الشركة فجأة إفلاسها التام وإغلاق مصانعها، خسر غالبية رأسماله.
وحدث هذا بعد أن عجزت عن مواجهة المعطيات الهيكلية للسوق والمتمثلة في تدفق الألواح الشمسية الصينية الرخيصة، والتي أهملها الإجماع تماماً، لتنتهي الشركة التي حازت على ثقة كبيرة على الرغم من تأسيسها في عام 2005 فحسب.
وتعكس هذه القصة كيفية عمل أحد أخطر الفخاخ النفسية في البورصة، وهو ما يُعرف في علم النفس بـ"وهم الإجماع الزائف"، وهو انحياز إدراكي يجعل المتداول يبالغ بشكل صارخ في تقدير مدى موافقة الآخرين لرأيه واستراتيجيته وتوقعاته لحركة السوق.
وفي هذه الحالة، يميل العقل غريزياً إلى افتراض أن الأغلبية تفكر بالطريقة نفسها التي يفكر بها، مما يمنحه ثقة زائفة تقوده إلى خسائر مالية.
فالافتراض الشائع بأن وجود عدد كبير من الأشخاص يشاركونك الرأي نفسه داخل الأسواق يُعد دليلاً على صحة القرار هو افتراض تحطمه وقائع البورصة وتاريخها المالي.
فـ"التحرك مع الحشود" يمنح صاحبه شعوراً زائفاً بالأمان والتصرف الصحيح، لكنه في الوقت ذاته يتسبب في تعطيل أدوات التحليل النقدي والرقابة الذاتية، ولا يجعل المتداول يهتم بدراسة السوق بنفسه.
ولعل أبرز بيئة يتغذى فيها هذا الوهم في العصر الحديث هي وسائل التواصل الاجتماعي والمنتديات المالية، ومؤخراً أدوات الذكاء الاصطناعي غير المتخصصة التي تعتمد أيضاً على "العقل الجمعي"، حيث يقع المتداول في فخ الاستماع إلى "الصدى".
فعندما يشتري متداول ما سهماً معيناً، يبدأ، دون وعي، بمتابعة الحسابات والمجموعات التي تمدح هذا السهم فقط، ويتجاهل تماماً أي تقارير سلبية؛ فيبدو له السوق، مع طريقة عمل الخوارزميات، وكأن الجميع مجمعون على صعود السهم، بينما في الواقع هو يرى فقط مرآة تعكس رغباته الخاصة بسبب تركيبة محفظته.
ويبرز هنا ما حدث مع المستثمر ومدير المحافظ الأمريكي "ألتاي كابيتال" (Altai Capital) خلال أزمة أسهم شركات التكنولوجيا المعروفة بـ"الشركات البرمجية الناشئة ذات التقييمات المتضخمة" بين عامي 2021 و2022.
كان الصندوق يُدار بخبرات مالية متطورة، وحقق عوائد جيدة عبر التركيز على قطاع البرمجيات كخدمة (SaaS) .
ومع الصعود الكبير لهذه الأسهم عقب الجائحة، نشأ "إجماع" غير مكتوب بين مديري الصناديق في وول ستريت بأن النماذج السعرية التقليدية وتقييمات مكررات الربحية القديمة لم تعد صالحة، وأن النظام الجديد (عالم ما بعد كورونا) يتطلب تقييم الشركات بناءً على نمو الإيرادات فقط مهما كانت الخسائر التشغيلية.
وتحت تأثير هذا الإجماع السائد، اندفعت "ألتاي كابيتال" وضخت مئات الملايين من الدولارات في شركات تكنولوجية ناشئة كانت تتداول بمكررات مبيعات كبيرة تتجاوز 40 ضعفاً.
وكان مديرو الصندوق ينظرون حولهم في وول ستريت، فيجدون كبريات المؤسسات المالية وصناديق التحوط تفعل الشيء نفسه، مما عزز لديهم وهم أن هذا التوجه مدعوم برؤية جماعية صلبة لا يمكن أن تخطئ.
ومع بداية عام 2022، عندما بدأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في رفع أسعار الفائدة بشكل متسارع لمواجهة التضخم، تغير الهيكل الأساسي للسوق جذرياً. وانقلب الإجماع فجأة، وعاد كثيرون إلى "الأصول القديمة"، وأصبحت التدفقات النقدية والربحية المستدامة المعيار الأساسي للبقاء.
وكانت النتيجة انهياراً عنيفاً في أسعار هذه الشركات؛ حيث هوت أسهم في محفظة الصندوق بنسب بلغت 70% في بعض الحالات في غضون أشهر قليلة، وتكبدت المحفظة خسائر فادحة أدت إلى تآكل جزء ضخم من الأصول المدارة.
