خلال حياته القصيرة التي امتدت من 1958 إلى 2009، وصل مغني البوب الأميركي مايكل جاكسون إلى القمة، حرفياً، من خلال شعبية وأرقام مبيعات قياسية لم يصل إليها، ولم يحلم بها، أحد من قبله، قبل أن يبدأ كل هذا في الانهيار بسرعة، مخلفاً وراءه حطام إنسان، ليموت، كما ظهر فجأة، حرفياً كنجم يحترق، قبل أن يكمل عامه الواحد والخمسين.
يكتفي فيلم Michael، للمخرج أنطوان فيوكوا، بتقديم ما يقرب من 20 عاماً من هذه الحياة، من اكتشاف موهبته الفذة في سن الثامنة، وحتى وصوله إلى ذروة المجد قبل أن يبلغ الثلاثين، يبدأ الفيلم في 1966، مع قيام والده جوزيف جاكسون بتأسيس فرقة موسيقية منزلية "جاكسون 5"، تضم أبناءه ومنهم مايكل، الذي سرعان ما يصبح مغني الفرقة الرئيسي ونجمها، وينتهي في 1988، مع تحوله إلى أشهر وأنجح وأغنى مغني في العالم، متجاهلاً الـ 20 عاماً الأخيرة من حياته، التي توالت فيها الكوارث على الطفل الأبدي، من مرضه الجلدي إلى اتهامات التحرش إلى إدمان المسكنات وصولاً إلى موته الصادم.
الفيلم نفسه، مثل مايكل، سعيد الحظ مع المال والشعبية تعيس في حياته الشخصية وملاحق بالكوارث، بداية من مشاكل الإنتاج، التي لاحقته وأدت إلى تغيير السيناريو وتعديل المونتاج أكثر من مرة، بناءً على طلب الورثة أو تجنباً للملاحقة القضائية من قبل خصوم مايكل جاكسون الذين اتهموه بالتحرش، وحتى آراء النقاد السلبية في الفيلم.
مع ذلك يحقق الفيلم أرقاماً قياسية بالنسبة لفيلم سيرة، تجاوزت الـ200 مليون دولار خلال أيام قليلة، ومن المتوقع أن تتخطى ايراداته المليار دولار، ورغم أن الجمهور والنقاد كثيراً ما يختلفون في تقييمهم للأعمال الفنية، إلا أن الانقسام الحادث حالياً حول فيلم Michael يكاد يكون غير مسبوق، وعلى موقع Rotten Tomatoes مثلاً تصل نسبة الجمهور الذي أحب الفيلم إلى 97%، بينما تبلغ نسبة النقاد الذين منحوه تقييمات إيجابية إلى 38% فقط!
هذا التناقض الذي قد يبدو غريباً يمكن فهمه مع مشاهدة الفيلم مع الجمهور، حيث تتحول القاعات على أيدي وأقدام وخصور المشاهدين (من الكبار الذين عايشوا زمن مايكل جاكسون، وحتى جيل ألفا الذي تعرف عليه وعشقه من خلال المنصات الموسيقية الحديثة) إلى قاعات غناء ورقص أكثر منها قاعة سينما، وهو جمهور لا يشغل باله (حتى لو لاحظها) بالعيوب الدرامية والفنية التي يعاني منها الفيلم.
مع المشاهد الأولى من Michael، التي يقوم فيها الأب (كولمان ديمنجو) بضرب الطفل مايكل (جوليانو كرو فلادي) لكي يركز أكثر في التدريب، تذكرت فيلم "الست" لمروان حامد، الذي أثار عواصف من الجدل بسبب تصويره لوالد وشقيق أم كلثوم بطريقة لا تروق لبعض الورثة ومعجبيها المتشددين.
من ناحية يصور Michael الأب بطريقة لا يجرؤ فيلم أو مسلسل عربي على تقديمها في سيرة أحد الفنانين (ربما كان مسلسل "أسمهان" للمخرج شوقي الماجري، 2015 هو الوحيد الذي حاول كسر هذه القاعدة بالتجرؤ قليلاً على خدش الصورة المثالية للأخ الأكبر فؤاد الأطرش).
بناء فيلم Michael بالكامل على تلك العلاقة المسممة التي ربطت مايكل جاكسون بأبيه، والتي يعتبرها الفيلم سبباً في كل متاعبه، بداية بمشاكله النفسية كطفل معنف وحتى الحريق الذي كاد أن يودي بحياته وتسبب في تدمير أجزاء من فروة رأسه والألياف العصبية بسبب قسوة الأب ثم طمعه واصراره على استغلال الابن في جولات واعلانات.
