7 أيام
بعد سنوات الحرب.. السوريون أمام صدمات مؤجلة ونقص في العلاج النفسي
الأربعاء، 16 سبتمبر 2026
خلّفت سنوات الحرب في سوريا آثاراً لا تقتصر على الخسائر البشرية والمادية، إذ حمل الناجون معهم تجارب النزوح والفقد وتفكك الأسر والقصف والحصار والاعتقال والتعذيب، إلى جانب سنوات طويلة من الخوف وانعدام الأمان.
ومع دخول السوريين مرحلة جديدة ومحاولة كثير منهم استعادة حياة أكثر استقراراً، تظهر آثار نفسية تراكمت خلال سنوات الحرب، في وقت ما يزال فيه الوصول إلى خدمات الصحة النفسية محدوداً، وسط نقص في الكوادر المتخصصة واستمرار الوصمة الاجتماعية المرتبطة بطلب العلاج النفسي.
وتشير وثيقة المساعدات الإنسانية الأوروبية الخاصة بسوريا لعام 2026 إلى أن واحداً من كل عشرة أشخاص في سوريا يُرجح أن يعيش مع حالة نفسية خفيفة إلى متوسطة، في حين يُرجح أن يعاني واحد من كل 30 شخصاً من حالة أكثر شدة، بينما يحد نقص اختصاصيي الدعم النفسي والاجتماعي من الوصول إلى الخدمات.
يرى استشاري الطب النفسي والمتخصص في الصدمات النفسية والصحة النفسية المجتمعية مأمون مبيض، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن طبيعة المشكلات النفسية التي يواجهها السوريون اليوم تختلف عما كانت عليه خلال السنوات الأولى من الحرب.
ففي السنوات الأولى، كانت الأولوية غالباً للنجاة والتعامل مع الخطر المباشر والخوف والفقد والنزوح والإصابات والقصف، أما اليوم فأصبحت الصورة أكثر تعقيداً، مع اجتماع آثار الصدمات القديمة بضغوط الحياة الراهنة ومحاولات بناء حياة طبيعية بعد سنوات كانت فيها حالة الطوارئ جزءاً من الحياة اليومية.
ويقول مبيض: "في كثير من الحالات نحن أمام تراكم للصدمة أكثر من كوننا أمام صدمات منفردة، وهذا فرق مهم جداً، فقد لا يكون الشخص قد تعرض إلى حدث صادم واحد، بل إلى سلسلة متواصلة من الأحداث، كفقد شخص عزيز، ونزوح وخوف وفقر وانفصال عن الأسرة، ثم فقد آخر أو تجربة جديدة من عدم الأمان".
ويفيد مبيض بأن توقف العنف لا يعني بالضرورة انتهاء آثاره النفسية، لأن الدماغ والنفس البشرية لا يعملان بصورة ميكانيكية، فالسلام الخارجي شرط مهم للتعافي، لكنه ليس كافياً وحده لصناعة السلام الداخلي.
وقد تظهر بعض أعراض الصدمة، بحسب مبيض، بعد سنوات من الحدث، أو تصبح أكثر وضوحاً بعد زوال الخطر المباشر.
ويضيف: "يشعر بعض الناجين بأعراض نفسية عندما يصبحون أخيراً في مكان آمن، وهذا أمر مفهوم نفسياً، ففي أثناء الخطر قد يكون الإنسان في حالة تعبئة مستمرة، وتكون الأولوية للنجاة، وحين يهدأ الخطر الخارجي يتاح للنفس مواجهة ما حدث".
ويلفت إلى ضرورة عدم اعتبار كل ظهور متأخر للأعراض "صدمة متأخرة"، إذ قد تكون الأعراض موجودة منذ البداية من دون أن تظهر بوضوح، ثم يعيد حدث جديد أو تغير في الظروف تنشيط الذكريات والمشاعر المرتبطة بالتجربة السابقة.
وبحسب مبيض، لا يمكن التعامل مع العلاج النفسي باعتباره حلاً منفصلاً عن الظروف التي يعيش فيها الإنسان، فهو لا يستطيع إعادة شخص فقده المريض، أو بيت دُمّر، ولا توفير مصدر رزق لمن فقد عمله أو إصلاح مجتمع تفككت مؤسساته.
ويقول إن الصحة النفسية تحتاج، إلى جانب الرعاية المتخصصة، إلى الأمان والسكن والتعليم والعمل والأسرة والمجتمع والعدالة والشعور بالكرامة ووجود أفق للمستقبل.
ويضيف أن أفضل تدخل نفسي في بعض الحالات قد يكون مساعدة الإنسان على استعادة حياته، بدلاً من مساعدته على الحديث عن ألمه فحسب.
