32 دقائق
من ذكرى الثورة إلى دعوة التعبئة.. كيف عاد 26 سبتمبر إلى قلب الصراع اليمني؟
السبت، 26 سبتمبر 2026

أُضيئت شعلة الذكرى الرابعة والستين لثورة 26 سبتمبر في مأرب، بالتزامن مع تصاعد المواجهات في اليمن
تحولت الذكرى الـ64 لثورة 26 سبتمبر إلى ساحة جديدة للصراع اليمني، بين دعوة رشاد العليمي إلى التعبئة والعفو، ورواية الحوثيين التي تربطها بـ21 سبتمبر، فيما تعود الحرب إلى جبهات تعز ومأرب والساحل الغربي.
الشعلة واحدة.. لكن معنى 26 سبتمبر لم يعد واحدًا في اليمن.
لم تكن الشعلة التي أُضيئت في تعز ومأرب مساء الجمعة طقسًا سنويًا يستعيد حدثًا من تاريخ اليمن الحديث. فالمدينتان أحيتا الذكرى الرابعة والستين لثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962، فيما تدور على جبهاتهما ومحيطهما مواجهات متصاعدة بين القوات الحكومية وجماعة أنصار الله (الحوثيين).
وفي الليلة نفسها، تحولت المناسبة من الاحتفال بالثورة إلى دعوة سياسية وعسكرية للحاضر. فقد دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي اليمنيين إلى "التعبئة العامة والنفير الوطني"، والالتفاف حول القوات المسلحة والأمن والالتحاق بهما عبر القنوات الرسمية. وأعلن، في الوقت نفسه، فتح باب العودة أمام من يتركون الحوثيين ويتوقفون عن القتال أو العمل لصالحهم، على أن يشملهم عفو يصدر لاحقًا وفق الإجراءات الدستورية والقانونية.
لكن المشهد لم يقتصر على مناطق الحكومة. ففي صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أُضيئت أيضًا شعلة 26 سبتمبر وأقيم احتفال رسمي شارك فيه مئات الكشافة.
ظاهريًا، كانت المناسبة واحدة، لكن الخطاب الذي أحاط بها كشف عن خلاف أعمق: لم يعد الصراع متعلقًا فقط بمن يحتفل بالثورة، وإنما أيضًا بمن يحدد معناها وما الذي تمثله اليوم
قبل 64 عامًا، أنهى تحرك عسكري في صنعاء حكم الإمام محمد البدر بعد أيام من توليه السلطة، وأُعلنت الجمهورية العربية اليمنية في شمال اليمن. لكن الثورة لم تنه الصراع فورًا، إذ تحولت البلاد إلى حرب بين الجمهوريين والملكيين، دخلت فيها مصر إلى جانب الجمهوريين، فيما دعمت السعودية القوى الملكية.
تلك الخلفية جعلت 26 سبتمبر يتجاوز، في الذاكرة السياسية اليمنية، كونه ذكرى تغيير في رأس السلطة. فقد ارتبط بقيام النظام الجمهوري، وهو المعنى الذي تستحضره الحكومة المعترف بها دوليًا اليوم حين تربط مواجهتها مع الحوثيين بـ"الدفاع عن الجمهورية" واستعادة مؤسسات الدولة.
غير أن الذكرى الحالية تأتي في ظرف مختلف عن السنوات الماضية. ففي مطلع سبتمبر/أيلول، اتسع القتال في غرب تعز وعلى الساحل الغربي، قبل أن يسيطر الحوثيون على مدينة المخا في 10 سبتمبر. وقال المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ أمام مجلس الأمن يومها إن الخطر الذي سبق أن حذر منه، والمتمثل في العودة إلى صراع واسع، تحول إلى "واقع قاس"، مشيرًا إلى امتداد القتال إلى جبهات متعددة.
