وضعت بكين -منذ اللحظة الأولى لوصول الرئيس شي جين بينغ إلى واشنطن- إطاراً سياسياً واضحاً لزيارته وقمّته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مبنيا على أن يكون البلدان (الصين والولايات المتحدة) "شريكين لا خصمين".
ففي بيانه المكتوب لدى وصوله إلى قاعدة أندروز، ربط شي بين "النهضة العظيمة للأمة الصينية" وشعار ترمب "جعل أمريكا عظيمة مجدداً" قائلاً إن المسارين يمكن أن يتوازيا ويعزز كل منهما نجاح الآخر بما يعود بالنفع على العالم.
ثم قدّم تعريفاً عملياً لما تسميه بكين "علاقة صينية أمريكية بنّاءة ذات استقرار إستراتيجي" بحيث يكون التعاون هو الغالب، والمنافسة ضمن حدود، والخلافات قابلة للضبط، والسلام قابلا للاستمرار.
وسمة هذا الخطاب أنه يحمل رسالة مزدوجة، فهو يرفض أن تُدار العلاقة باعتبارها اختباراً لتفوق طرف وهزيمة الآخر، لكنه -في ذات الوقت- لا ينفي وجود تنافس عميق بين الطرفين في قضايا مثل الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ والأمن.
جعلت الصحافة الصينية قمّة الرئيسين في صدارة هذا التصور، فافتتاحية "غلوبال تايمز" تصفها بـ"المرساة والبوصلة" للعلاقات الثنائية، على اعتبار أنها تمنع الخلافات الجزئية من قلب المشهد كله، وترسم اتجاه العمل أمام المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية لدى الطرفين.
وترى الصحيفة أن تواصل شي وترمب منذ لقاء مايو/أيار في بكين يساعدهما في النظر إلى العلاقة بمنظور طويل الأجل، بدلاً من ترك الملفات المستجدة تقودها إلى توتر متصاعد.
ولا تكتفي هذه المقاربة بالرهان على العلاقة الشخصية بين الزعيمين، فالصحيفة تشدد على أن أي توافق رئاسي لا يصبح ذا قيمة ما لم يُترجم إلى سياسات وآليات تنفيذ، في إشارة إلى اتصالات اقتصادية وتجارية حول التجارة والاستثمار، واجتماع في إطار اتفاق التشاور العسكري البحري، وتواصل في مكافحة المخدرات وإنفاذ القانون، فضلاً عن استمرار التبادل المحلي والأكاديمي وقطاع الأعمال.
ومن هذا المنطلق، لا تقدّم بكين اللقاء باعتباره باباً لحل شامل للخلافات، ولكن باعتباره أداة هامة لإعادة ترتيب العلاقة بقنوات مفتوحة، وتفاهمات جزئية، وحد أدنى من القدرة على التنبؤ.
تقوم السردية الصينية على "الاستقرار الإستراتيجي البنّاء" وتعرضه وسائل الإعلام الصينية كتحول نوعي في إدارة العلاقة، وليس إحياءً لشعارات قديمة.
فصحيفة "تشاينا ديلي" تنقل عن شي أن هذا الاستقرار يجب ألا يبقى "مجرد شعار" بل يجب أن يتجسد في خطوات مشتركة لتحقيق استقرار إيجابي تكون فيه التعاون أساساً، والمنافسة معتدلة، والخلافات يمكن احتواؤها، والسلام مأمولا.
وتعطي هذه الصيغة الصين هامشاً واسعاً لتثبيت أولوياتها، فهي تقبل التنافس لكنها تشدد على ألا يمس بسيادتها وأمنها وحقها في التنمية، وتدعو في الوقت نفسه إلى التعاون في إطار من الاحترام المتبادل.
وبالمقابل، تضع "غلوبال تايمز" حدوداً صريحة لهذه الصيغة. إذ تؤكد أن الصين تدخل مرحلة تطوير العلاقات "بإخلاص، ولكن بمبدأ" وأن مصالحها في السيادة والأمن والتنمية لا ينبغي المساس بها.