ويرى مبيض أن التعافي يتطلب مقاربة شاملة تشارك فيها وزارات ومؤسسات متعددة، ولا يقتصر على القطاع الصحي وحده.
ويشير إلى أن الجمعية السورية للصحة النفسية "سمح"، التي تأسست عام 2012، أصدرت منذ الساعات الأولى لسقوط النظام عدداً من الكتيبات التوعوية، من بينها مواد تتناول رعاية الصحة النفسية والصدمات النفسية ودور الأسرة في التعافي والدعم النفسي الاجتماعي، وهي متاحة عبر موقع الجمعية.
من جانبه، يقول استشاري الطب النفسي العام والمختص في المعالجة النفسية للأطفال والمراهقين ملهم الحراكي، لموقع تلفزيون سوريا، إن سنوات الحرب تركت آثارها في جيل كامل من الأطفال السوريين الذين عاش كثير منهم من دون استقرار، وتعرض بعضهم للعنف بصور مختلفة، في حين واجه آخرون العنصرية في دول اللجوء أو صعوبات التكيف والتأقلم بعد العودة إلى سوريا.
وتفيد مراجعة نداء منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" لعام 2026، المنشورة في آب الماضي، بأن نحو 2.7 مليون طفل في سوريا خارج المدرسة.
وبحسب الحراكي، تختلف مظاهر الصدمة النفسية لدى الأطفال بحسب أعمارهم، وقد تظهر لدى الأطفال الأصغر سناً في صورة خوف شديد أو رعب أو تعلق أو قلق الانفصال عن الأم أو العودة إلى التبول الليلي، كما قد تظهر على شكل فرط في الحركة وتشتت في الانتباه أو سلوك عدواني ومشكلات في التعلم.
وقد يعاني بعض الأطفال أيضاً تأخراً في جوانب من النمو النفسي والجسدي.
أما بعد سن السابعة، فقد تظهر مشكلات التعلم والاكتئاب وإعادة معايشة التجربة الصادمة، بعضها من خلال ألعاب تحاكي بصورة رمزية ما تعرض له الطفل.
وعند المراهقين، قد تتخذ الأعراض أشكالاً مختلفة، من بينها الاكتئاب والتمرد والكوابيس وإعادة معايشة الحدث، إلى جانب اضطرابات مرتبطة بالانتماء إلى الأسرة والدين والمجتمع السوري.
ويشدد الحراكي على أهمية انتباه الأسرة إلى أي تغير في السلوك الطبيعي للطفل، خصوصاً إذا تكرر يومياً على مدى فترة زمنية، ومن بين العلامات التي ينبغي مراقبتها مشكلات التعلم وبطء الاستجابة والميل إلى العدوانية أو العزلة واضطرابات النوم والشهية.
ويؤكد الحراكي أن الشعور بالأمان جزء لا يتجزأ من معالجة الصدمة، قائلاً إنه من غير الممكن علاج شخص قبل تلبية احتياجاته الأساسية، مثل المأوى والمأكل والمشرب والملبس والمكان الآمن.
وفي ما يتعلق باحتياجات السوريين اليوم في مجال الرعاية النفسية، يرى الحراكي أن أعداد الأطباء النفسيين المرخص لهم بوصف العلاج، إلى جانب المعالجين النفسيين المدربين إكلينيكياً، ما تزال محدودة جداً.
ويشير إلى ضرورة تنظيم عمل الأطباء والمعالجين النفسيين الموجودين في سوريا، وتدريب المختصين في علم النفس إكلينيكياً ومنحهم تراخيص لمزاولة المهنة، موضحاً أنه "حتى الآن لا توجد تراخيص تسمح لهم بالعمل بشكل اعتيادي"، وعزا ذلك إلى عدم توفر مراكز للتدريب الإكلينيكي سابقاً.
كما يشدد على أهمية الإرشاد والتوعية النفسية ومواجهة الوصمة المجتمعية المرتبطة بالأمراض النفسية، إلى جانب ضرورة إطلاق مبادرات على مستوى الدولة والمجتمع، وتأمين أماكن للقاء بين الناس، وتنظيم المجتمع ضمن نقابات وروابط تساعد على التواصل وتبادل المعرفة والمعلومات.
Loading ads...
وبعد سنوات كان فيها البقاء على قيد الحياة أولوية لكثير من السوريين، تظهر اليوم آثار نفسية راكمتها تجارب الحرب والنزوح والفقد وعدم الأمان. ووفق المختصين، لا يرتبط التعافي بالعلاج النفسي وحده، بل باستعادة الأمان والعمل والعلاقات الاجتماعية والشعور بالكرامة ووجود أفق للمستقبل.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

