حيَّاك في قلوب الشعب السعودي
ما الذي يبقى معنا حين نعودُ من السفر؟ قد ننسى اسمَ الفندقِ، وترتيبَ الرحلاتِ، وبعضَ المواقعِ التي زرناها، لكنَّنا نتذكَّرُ شخصاً استقبلنا بمحبَّةٍ، وكلمةً تعلَّمناها من أهلِ البلد، ومذاقَ طبقٍ نتمنَّى تجربته مرَّةً أخرى. نحملُ في حقائبنا شيئاً من صناعاتهم، ونسردُ في أحاديثنا شيئاً من قصصهم، وتتولَّدُ في قلوبنا رغبةٌ في العودة.
هذه التفاصيلُ تستحقُّ أن تكون في صميمِ الاستراتيجيَّةِ السياحيَّة، فالسياحةُ ليست مجموعةَ مشروعاتٍ منفصلةً، بل قرارٌ طويلُ الأمد، يبدأ بسؤال: ما الذي نملكه، ويستحقُّ أن يُسافر العالمُ من أجله؟ ثم تأتي مسؤوليَّةُ تحويله إلى تجربةٍ متكاملةٍ من خلال البنيةِ التحتيَّة، وسهولةِ الوصول، وجودةِ الخدمات، وتأهيلِ الإنسان، وحمايةِ المكان.
وتُقدِّم التجاربُ الدوليَّةُ دروساً مفيدةً لا نماذجَ جاهزةً للنسخِ، ولا مقارناتٍ تُقلِّل من قيمةِ ما لدينا، فهناك وجهاتٌ صنعت جاذبيَّتها من خلال المؤتمراتِ، والفعاليَّاتِ، والثقافة، وأخرى جعلت المطبخَ، والحِرفَ، والمهرجاناتِ جزءاً أصيلاً من رحلةِ الزائر، فيما اختارت وجهاتٌ السياحةَ البيئيَّة، وربطت حمايةَ الطبيعةِ بتنميةِ المجتمعاتِ المحليَّة.
ولا تكمنُ قيمةُ هذه التجاربِ في تكرارها، بل في فهمِ الدرسِ المشتركِ بينها: وضوحُ الرؤيةِ، والاستمرارُ في التنفيذِ، والقدرةُ على اكتشافِ ما يُميِّز المكانَ، وتحويله إلى تجربةٍ إنسانيَّةٍ، وقيمةٍ اقتصاديَّةٍ مستدامةٍ.
وفي السعوديَّة، لا تبدأ قِصَّةُ الضيافةِ اليوم، فقد عُرِفَت أرضنا منذ القِدمِ باستقبالِ الحجَّاجِ والمعتمرين، وخدمةِ ضيوفِ الرحمن. أمَّا الانفتاحُ الأوسعُ على السياحةِ الدوليَّة، فاكتسبَ زخماً جديداً مع رؤيةِ السعوديَّة 2030، وإطلاقِ التأشيرةِ السياحيَّةِ عامَ 2019. حداثةُ هذه المرحلةِ لا تعني حداثةَ المكان، بل تعني أننا نُعيد تقديمَ إرثٍ عريقٍ بلغةٍ تُناسِب العالمَ اليوم. وتمنحنا هذه المرحلةُ فرصةً مهمَّةً، بأن نتعلَّمَ من الخبراتِ العالميَّةِ دون أن نفقدَ شخصيَّتنا، وأن نُنافس بما يُميِّزنا بدلَ أن نُكرِّر ما صنعه الآخرون.
لدينا آثارٌ تحملُ قصصَ الحضاراتِ، وقرى تحفظُ ذاكرةَ أهلها، ومدنٌ تشهدُ على التجارةِ واللقاء، وتنوُّعٌ يمتدُّ من سواحلِ البحرِ إلى الجبالِ والواحاتِ والصحراء. ومن رواشين جدة إلى عمارةِ نجد، ومن فنونِ الجنوبِ إلى حكاياتِ البحرِ في الشرق، تتعدَّدُ التفاصيلُ التي تستحقُّ أن تُروى بعمقٍ واحترامٍ.
وهنا يبدأ العملُ الاستراتيجي الحقيقي، بأن يتحوَّلَ الأثرُ إلى زيارةٍ تُروى خلالها قِصَّته بأمانةٍ، والحِرفةُ إلى تجربةٍ، يتعلَّمُ منها الزائرُ، ويستفيدُ منها الحِرفي، والمطبخُ المحلي إلى جزءٍ أصيلٍ من الرحلة. وأن نقيسَ النجاحَ أيضاً بفرصةِ عملٍ نوعيَّةٍ، ومشروعٍ محلي ينمو، وبيتٍ تراثي يُصان، وقريةٍ تستفيدُ من زوَّارها دون أن تفقدَ هويَّتها.
ولا تكتملُ هذه المنظومةُ بجهودِ جهةٍ واحدةٍ، فالقطاعُ الحكومي، بما يقودُه من رؤيةٍ وتشريعاتٍ ومشروعاتٍ، يُهيِّئ الطريق، والقطاعُ الخاصُّ، يُحوِّل الفرصَ إلى استثماراتٍ، وتجاربَ، وخدماتٍ. وحين تتكاملُ هذه الأدوارُ، تُصبح السياحةُ صناعةً مستدامةً ذات أثرٍ تنموي وإنساني. وفي قلبِ هذا التكاملِ يأتي المواطنُ السعودي بكفاءته، وكرمِ ضيافته الأصيل، ليصنعَ تجربةً سياحيَّةً عالميَّةً في جودتها، عربيَّةً في دفئها، وسعوديَّةً في روحها.
وحين نقولُ للزائرِ «حيَّاك الله»، نُريد أن يجدَ معناها منذ وصوله وحتى عودته، وأن يُغادر وهو يعلمُ أننا حين رحَّبنا به كنا نقصدُ:
Loading ads...
حيَّاك في أرضنا، وفي حكاياتنا، وحيَّاك في قلوبِ الشعبِ السعودي.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





