ساعة واحدة
تحدي الجغرافيا.. اقتصاد الصين يعبر أزمات هرمز نحو السعودية
الثلاثاء، 19 مايو 2026
لماذا تتمسك الصين باستقرار مضيق هرمز؟
لأنه شريان حيوي لواردات الطاقة والتجارة الصينية
ما الذي يدفع بكين لتعميق شراكتها مع السعودية؟
لضمان الاستقرار التجاري والطاقة والاستثمارات الإقليمية
تفرض اضطرابات مضيق هرمز على الصين إعادة حساباتها التجارية والطاقوية، مع تصاعد المخاطر التي تهدد سلاسل الإمداد العالمية وحركة الشحن بين آسيا والخليج، في وقت تتجه فيه السعودية لتأدية دور أكثر محورية داخل المعادلة الاقتصادية لبكين.
وتشهد الشراكة السعودية الصينية وتيرة متسارعة تتجاوز تجارة النفط التقليدية، مدفوعةً بتقاطع مصالح الاستثمار والتصنيع والطاقة والتقنيات الحديثة، بالتزامن مع سعي بكين لتأمين مسارات أكثر أمناً ومرونة لعبور تجارتها وسط بيئة إقليمية مضطربة.
وفي ظل اضطرابات الملاحة بمضيق هرمز، تبدو السعودية بالنسبة للصين نقطة ارتكاز أكثر استقراراً في معادلة التجارة والطاقة الإقليمية.
ونقلت صحيفة "الاقتصادية" السعودية، في 13 مايو 2026، عن القنصل العام الصيني في جدة "يانغ يي" قوله إن عمليات الشحن الصينية إلى ميناء جدة لا تزال مستقرة نسبياً رغم ارتفاع تكاليف الشحن وأقساط التأمين بسبب التوترات في هرمز.
وأشار القنصل إلى أن استعادة سلاسل الإمداد لعافيتها ستتطلب وقتاً حتى في حال توقف النزاع فوراً، نظراً لحاجة شركات الشحن والمصنعين لإعادة ترتيب المسارات والطلبات واستعادة ثقة الأسواق.
وبحسب التصريحات ذاتها، بلغ حجم التبادل التجاري بين السعودية والصين 17.7 مليار دولار خلال أول شهرين من 2026 بنمو سنوي بلغ 5.5%، فيما ارتفعت الصادرات الصينية إلى المملكة إلى 9.8 مليارات دولار بنمو بلغ 18.7% مدفوعة بالمنتجات الصناعية والتقنية.
وتحافظ الصين على موقعها كأكبر شريك تجاري للسعودية عالمياً، بينما تُعد المملكة الشريك الأكبر لبكين في الشرق الأوسط، مع استمرار حجم التبادل التجاري بين البلدين فوق مستوى 100 مليار دولار سنوياً خلال السنوات الأخيرة.
وتعكس هذه المؤشرات توجهاً صينياً لتعميق الشراكة مع السعودية بوصفها سوقاً مستقرة ومحوراً متقدماً للتجارة والاستثمار في المنطقة، بالتزامن مع سعي بكين لتقليل أثر اضطرابات هرمز على تدفقات الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
ويزيد اعتماد الصين الكبير على واردات الخليج من حساسية أي اضطراب ملاحي، ما يدفعها إلى البحث عن مسارات وشراكات أكثر استقراراً داخل المنطقة.
وبعيداً عن التجارة التقليدية، تتوسع الشراكة السعودية الصينية تدريجياً نحو قطاعات التصنيع والطاقة والتقنيات المتقدمة والاستثمارات العابرة للحدود.
وبيّن "يانغ يي"، أن رصيد الاستثمار الصيني المباشر في السعودية ارتفع بنهاية 2024 إلى 31.1 مليار ريال (8.29 مليارات دولار)، بتدفقات استثمارية بلغت 8.6 مليارات ريال (2.29 مليار دولار) خلال العام نفسه، بزيادة تقارب 164%.
واستحوذ قطاع التصنيع على الحصة الأكبر من الاستثمارات، إلى جانب الخدمات المالية والتأمين والبناء والتعدين والتكنولوجيا والبنية التحتية والرعاية الصحية.
ويرى مراقبون أن العلاقة الخليجية الصينية لم تعد قائمة على "النفط مقابل السلع"، بل تتجه نحو شراكات أوسع في الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية والموانئ والخدمات اللوجستية.
وكان صندوق الاستثمارات العامة السعودي، قد وقّع في عام 2024 مذكرات تفاهم مع مؤسسات مالية صينية بقيمة تصل إلى 50 مليار دولار، دعماً لتدفقات رأس المال وأدوات التمويل والاستثمار، بالتزامن مع توسع الشركات الصينية في المشاريع الصناعية والطاقة داخل السعودية.
كما بدأت "أرامكو" و"سينوبك" تنفيذ مشروع مجمع تكرير وبتروكيماويات في مقاطعة فوجيان الصينية بقيمة 10 مليارات دولار، ضمن مشروع مشترك يُتوقع تشغيله بحلول 2030، بحسب ما أوردته "رويترز".
