5 أشهر
"فهي الرجاء لناطقٍ بالضّاد".. عن اليوم العالمي للغة العربية
الخميس، 18 ديسمبر 2025
في زمن صار فيه المتعلم محاطاً بوسائل تقنية تسهّل الوصول إلى المعلومة دون جهد، يبقى التمسّك بتراكم الخبرات والثقافات هو الضمانة الحقيقية لبناء ملكة لغوية سليمة، تؤسس للتعبير الصحيح، والانتماء الواعي والعميق للعربية، وعليه فقد بات من الضروري الحفاظ على اللغة العربية، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها اليوم، وذلك من خلال آليات عدة، كالتحدّث و التدوين بها ما أمكن في منصات وسائل التواصل، وتشجيع القراءة، ومحاولة الكتابة حتى ولو لنصوص سهلة بهدف تعزيز حضور لغتنا في حياتنا اليومية، إضافة للاعتزاز بها كجزء أساسي من هويتنا والتحدث بها دون خجل.
الفصحى في مواجهة العامية
تعد الازدواجية في استخدام اللغة من أكبر الصعوبات التي تواجه متحدثي اللغة العربية، فالفرق كبير إلى حد ما بين الفصحى المستخدمة في وسائل الإعلام، الكتب، والمناهج التعليمية، واللهجات العامية المستخدمة في اللغة المحكية لشعوب الدول العربية على اختلافها.
ترى الأكاديمية المتخصصة باللغة العربية سميرة العتيق أن هذا الفرق بين الفصحى واللهجات العامية ينجم عنه مشاكل عدة، يعد أهمها ضعف القدرة على تحدث الفصحى بطلاقة، أو حتى كتابتها كتابة صائبة وخالية من الأخطاء الإملائية والنحوية، في حين أنهم يملكون القدرة على فهمها فقط.
وتضيف العتيق "كما بتنا نلحظ في الآونة الأخيرة هيمنة اللغات الأجنبية في التعليم والعمل، مما يُضعف العلاقة بالعربية لدى الجيل الذي بات يعتبر العربية لغة تقليدية لا تواكب العصر، ويميل للغات أجنبية في التحدّث والكتابة، وهذه مشكلة أخرى تضاف لما سبق".
الذكاء الصنعي وتعلم اللغات
تؤكد العتيق أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لا يُغني عن التفاعل البشري ولا يُنمِّي الذوق كما يفعل السماع والممارسة.
فضمان تعلّم الفصحى نطقاً وكتابةً، يتطلب منّا الجمع بين عدة مصادر لضمان الإتقان الحقيقي. وتُعتبر مخاطبة أهل العربية الثقات من أهمها، فالاحتكاك المباشر مع أهل العربية يُعلّم الإيقاع، النبرة، والذوق، إضافة لفهم السياق والتصحيح المباشر في حال وقوع اللحن.
من جهتها، تشير بنان قولاغاسي، وهي أكاديمية مختصة بعلوم اللغة العربية، إلى أن "النهل من موارد العربية الأصلية مثل القرآن، الحديث، والشعر، من شأنها أن تمنح الدارس للعربية عمقاً لغوياً، وتثري معجمه، وتُحسِّن قدرته على بناء نص، في حين لا تعدو أدوات الذكاء الاصطناعي أن تكون رافداً يستخدمه لتعلم القواعد وأداة مساعدة، لا تملك ما يملكه "الناطق السليم" من ذوق، وحس لغوي".
حين تصنع الخبرات لغتنا وتحميها من اللحن
حين تجتمع الخبرة والوعي الثقافي، يصبح المتحدث حارساً واعياً للغة، لا يكرر الخطأ، ولا يستسهل الترجمة الركيكة أو العامية الدخيلة، بل ينتقي، ويفكّر، ويبدع في إطارٍ أصيل وسليم.
وبحسب العتيق، هناك عوامل عديدة من شأنها أن تخلق متحدثاً عربياً واعياً، لا يكتفي بالسليقة أو الأدوات الحديثة، بل يُتقن لغته بوصفها تراثاً حياً ومعرفة عقلية وسلوكاً ثقافياً.
فإتقان اللغة لا يقتصر على تعلم القواعد فحسب، بل لابد من الممارسة واكتساب الخبرة اللغوية عبر الزمن من خلال التعرّض المتكرر لنماذج سليمة في الخطاب، القراءة، والاستماع.
