شهر واحد
كارثة مائية تتسع في سوريا.. كيف تدفع الآبار غير القانونية البلاد نحو العطش؟
الخميس، 4 يونيو 2026
11:22 ص, الخميس, 4 يونيو 2026 1 دقيقة للقراءة
في وقت تواجه فيه سوريا واحدة من أكثر الأزمات البيئية تعقيداً منذ عقود، تتصاعد التحذيرات من اقتراب البلاد من مرحلة حرجة في ملف الأمن المائي، وسط استمرار الاستنزاف الواسع للمياه الجوفية عبر مئات الآلاف من الآبار غير القانونية المنتشرة في مختلف المحافظات.
وتأتي هذه التحذيرات في ظل تراجع معدلات الهطول المطري خلال السنوات الأخيرة، وارتفاع آثار التغير المناخي، وتدهور البنية المؤسسية المسؤولة عن إدارة الموارد المائية بعد سنوات طويلة من الحرب.
تشير تقديرات منظمات دولية، من بينها منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، إلى أن سوريا تعد من بين الدول الأكثر تعرضاً للإجهاد المائي في منطقة الشرق الأوسط، وهي منطقة تُصنف أصلاً ضمن أكثر مناطق العالم جفافاً.
كما تؤكد تقارير أممية أن نصيب الفرد من المياه العذبة في سوريا شهد تراجعاً حاداً خلال العقدين الماضيين نتيجة النمو السكاني وسوء إدارة الموارد المائية والتغيرات المناخية وتراجع تدفقات الأنهار العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، حذّر الخبير السوري في الموارد المائية والسدود عبد الرزاق العليوي من أن أزمة المياه في سوريا وصلت إلى مرحلة حرجة تهدد الأمن المائي والغذائي للبلاد، داعياً السلطات السورية الجديدة إلى إطلاق خطة وطنية عاجلة لإغلاق مئات الآلاف من الآبار غير القانونية التي استنزفت المخزون الجوفي خلال العقود الماضية، ولا سيما خلال سنوات الحرب، مؤكداً أن هذه الآبار كانت أحد أبرز الأسباب المباشرة في جفاف الينابيع وتراجع منسوب الأنهار واختفاء عدد من المسطحات المائية الطبيعية، وفقا لصحيفة “ذا ناشيونال”.
أوضح العليوي أن التوسع غير المنضبط في حفر الآبار ازداد بصورة غير مسبوقة بعد عام 2011 مع تراجع الرقابة الحكومية وانهيار مؤسسات الإدارة المائية في أجزاء واسعة من البلاد، مشيراً إلى أن أعداد الآبار الفعلية قد تتجاوز بكثير التقديرات الرسمية المتداولة، الأمر الذي أدى إلى استنزاف مستمر للمياه الجوفية التي تمثل المخزون الاستراتيجي الأهم لسوريا في مواجهة مواسم الجفاف والتغيرات المناخية المتسارعة.
ورغم الفيضانات التي شهدها نهر الفرات مؤخراً وما رافقها من أضرار واسعة في الأراضي الزراعية الواقعة بشرق البلاد، فإن هذه الظواهر الموسمية لا تعكس تحسناً مستداماً في الواقع المائي السوري.
وفي هذا الإطار، بيّن العليوي أن الفيضانات الأخيرة لا تعكس تحسناً حقيقياً في الوضع المائي العام، لأن المشكلة الأساسية تكمن في الخلل البنيوي بين معدلات التغذية الطبيعية للمياه الجوفية وبين كميات السحب السنوية منها، مشيراً إلى أن الآبار المنتشرة في مختلف المناطق السورية تستنزف ما يقارب عشرة مليارات متر مكعب سنوياً من المياه المتأتية من الأمطار وذوبان الثلوج، وهي كميات كان يفترض أن تعيد تغذية الأحواض الجوفية السبعة الرئيسية في البلاد.
يزداد خطر هذه الظاهرة في المناطق الشرقية والبادية السورية والجنوب السوري، حيث تعتمد الزراعة والسكان بشكل كبير على المياه الجوفية، حيث لفت العليوي إلى أن هذه المناطق تعد الأكثر تضرراً من ظاهرة الاستنزاف الجوفي، في حين تبقى المنطقة الساحلية الأقل تأثراً نسبياً بفضل معدلات الهطول المطري الأعلى مقارنة ببقية المناطق السورية، مؤكداً أن استمرار هذا الواقع يهدد بتفاقم التصحر وتراجع الإنتاج الزراعي وهجرة السكان من المناطق الريفية إلى المدن الكبرى.