ثم توسعت المواجهات إلى مناطق في مأرب ولحج والجوف والبيضاء، بالتوازي مع عمليات مضادة للقوات الحكومية. وبحلول 22 سبتمبر، قالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن أكثر من 130 ألف شخص اضطروا إلى النزوح خلال الشهر بفعل التصعيد.
ازدادت الحمولة السياسية للذكرى منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء في 21 سبتمبر 2014. فالجماعة تحيي ذلك التاريخ بوصفه "ثورة 21 سبتمبر"، فيما تعدّه الحكومة استيلاءً بالقوة على مؤسسات الدولة.
وفي الذكرى الثانية عشرة للحدث هذا العام، قدّم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي 21 سبتمبر باعتباره محطة حققت، وفق روايته، "الحرية والاستقلال" وأنهت ما وصفه بالوصاية الخارجية على اليمن قبل عام 2014. وهذه رواية سياسية تختلف جذريًا عن قراءة خصوم الجماعة لما جرى في ذلك العام.
لكن التطور اللافت هذا العام أن سلطات صنعاء لم تتجاهل 26 سبتمبر. فقد نظمت وزارة الشباب والرياضة التابعة لها مساء الجمعة احتفالًا في ميدان التحرير، رُفع خلاله العلم اليمني وأُضيئت شعلة الثورة. ثم جاء التفسير السياسي للمناسبة، إذ قال مسؤولون في الحفل إن مسار ثورة 1962 "انحرف" لاحقًا، وإن 21 سبتمبر 2014 جاء، وفق تعبيرهم، ليكون "الامتداد الحقيقي والتصحيح الجذري" لمسارها.
هنا يصبح الخلاف أكثر دقة من ثنائية "26 سبتمبر في مواجهة 21 سبتمبر". فسلطات صنعاء تحاول إدخال التاريخين في سردية واحدة تجعل الثاني استكمالًا للأول، فيما تستخدم الحكومة ذكرى 1962 لتأكيد قطيعة بين النظام الجمهوري وما تعتبره عودة إلى نموذج الحكم السابق على الثورة.
هذه المفارقة تصبح أوضح عند الانتقال من الاحتفال الرسمي في صنعاء إلى الاحتفالات الشعبية المستقلة.
فقد وثقت هيومن رايتس ووتش في 2024 ثم في 2025 اعتقالات طالت يمنيين بسبب إحياء ذكرى 26 سبتمبر أو نشر محتوى عنها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأكدت منظمة العفو الدولية هذا الأسبوع أن المحامي عبد المجيد صبرة لا يزال معتقلًا منذ 25 سبتمبر 2025، وقالت إن اعتقاله جاء ضمن نمط أوسع من احتجاز أشخاص على خلفية إحياء المناسبة سلميًا.
أما هذا العام، فقد تحدثت تقارير صحفية عن أكثر من 30 شخصًا في ذمار بعدما وضعوا شعار ذكرى الثورة على صور حساباتهم في تطبيق واتساب، كما أشارت إلى تشديد أمني لمنع تجمعات غير مرخصة. ولا يتوفر حتى الآن توثيق مستقل مماثل من منظمة دولية لهذه الاعتقالات الأخيرة.
وهكذا يظهر خط فاصل بين احتفال رسمي يسمح بإعادة تفسير الثورة داخل خطاب السلطة القائمة في صنعاء، واحتفال مستقل يمكن أن يحمل دلالة سياسية مختلفة.
بقيت ذكرى 26 سبتمبر حاضرة في الفضاء العام اليمني، لكنها أصبحت خلال سنوات الحرب موضع تنازع على دلالتها السياسية
في الجهة المقابلة، حاول خطاب العليمي نقل هذا الرصيد الرمزي إلى الميدان مباشرة.