ولم تنقص مديري الصندوق الخبرات أو القدرات على قراءة القوائم المالية، بل غلبهم "وهم الإجماع" الذي جعلهم يعتقدون أن توافق الغالبية في سوق الأسهم يحميهم من القوانين الاقتصادية والمالية الأساسية.
وهم الإجماع وفقاعات الأصول
ويمكن القول إن المظهر السلوكي الأوضح لـ"وهم الإجماع" يتجلى في فترات الصعود غير المبرر، أو ما يُعرف بـ"الفقاعات السعرية"؛ وذلك وفقاً لدراسة أجراها باحثون في "بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو" حول سيكولوجية الجماهير في أسواق المال.
فالدراسة تتبعت سلوك المتداولين خلال فترات الطفرات السعرية، ووجدت أن أكثر من 76% من المتداولين الأفراد يبنون قرارات الشراء الخاصة بهم بناءً على فرضية أن "الجميع يشترون الآن، والجميع يتوقعون استمرار الصعود"، وهو ما يسمى إحصائياً بـ"الارتباط الشرطي الزائف".
والشاهد أنه بينما يعتقد المتداول أن هذا الإجماع يحميه، فإن المحافظ التي تُدار بناءً على "ملاحقة الإجماع السائد" تسجل في المتوسط تراجعاً في العوائد السنوية يبلغ 4.2% مقارنة بالمحافظ التي تعتمد على استراتيجيات مستقلة، مثل الاستثمار الدوري المنتظم.
وهذا لأن "الإجماع" في الأسواق المالية يظهر دائماً عند القمم السعرية، حين يكون الطمع في أعلى مستوياته، ويختفي تماماً عند القيعان، مما يجعل التداول بناءً عليه وسيلة شبه مضمونة للشراء بأعلى سعر والبيع بأقل سعر، بما يقوض المحفظة على المدى الطويل.
وتشير دراسة تاريخية أخرى رصدت أداء المستشارين الماليين الذين يعتمدون على التوصيات السائدة، إلى أن 82% من الاستراتيجيات التي تُبنى بناءً على فرضية التوافق الجماعي تفشل في تحقيق عوائد تتفوق على مؤشرات السوق الرئيسية، فالإجماع في الأسواق غالباً ما يكون مؤشراً على اقتراب نقطة التحول وانعكاس الاتجاه.
ولعل من أهم الدلائل الواقعية على خطورة هذا الانحياز ما حدث في قطاع الصناديق المتخصصة في الاستثمار العقاري المدرج بالبورصة في بريطانيا قبل سنوات؛ حيث كان هناك إجماع كامل بين المحللين على أن أسعار العقارات التجارية في لندن ستستمر في النمو المستدام بنسب لا تقل عن 6% سنوياً نتيجة تدفق الاستثمارات الأجنبية.
وضخت صناديق متوسطة الحجم أموالها بالكامل في هذه الأصول، متجاهلة البيانات الكلية ومؤشرات التضخم الأساسية.
وعندما حدثت تقلبات سياسية واقتصادية غير متوقعة، انهار الطلب وتكشف خطأ التقييمات، لتسجل تلك الصناديق خسائر رأسمالية حادة، مما يثبت أن السير مع الحشود لا يوفر حماية عندما تتغير القواعد الأساسية للاقتصاد.
ولتجنب "وهم الإجماع"، لا بد من تبني ما يُعرف بـ"استراتيجية المخالفة المنهجية"، وتقوم على إجبار العقل على البحث عن التقارير والبيانات التي "تثبت خطأ" التوجه السائد، بدلاً من ملاحقة ما يؤيده.
وتشير أبحاث البروفيسور "ديفيد هيرشليفر"، أستاذ العلوم المالية وسيكولوجيا الاستثمار، إلى أن المتداولين الأكثر نجاحاً واستدامة هم أولئك الذين يمتلكون نظام فحص يكون مستقلا ومقاوما لضغط الجماعة.
فالاستثمار الناجح لا يتطلب إثبات أنك تسير مع الأغلبية لكي تشعر بالأمان، بل يتطلب الالتزام الصارم بتنويع أصول المحفظة، بدلاً من الشعور الزائف بالراحة "وسط الجموع"، لأنه أمان زائف سرعان ما يبدده "انكشاف وهم الإجماع".
Loading ads...
المصادر: أرقام – بيهيفريال سيكولوجي - وول ستريت جورنال - دراسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسك- أبحاث البروفيسور فيليب تيتلوك - Journal of Behavioral Economics
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