وتحدد الصحيفة 4 "خطوط حمراء" تشمل قضية تايوان، وقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، والمسار والنظام السياسيين، والحق في التنمية، كما تطالب واشنطن بالالتزام بمبدأ الصين الواحدة والبيانات المشتركة الثلاثة.
ولذلك، فإن الشراكة في الخطاب الصيني لا تعني إغفال التباينات، وإنما إدارتها بشكل يمنعها من هدم بنية العلاقة، وتتمثل الرسالة الأوضح في أن التعاون ممكن ومربح، لكن ليس على حساب مصالح الصين في السيادة والأمن والتنمية.
اكتسب استقبال ترمب لشي في قاعدة أندروز أهمية لافتة في التغطية الصينية، لأنه قدّم صورة سياسية مناسبة لهذه السردية.
فقد استقبل ترمب وزوجته ميلانيا الرئيس الصيني وزوجته بنغ لي يوان على أرض المطار، في خطوة وصفتها صحيفة "ذا بيبر" بأنها الأولى من نوعها في قاعدة أندروز منذ استقبال الرئيس جون كينيدي لرئيس الوزراء البريطاني هارولد ماكميلان عام 1962.
وتشير الصحيفة إلى أن العرف الأمريكي يقضي غالباً باستقبال الرؤساء الأجانب عبر نائب الرئيس أو وزير الخارجية أو مسؤولين بروتوكوليين، فيما تُقام مراسم الترحيب الرئاسية في البيت الأبيض. ولذلك قرأت التغطية الصينية كسر ترمب لهذا التقليد بوصفه إشارة إلى ثقل الزيارة وإلى مستوى الاحترام الذي أرادت واشنطن إظهاره للضيف الصيني.
ونقلت صحيفة "ذا بيبر" الصينية عن "وو شين بو" مدير مركز الدراسات الأمريكية في جامعة فودان، قوله إن الخطوة تعكس اهتمام ترمب البالغ بالزيارة، وقد ترتبط أيضاً بحساباته الداخلية قبل انتخابات التجديد النصفي، فضلاً عن تأكيده المتكرر على احترامه لشي وللعلاقة الشخصية بينهما.
لكن رمزية المشهد لا تنفصل عن مفارقة القوة فيه، فالمراسم شملت حرس شرف عسكريا، وتحية مدفعية بـ21 طلقة، وعزف النشيدين الوطنيين، وتحليق قاذفتين من طراز "بي 1" في عرض جوي كجزء من التكريم.
إذ يمكن أن تُقرأ هذه الصورة -في بكين- بوصفها إقراراً بندّية الصين ومكانتها. لكنها في الوقت نفسه تذكير صريح بالقوة العسكرية الأمريكية التي تُحيط بأي محاولة لخفض التوتر، وهذا ما يجعل الاحتفاء البروتوكولي خطوة لبناء مناخ سياسي، وليس دليلاً قائماً بذاته على حل الخلافات الإستراتيجية.
إذا كانت مراسم الاستقبال تمنح القمة رمزيتها، فإن التجارة تمنحها اختبارها العملي الأول. فقد أفادت صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" -بالتزامن مع وصول شي- بأن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أعلن عن تمديد اتفاق أو "هدنة بوسان" التجارية من 10 نوفمبر/تشرين الثاني إلى 10 يناير/كانون الثاني، بعدما كان قد تم تمديده سابقاً في أغسطس/آب.
ورغم أن تمديد هذه الهدنة لا ينهي النزاع التجاري، إلاّ أنه يمثل مؤشراً على رغبة الجانبين في تجنب تصعيد فوري، وهو ما ينسجم مع المنظور الصيني الذي يرى أن الاقتصاد -رغم الاحتكاكات- يظل مجالاً يصعب فيه فك الارتباط الكامل.