وتؤكد العتيق أن "المتحدث الخبير يُحسن استخدام التعبير المناسب في المقام المناسب، ويميز تلقائياً بين الصحيح والملحون، لأن خريطة لغوية ناضجة قد تكونت في ذهنه كفيلة بأن ترشده".
وتشدد على تراكم الثقافة اللغوية التي لا تعني فقط المعرفة بالمفردات، بل فهم السياقات التاريخية، الاجتماعية، والدينية التي نشأت فيها تلك المفردات.
وبالتالي، فإن تراكم هذه العوامل السابقة تكون ما يسمى "الذوق اللغوي"، وهو حس داخلي يرشد المتحدث إلى ما يصح وما لا يصح، كما تتيح له استدعاء التراكيب الصحيحة تلقائياً عبر الزمن دون الرجوع في كل مرة إلى القواعد النظرية.
هل يفكك الذكاء الصنعي الارتباط مع العربية؟
يتزايد اليوم الاعتماد على محتوى منتج عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، ولكن ما مدى دقة هذا المحتوى من حيث سلامة اللغة والأسلوب، وهل يمكن أن يغني عن الآلة البشرية في التحرير والتدقيق.
يرى الصحفي محمد الحموي أن هذه حقيقة، فالاعتماد على تقنيات الذكاء الصناعي بات طاغياً، ويقول "لعل رأيي يبدو متطرفاً، فمع إقراري بقدراتها الهائلة إلا أنني أعتبرها الخطر الأكبر على أجيال ستجد نفسها مرتبطة بشكل وثيق بهذه الأدوات، تعتمد عليها حتى في تفاصيل صغيرة، ناهيك عن جيل قادم فك الارتباط مع لغته العربية".
ويضيف الحموي "رغم اعترافي بقدرة الذكاء الصناعي، إلا أنه لا يغني عن البشر على الإطلاق، قد يكتب بحثاً أو مقالاً أو قصيدة، لكنها ستفتقد إلى الروح".
يتفق الصحفي باسل المحمد مع زميله الحموي، ويؤكد أن "الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإنسان في مجال الكتابة والتحرير والتدقيق اللغوي، لأن هذه المجالات فيها حس بشري، ومعاني تعتمد على الذائقة البشرية المرتبطة بالزمان والمكان والأشخاص، فكلمة أحبك على سبيل المثال يختلف توظيفها والمشاعر المرتبطة بها باختلاف الشخص المخاطب، وغير ذلك من المعاني أيضاً، التي لا يُحسن استخدامها وتوجيهها إلا الإنسان".
ويرى المحمد أن أدوات الذكاء الاصطناعي تشكل تهديداً يكرّس السطحية ويضعف خصائص اللغة، ويؤدي إلى تكريس الأخطاء الشائعة التي يتم تداولها دون انتباه.
وفي حديثه عن الإعلام العربي، يرى الصحفي محمد الحموي أن بعضه ما يزال ملتزماً باللغة العربية الفصحى، وهذا مبدأ محترم ونبيل في احترام اللغة العربية ومتحدثيها على مساحة الوطن العربي، كما يراه شكلاً من أشكال الحفاظ على اللغة وأصالتها.
ويضيف الحموي "لا بأس من استخدام اللهجات المحلية في بعض البرامج على ألا تكون نهجاً عاماً متبعاً، وعلى القائمين على وسائل الإعلام أن يعوا أن اللهجات المحلية تبقى محلية ومحدودة، والعربية أكثر جمالاً وتهذيباً وانتشاراً".
بالمقابل، يشدد الصحفي باسل المحمد على أن "للإعلام العربي دور محوري وأساسي في دعم اللغة الفصحى وتعزيزها، من خلال البرامج والأعمال الدرامية التي تستخدم العربية الفصحى المفهومة البعيدة عن التعقيد، وكذلك من خلال البرامج الموجهة للأطفال من أجل ترسيخ الفصحى في سليقتهم".
ويحذّر المحمد من أن استخدام اللهجات المحلية من باب السهولة، يؤدي إلى إضعاف الفصحى، ويؤثر سلباً على السليقة والذائقة اللغوية.