ولا ترتبط الأزمة الراهنة بالحرب وحدها، بل تمتد جذورها إلى عقود سابقة من السياسات الزراعية غير المستدامة، وأشار العليوي إلى أن الأزمة الحالية ليست وليدة سنوات الحرب فقط، بل تعود جذورها إلى ثمانينيات القرن الماضي عندما بدأت ظاهرة الآبار العشوائية بالتوسع تدريجياً، قبل أن تتسارع بصورة أكبر خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، ثم تتحول إلى أزمة واسعة النطاق خلال سنوات النزاع.
وشدد على أن أي استراتيجية حقيقية لإنقاذ قطاع المياه يجب أن تبدأ بضبط استخراج المياه الجوفية وإعادة تنظيم استخداماتها وفق أسس علمية صارمة، مع إعادة تأسيس وزارة مستقلة للموارد المائية تمنح هذا القطاع الحيوي الأولوية اللازمة في السياسات الحكومية.
يبرز جفاف بحيرة مزيريب في محافظة درعا باعتباره أحد أحدث المؤشرات على خطورة الوضع، فقد أوضح العليوي أن البحيرة ترتبط بخزان اليرموك الجوفي المشترك بين سوريا والأردن، وأن الاستنزاف المفرط للمياه الجوفية في الجانب السوري أسهم بشكل مباشر في تراجع موارد المياه المشتركة بين البلدين على مدى سنوات طويلة.
وتكتسب هذه القضية أهمية إضافية بالنظر إلى أن الأردن يُصنف بين أفقر دول العالم مائياً، ما يجعل أي تراجع في الموارد المشتركة عاملاً مؤثراً في العلاقات المائية بين البلدين.
وتتقاطع هذه الأزمة مع أبعاد اقتصادية واجتماعية أعمق، فبحسب تقارير برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة، ساهم الجفاف الحاد الذي ضرب شمال شرق سوريا بين عامي 2006 و2010 في انهيار إنتاج المحاصيل الزراعية ونفوق أعداد كبيرة من الثروة الحيوانية، الأمر الذي دفع مئات آلاف السكان إلى النزوح من الأرياف نحو المدن.
أكد العليوي أن استنزاف المياه الجوفية في شرق البلاد كان من العوامل التي أسهمت في تراجع غلال المحاصيل الاستراتيجية وزيادة الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي سبقت اندلاع الاحتجاجات عام 2011.
وفي مواجهة هذه التحديات، دعا العليوي إلى مراجعة شاملة للسياسات الزراعية والدعم الحكومي المقدم للمزارعين، بما يشجع على التوسع في زراعة المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه والأعلى قيمة اقتصادية، مثل الزيتون والفستق الحلبي وبعض الأشجار المثمرة، بدلاً من المحاصيل الشرهة للمياه وفي مقدمتها القطن، مشدداً بالمقابل على أهمية الحفاظ على دعم إنتاج القمح باعتباره محصولاً استراتيجياً يرتبط بالأمن الغذائي الوطني.
وختم العليوي بالتأكيد على أن سوريا ما زالت تمتلك مقومات استعادة توازنها المائي إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية العلمية طويلة الأمد، معتبراً أن إنقاذ الموارد المائية لم يعد خياراً تنموياً فحسب، بل أصبح شرطاً أساسياً لاستقرار الاقتصاد وإعادة الإعمار وضمان بقاء المجتمعات المحلية في مناطقها.
Loading ads...
وقال إن سوريا قادرة على استعادة جزء كبير من مواردها الطبيعية وتحويل التحديات البيئية إلى فرص تنموية، لكن ذلك يتطلب استراتيجية وطنية متكاملة تضع إدارة المياه في صدارة أولويات المرحلة المقبلة، محذراً من أن استمرار استنزاف المياه الجوفية بالمعدلات الحالية قد يحول أزمة المياه من تحدٍ تنموي إلى تهديد وجودي يمس مستقبل الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