وتشير "تشاينا ديلي" إلى أن التجارة الثنائية في السلع ارتفعت 13.7% على أساس سنوي بالربع الثاني من 2026، وأن شركات أمريكية كانت قد أنشأت أكثر من 84 ألف مؤسسة في الصين حتى يوليو/تموز، وهي أرقام تستخدمها الصحيفة لتؤكد أن التشابك الاقتصادي ما زال يفرض منطق التعاون المتبادل.
وتنقل الصحيفة عن شون ستاين رئيس مجلس الأعمال الأمريكي الصيني أن اللقاءات رفيعة المستوى تبني الثقة، وأن بناء الثقة يجعل الملفات الأخرى أسهل معالجة.
وهنا، تبدو الهدنة التجارية أوسع من فكرة تأجيل رسوم أو إجراءات متبادلة، فهي اختبار لكون لغة "الشراكة لا الخصومة" قادرة على إنتاج إجراءات قابلة للقياس.
فالصين تريد تحويل الاستقرار السياسي إلى قابلية للتنبؤ في الأسواق وسلاسل الإمداد والاستثمار، فيما يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة الطرفين على تجاوز الملفات الأشد حساسية، من التكنولوجيا المتقدمة إلى المعادن الحرجة.
لا تحصر الصحافة الصينية نجاح الزيارة في ما تحققه بكين وواشنطن لنفسيهما فقط. ففي خطاب شي، لا يزال المنطق التاريخي للتعايش السلمي قائماً، كما أن رغبة الشعبين في التبادل والصداقة، وتوقعات المجتمع الدولي لعلاقة مستقرة بينهما، لم تتغير.
حيث يضع الرئيس الصيني محادثاته المرتقبة مع ترمب ضمن القضايا التي تخص العلاقة الثنائية والوضع العالمي معاً، واعداً بأن يزيد نجاح الزيارة من رفاه الشعبين وأن يضيف أملاً للسلام العالمي.
وتذهب "غلوبال تايمز" أبعد من ذلك، فتربط تخفيف التوتر بين واشنطن وبكين بالتعافي الاقتصادي العالمي، وتقول إن تهدئة بؤر الأزمات الإقليمية ومعالجة أزمات الحوكمة العالمية تواجه صعوبة بالغة من دون علاقة صينية أمريكية مستقرة وسليمة ومستدامة.
وفي هذا البناء، تتحول القمة إلى اختبار لقدرة القوتين العظميين على تجاوز ما تسميه بكين "منطق المواجهة ذات المحصلة الصفرية" أو "فخ ثوسيديدس" ليس بشكل نظري فقط، بل باعتباره شرطاً لبيئة دولية أكثر قابلية للتنبؤ.
تقرأ الصحافة الصينية قمة ترمب وشي باعتبارها محاولة للانتقال من منطق الخصومة إلى المنافسة المنضبطة، مستخدمة تعبير "شريكين لا خصمين" للتأكيد على أن الشراكة ضرورة في الاقتصاد والاستقرار العالمي والتحديات العابرة للحدود، ولكنها ليست إنكاراً للتنافس على النفوذ والتكنولوجيا والأمن.
وفي الوقت ذاته، تصر بكين على أن هذه الشراكة لا تقوم على التنازلات، فهي تطلب الاحترام المتبادل، وتضع خطوطاً حمراء في ملفات السيادة والتنمية، وتحوّل دبلوماسية القمة والرمزية البروتوكولية والهدنة التجارية إلى مؤشرات على أهمية التفاوض المباشر في إدارة العلاقة.
Loading ads...
ولذلك، فإن نجاح زيارة شي في المنظار الصيني لن يُقاس ببيان ختامي أو بصورة استقبال حافلة، بل بقدرتها على تأسيس قواعد عملية تجعل التنافس قابلاً للإدارة، والتعاون ممكناً، والعالم أقل عرضة لكلفة صدام بين أكبر قوتين فيه.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