العربية على غير لسان أهلها
تشبه اللغات شعوبها إلى حد بعيد، لأنها ليست وسيلة للتواصل فقط، بل هي مرآة للثقافة، والتاريخ. فللغة روح شعبها، طريقته في التفكير، والتعبير عن المشاعر، فهمه للزمن.
فعندما يتحدث العربية غير الناطقين بها، حتى لو أتقنوا النحو والصرف، غالباً ما نشعر أنهم "ليسوا من أهلها"، لأن للعربية موسيقى معينة، نجدها في القرآن، والشعر، ونطق العربي في التفخيم والترقيق.
والمتحدث غير العربي قد لا يلتقط هذه الإيقاعات، لذا يبدو صوته خارج النَسَق، وذلك بحسب حسين السلطان، وهو أكاديمي ومتخصص في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.
يعتبر السلطان أن الجانب الاجتماعي والثقافي من أهم التحديات في تعليم العربية للناطقين بغيرها، فالخوض في الحياة الاجتماعية والثقافية جزء أساسي في تعلُّم اللغة الثانية، تعلُّمها لا يقتصر على المهارات الأربعة من استماع ومحادثة وقراءة وكتابة؛ بل لا بدّ من معرفة ثقافة اللغة الهدف من عادات وتقاليد، إذ ليس من اليسير تعليم لغة دون التعرض لأسلوب حياة أصحابها وقيمهم واتجاهاتهم وأنماط معيشتهم.
ووفق تجربته من تعليم العربية لغير الناطقين بها، يقول السلطان إن الطالب الأجنبي يواجه عدة مشكلات، أبرزها:
صعوبة التأقلم مع المجتمع العربي وعاداته وتقاليده، والتعرف إلى الحضارة والفكر العربيين.
صعوبة التواصل مع أفراد المجتمع العربي والاندماج مع أبناء اللغة الثانية.
استخدام بعض العبارات في غير سياقها.
تعدد الثقافات داخل الحجرة الدراسية."
ويركز السلطان على دوافع تعليم العربية للناطقين بغيرها، والتي من شأنها أن تساعد في تجاوز التحديات للوصول إلى لغة فصيحة سليمة:
اعتبارات قومية، فاللغة العربية إحدى الوسائل التي ترتكز عليها وحدة الأمة العربية.
اعتبارات دينية، وترتبط بالتراث العربي والديني، فالتدريس باللغات الإقليمية أو اللهجات المحلية سيعيق مع الأيام صلة الفرد بهذا التراث.
اعتبارات تتعلق بنضج اللغة العربية، ووصولها إلى مستوى يمكنها من التعبير عن التطور الحضاري للمجتمعات العربية بحيث تكون على صلة بالتيارات الفكرية العلمية المعاصرة.
اعتبارات فرضتها ظروف الهجرة التي تشهدها البلدان العربية في الوقت الراهن بسبب الواقع السياسي، وحاجة تلك المجموعات المهاجرة إلى تعلم لغتها الأم.
اعتبارات اقتصادية، وتتمثل بالقفزة النوعية التي حققتها بعض الدول العربية في مجال الاقتصاد كالمملكة العربية السعودية وقطر، وضرورة وجود أشخاص من أجل التواصل لتسهيل سبل التبادل فيما بينها.
ويشير السلطان إلى أنه إضافة إلى ما سبق، يندفع الأجانب إلى تعلّم العربية لقضاء حاجات قصيرة المدى، مثل الحصول على وظيفة أو عمل أو سياحة.
"غدر المدى"
يمكن القول إن حماية اللغة لا تنفصل عن حماية الهوية، ولا يُمكن للمتحدث أن يتجنب اللحن أو الخطأ دون أن ينهل من معينها الأصيل ويُلم بثقافة أهلها.
ويبدو أن الشاعر السوري جاك صبري شماس قد تنبه مبكراً إلى الخطورة المحيطة بالعربية وأهلها فطالبهم بالاعتزاز بها، وبغرس ضادها في وجدانهم لضمان حمايتها مما سماه "غدر المدى"، يقول:
لغة حباها الله حرفاً خالداً
فتوضعت عبـقاً على الأكوان
وتلألأت بالضاد تشمخ عـزةً
وتسيل شهداً في فم الأزمان
فاحذر أخي العربي من غـدر المدى
Loading ads...
واغرِس بذور الضاد في الوجدان
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