فدعوة "التعبئة العامة" لم تأت وحدها. فقد طلب رئيس مجلس القيادة الالتحاق بالقوات المسلحة والأمن عبر القنوات الرسمية، وربط ذلك بالدفاع عن "الجمهورية ومؤسساتها"، كما طلب من الدول الداعمة للحكومة والتحالف بقيادة السعودية مواصلة مساندتها. وفي خطابه الكامل، وضع استعادة مؤسسات الدولة والوصول إلى صنعاء ضمن الهدف السياسي والعسكري للحكومة.
وتزامنت الدعوة مع تطورات تجاوزت حدود اليمن. فقد عاد الحوثيون خلال سبتمبر إلى مهاجمة أهداف داخل السعودية، فيما اكتسب تقدمهم على الساحل الغربي أهمية إضافية بسبب قربه من باب المندب. وكانت الأمم المتحدة قد حذرت من أن هذا التقدم زاد هشاشة الوضع حول أحد أهم الممرات البحرية الدولية.
لذلك يستخدم خطاب الحكومة 26 سبتمبر في مستويين متداخلين: داخليًا، لربط التعبئة العسكرية بفكرة استعادة مؤسسات الجمهورية؛ وخارجيًا، لربط المعركة بأمن البحر الأحمر والملاحة الإقليمية. وهذه هي النقلة الأساسية التي تجعل ذكرى 2026 مختلفة عن إحياء المناسبة بوصفها حدثًا تاريخيًا فحسب.
جاءت ذكرى 26 سبتمبر هذا العام فيما عادت جبهات تعز ومأرب والساحل الغربي إلى واجهة المواجهات
وفي مقابل زيادة عدد المقاتلين في صفوف الحكومة، تضمّن خطاب العليمي محاولة لدفع الاتجاه المعاكس داخل صفوف الحوثيين.
فقد أعلن أن كل من يترك الجماعة ويتوقف عن القتال أو العمل لصالحها بدءًا من عشية 26 سبتمبر سيكون مشمولًا بعفو يصدر لاحقًا، مع تعهد بتسوية أوضاع منتسبي الجيش والأمن بما يحفظ حقوقهم الوظيفية المكتسبة قانونًا. وحتى الآن، يظل ذلك إعلانًا سياسيًا ينتظر صدور الإطار القانوني الذي تحدث عنه الخطاب نفسه.
يكشف الجمع بين دعوة إلى الالتحاق وعرض للخروج من صفوف الخصم عن وظيفة جديدة للمناسبة في الخطاب الرسمي: بدل أن تكون يومًا لتأكيد الموقف من التاريخ، أصبحت أداة في إدارة الصراع الجاري.
بعد 64 عامًا، لم يعد حضور 26 سبتمبر في الحرب اليمنية قائمًا فقط على التشابه بين صراع الجمهورية والملكية في الستينيات والصراع الحالي، فالفوارق التاريخية والسياسية بين المرحلتين كبيرة. لكن المناسبة اكتسبت أهميتها الراهنة لأن أطراف الصراع تستخدمها للإجابة عن سؤال الدولة وشرعيتها وطبيعة النظام السياسي.
فالحكومة تربطها باستعادة مؤسسات الدولة وبالتعبئة ضد الحوثيين. وسلطات صنعاء تحتفي بها رسميًا، لكنها تعيد قراءتها من خلال 21 سبتمبر وتقدمه باعتباره تصحيحًا لمسارها. وبين الروايتين، تكشف الاعتقالات المرتبطة ببعض الاحتفالات المستقلة أن النزاع لا يقف عند كتب التاريخ أو الخطب الرسمية.
لهذا عاد 26 سبتمبر إلى قلب الصراع اليمني في 2026. فالشعلة التي أُضيئت في مأرب وتعز وصنعاء حملت التاريخ نفسه، لكن المعنى الذي أُعطي لها اختلف باختلاف المكان والسلطة التي أوقدتها.
Loading ads...
مع عودة الحرب الواسعة إلى الجبهات، أصبح التنافس على الثورة جزءًا من التنافس على شكل الدولة التي ستخرج من الحرب.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