وتشير هذه التحركات إلى أن بكين تنظر إلى السعودية ليس فقط كمصدر رئيسي للطاقة، بل كشريك اقتصادي قادر على لعب دور محوري في إعادة تشكيل سلاسل الإمداد الإقليمية وممرات التجارة المرتبطة بمبادرة "الحزام والطريق".
ويؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور تركي الشمري أن منطقة الخليج تمثل شريان حياة استراتيجياً للصين، خاصة في مجالات أمن الطاقة وسلاسل الإمداد، لافتاً إلى أن الاضطرابات الأخيرة في مضيق هرمز أثارت تساؤلات ملحة حول مستقبل هذه الشراكة الحيوية.
ويوضح لـ"الخليج أونلاين" أن بكين تعتمد بشكل جذري على النفط المار عبر هذا الممر، مما يجعل اقتصادها عرضة للاهتزاز المباشر مع كل اضطراب، وهو ما دفع القيادة الصينية للدعوة بوضوح لضمان حرية الملاحة وتجنب شلل الأسواق العالمية.
ويرى الشمري أن الصين تدرس حالياً بجدية الاستثمار في ممرات بحرية وطرق بديلة لتقليل الاعتماد الكلي على نقاط الاختناق التقليدية، سعياً لتنويع مصادر الطاقة وتأمين تدفق صادراتها ووارداتها بعيداً عن تقلبات المسارات الجيوسياسية المتوترة.
وأشار إلى أن السعودية تمتلك مقومات استثنائية للتحول إلى مركز لوجستي عالمي، مستفيدة من موقعها الجغرافي الفريد على البحرين الأحمر والعربي، مما يمنح المبادرات الصينية بدائل آمنة تتخطى أزمات المضائق.
ويضيف الشمري أن الموانئ السعودية في جدة وينبع، بالإضافة إلى مشروع الجسر البري وسكة الحديد، تمثل خيارات استراتيجية لا غنى عنها لإعادة توجيه الإمدادات النفطية والتجارية، وهو توجه تدعمه استثمارات صينية ضخمة ضمن مسار "طريق الحرير الرقمي".
ويلفت إلى أن المصالح التجارية الضخمة تدفع بكين نحو تبني دور سياسي وأمني أكبر في المنطقة، حيث بدأت في ممارسة ضغوط دبلوماسية ووساطات بناءة لخفض التصعيد، لإدراكها أن اقتصادها لا يحتمل اضطرابات ملاحية طويلة الأمد.
ويتابع: التوجه الصيني الجديد يمثل تحدياً ناعماً للهيمنة الأمريكية التقليدية، إذ تقدم بكين نفسها كبديل دبلوماسي واقتصادي موثوق، خاصة مع تزايد الحاجة لوجود طرف دولي يوازن بين القوى الإقليمية المتصارعة لضمان الاستقرار.
ويعتقد الشمري أن الموازنة بين العلاقة مع الرياض وطهران تعد التحدي الأكبر للسياسة الخارجية الصينية، حيث تسعى بكين للحفاظ على شراكتها الطاقوية مع إيران، توازياً مع علاقاتها التجارية الأعمق والأكبر مع دول مجلس التعاون.
ويخلص إلى أن اضطرابات هرمز فرضت على الصين إعادة تقييم شاملة لمسارات التجارة العالمية، والبحث عن بدائل أمنية وتقنية جديدة تضمن حماية مصالحها الاقتصادية العليا في ظل مشهد إقليمي يتسم بالتعقيد وعدم اليقين.
وتدفعُ المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة الصين إلى تكثيف تحركاتها السياسية للحفاظ على استقرار الخليج وتجنب أي تعطّل طويل الأمد في مضيق هرمز.
وذكرت وكالة "رويترز"، في 20 أبريل 2026، أن الرئيس الصيني شي جين بينغ، دعا خلال اتصال هاتفي مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام الملاحة، مؤكداً أن استقرار الممر يخدم مصالح دول المنطقة والمجتمع الدولي.
وجاء الاتصال في وقت تصاعدت فيه المخاوف من هشاشة وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، فيما تواصل الصين جهودها السياسية لتجنب تفاقم التوترات التي تهدد أمن الطاقة العالمي.
كما شدد شي جين بينغ، على دعم الصين للحلول السياسية والدبلوماسية ووقف إطلاق النار، مع تأكيده أهمية احترام سيادة دول المنطقة وتعزيز الاستقرار طويل الأمد.
وفي السياق ذاته، كشفت بيانات تتبع السفن من "كبلر" أن اضطرابات هرمز دفعت واردات الصين النفطية للتراجع بنحو 20% على أساس سنوي في أبريل 2026، فيما انخفضت واردات الغاز 13%، مع هبوط مشتريات الغاز المسال إلى أدنى مستوياتها في 8 سنوات.
وترى بكين أن اضطرابات هرمز لا تهدد تدفقات الطاقة فقط، بل تربك أيضاً التخطيط التجاري العالمي وتضغط على أسعار الشحن والتأمين وسلاسل التوريد.
Loading ads...
ومع تزايد هشاشة الممرات البحرية التقليدية، تبدو السعودية بالنسبة للصين نقطة ارتكاز لإعادة هندسة أمن التجارة والطاقة في الخليج.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






