ما إن حطت الكاتبة أجاثا كريستي (1890-1976) رحالها في سوريا، رفقة زوجها عالم الآثار الإنكليزيّ ماكس مالوان (1904-1978)، حتى تغير نمط الكاتبة المشهورة وصاحبة الروايات الأكثر مبيعاً؛ إذا تبلغ مبيعات رواياتها ذات الطابع البوليسي أكثر من ملياري نسخة حول العالم، وبعدة لغات.
ألّفت كريستي أكثر من 90 كتاباً، بين رواية بوليسية وعاطفية وأدب رحلات ومذكّرات، احتلت مبيعاتها المرتبة الثالثة بعد شكسبير والكتاب المقدّس، بحسب "موسوعة غينيس للأرقام القياسيّة".
عندما قدمت إلى سوريا، اتسمت كتابات كريستي بالواقعية على خلاف أعمالها السابقة، وإن كتبت جزءاً من روايتها الشهيرة "جريمة في قطار الشرق السريع" في فندق بارون بحلب في الغرفة رقم (213)، إلا أنها كثفت بواقعيّتها في كتابها عن سوريا "تعال قل لي".
نشرت كريستي مذكراتها لأوّل مرّة عام 1946، بعنوان "تعال قل لي كيف تعيش: مذكرات في سوريا والعراق"، فيما نشر مالوان مذكراته بعنوان "مذكرات مالوان: عالم الآثار وزوج أجاثا كريستي"، والتي ترجمها سمير عبد الرحيم الچلبي، وصدرت عن دار "الجمل" عام 1977.
الترجمة العربية لمذكرات كريستي، حملت عنوان "هكذا عشت في سوريا"، صورت فيها طبيعة الحياة الاجتماعية في الجزيرة السورية ورصدت غضب العمال وحب النساء والفرق بين النساء العربيات والكرديات، مقدّمة بذلك وثائق اجتماعية تعكس لنا الكثير من الحياة الاجتماعية في الجزيرة السورية في ثلاثينات القرن الماضي، حين زارت الجزيرة السورية بين عامي (1935-1937) بحكم عمل زوجها عالم الآثار المشهور الذي نقب بأكثر من مكان في سوريا والعراق.
زارت كريستي، المولودة في مدينة توركاي جنوب غربي إنكلترا، من أب أميركيّ وأم إنكليزيّة، الجزيرة السوريّة، على مرحلتين بين عامي 1935-1937 وبقيت فيها لعدّة شهور، سجّلت خلالها عدّة ملاحظات وانطباعات عن المناطق التي سكنتها أو مرّت بها، ورصدت شكل الحياة التي يعيشها سكّان المنطقة، وطريقة تفكيرهم ونظرتهم إلى الحياة، وعلاقة الرجال بالنساء، كاشفة عن الاختلاف في العادات والتقاليد بحسب الاختلاف العرقيّ والدينيّ لدى مكوّنات المجتمع السوريّ.
زارت مدن القامشلي والحسكة ودير الزور والرقّة وحمص وحلب، وبلدات مثل عامودا ورأس العين وعين عروس وشاغر بازار، بالإضافة إلى تلال أثرية مثل تل حلف وتل طويل وتل عجاجة وتل رمّان وتلّ براك؛ فضلاً عن تدمر التي خصّتها كريستي بمقاطع أخاذة من حيث الوصف الطبيعي والإنصاف التاريخي، إذ وصفت زيارتها لتدمر قائلة: "ها نحن في تدمر! تدمر الحلم، والفتنة الخبيئة التي تتدفق بدون إنذار، ثم تزكم الأنف قبل أن تخطف البصر. إنها ساحرة وعجائبية ومدهشة، ولها كلّ ما للحلم من خصائص الحمّى والتوهج والحرّية. لم يكن في وسعي أن أحدّد علاقتي النهائية بتدمر، باستثناء أنها الحلم، والحلم في رؤيته الأولى فقط".
"إنني أعشق ذلك البلد الخصب المعطاء، وأعشق أهله الطيبين الذين يعرفون كيف يضحكون وكيف يستمتعون بالحياة، والذين يعيشون في غبطة، ويمتلكون الكثير من الكرامة والاعتزاز والعادات الراقية"
من يقرأ الكتاب يجد أنها تسخر من النظرة الاستشراقية من مستشرقين ورجال دين وسياح أوروبيين حول نظرتهم المسبقة عن سوريا وكأنها بالنسبة لهم قطعة من التاريخ التوراتي فقط وليست مستقلة بذاتها ولها امتداد تاريخي بين حقب تاريخية متواترة وما التاريخ الكنعاني إلا جزء من تاريخ سوريا. كما تمدح سلوك المجتمعات السورية بوصفها لبعض الشخصيات كشخصيّة حمودي "البدوي السوري" الذي تطلق عليه كريستي صفة "المفاوض البارع والأركيولوجي الساخر".
حمل كتابها الكثير من الحنان والشوق وحب العودة إلى سوريا بعد أن غادرتها، إذ تصف السوريين والمناخ والطبيعة بقولها: "مبهج أن أتذكّر أنّ هضبة أزهار القطيفة التي زرعتها قرب بيتنا في شاغر بازار، تزهر في هذه اللحظة بالذات (…) إنني أعشق ذلك البلد الخصب المعطاء، وأعشق أهله الطيبين الذين يعرفون كيف يضحكون وكيف يستمتعون بالحياة، والذين يعيشون في غبطة، ويمتلكون الكثير من الكرامة والاعتزاز والعادات الراقية، مثلما يمتلكون الحسّ الاستثنائي بالنكتة والمرح، ولا ترهبهم فكرة الموت. وإن شاء الله سأذهب إلى هناك من جديد، راجية ألا تكون الأشياء التي أحببتها قد اندثرت على تلك الأرض".
تأخذنا كريستي برحلتها إلى سوريا من لحظة توضيب الحقائب في لندن مع زوجها الذي عانى كما تصف من الوزن الزائد ليس للأمتعة بل للكتب والمراجع الذي يود أخذها معه إلى سوريا، ونسافر معها من محطّة قطارات فيكتوريا اللندنيّة، بوابة البريطانيّين إلى العالم، متجهين إلى بيروت ومن ثم المدن السورية.
وتخبرنا أيضاً عن بعض تفاصيل حياتها الشخصية مثل شراء تماثيل أثرية من سوق مدينة عامودا في محافظة الحسكة السورية، وإهداء تلك التماثيل الصغيرة للمتحف البريطاني.
يحتوي كتابها في القسم السوريّ منه على عشرة فصول، وضعتها في كتال حمل عنوان "هكذا عشت في سوريا..."، وغطّت فيه مساحات جغرافيّة موزّعة على فترات زمنيّة متقطّعة ربطت بينها بأسلوب السرد المباشر، وفيها تروي تفاصيل تجوالها وإقامتها في الجزيرة السوريّة في المرحلة الأولى من نشوء الدولة السوريّة التي كانت تتشكّل في ظلّ الانتداب الفرنسيّ.
وفي حين كان زوجها ينقّب في كل من موقع "شاغربازار" الأثريّ في منطقة عامودا جنوب مدينة القامشلي، و"تل براك" شمال شرقي الحسكة، و"تل أبيض" في شمال محافظة الرقة؛ كانت كريستي تنقب وترصد لنا حياة أجدادنا في ذات المواقع.
Loading ads...
رصدت الحياة حينذاك بكل تفاصيلها، الحلوة والمرة، واستعرضت صفات الناس مع ذكر أحداث مرت بها مع العمال من كل الملل والنحل السورية، عرب وكرد وأرمن، والفرق بين عاداتهم وقصص من همومهم ونظرتهم للعالم، ما فرض على أجاثا كريستي، أعظم كاتبة بوليسية، أن تكتب بواقعية عن بلد خياله واقع، وواقعه وتاريخه أقرب إلى الخيال.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