ولكن من ناحية ثانية، وباستثناء صورة الأب الذي يقدم كشرير ومسخ الفيلم المرعب، بأداء وحضور دومينجو الهائل، فإن كل من وما في الفيلم يقدم من خلال فلتر معقم وبناء فيلم سيرة دعائي ومدرسي، معتمد من الورثة سواء العائلة أو المسئولين عن ميراث وبيزنس "الفقيد".
من بين أفلام ودراما سير المشاهير يمكن القول أن سير المغنيين والموسيقيين تكاد أن تمثل نوعاً فنياً ثانوياً sub- genre ذا خصائص بنيوية وفنية مميزة.
وخلال السنوات الأخيرة ظهرت عشرات الأفلام التي تتناول سير مشاهير الغناء، خاصة بعد النجاح الأسطوري الذي حققه فيلم La Vie en Rose (إخراج أوليفييه داهان 2008) الذي يتناول سيرة المغنية الفرنسية إديث بياف، ثم بعد النجاح المماثل الذي حققه فيلم Bohemian Rhapsody (برايان سينجر 2018) الذي يروي حياة فريدي ميركوري وفرقة Queen.
ومن أشهر هذه الأعمال أفلام عن الفيس بريسلي، بوب ديلان، بوب مارلي، بيلي هوليداي، أريثا فرانكلين، بروس سبيرنجستين ومغنية الأوبرا الأكثر شعبية ماريا كالاس وغيرها، بعضها أفضل من الأخرى، أكثر أو أقل درامية، أو جرأة، أو التزاماً بالسردية الرسمية أو العائلية للمشاهير.
ولكن كلها تعكس إشكالية تتعلق بأفلام السيرة عامةً وسير المغنيين الشعبيين خاصةً، وهي التناقض بين الحالة الاحتفائية، الاحتفالية، بهؤلاء الموسيقيين المحبوبين، حيث تحتوي هذه الأعمال على مساحات من الغناء والاستعراضات الممتعة للجمهور، وقصص صنع هذه الروائع ومحاولة سبر أسرار العبقرية الفنية لأصحابها، في الوقت الذي يتعين فيه التعرض لأسرار الحياة الشخصية والجوانب النفسية التي غالباً ما تكون مظلمة أو مشوهة لهؤلاء الفنانين!
يعاني فيلم Michael من هذه الإشكالية بطريقة صارخة: فهو يقدم نخبة من الروائع الموسيقية لمايكل جاكسون تكاد أن تجعل منه فيديو كليب يزيد عن ساعتين لأشهر أعماله، من بداياته مع "جاكسون 5"، مروراً بألبومه المنفرد Off The Wall، 1979، ثم Thriller، 1982، الذي أصبح أنجح ألبوم غنائي "سينجل"على مر التاريخ.
ويدعم من هذه الحالة الاحتفالية للفيلم الاستعانة بجعفر جاكسون، ابن شقيق مايكل، للعب شخصيته بعد البلوغ، فبجانب شبهه الكبير بعمه فهو أيضاً راقص ممتاز (بالرغم من محدودية حضوره ومهارته كممثل)، ومن المعروف أن صوت مايكل جاكسون لا يمكن فصله عن مهاراته وأسلوبه المميز في الرقص، والإثنان معاً قد غيرا وجه الموسيقى الشعبية منذ ثمانينيات القرن الماضي وإلى الآن، حتى بالنسبة للذين لم يسمعوا أو يشاهدوا مايكل جاكسون.
هذه الشعبية الهائلة، تلك الحمى التي أصابت الجيل المعاصر لمايكل جاكسون وانتقلت إلى الأجيال التالية، تخطت حدود المكان والزمان والعرق والجنسية، وربما أحد أمثلتها البسيطة الفيلم المصري "شيخ جاكسون" (عمرو سلامة، 2017) الذي جسد فيه أحمد الفيشاوي شخصية شاب متطرف دينياً لا يمكنه مقاومة عشقه لمايكل جاكسون وأغانيه ورقصاته!
يؤكد الفيلم على هذه الحالة مراراً وتكراراً عبر ما يعرف بلقطة رد الفعل: هذا التكنيك الذي اكتشفته هوليوود منذ مئة عام وبنت عليه "نظام النجوم"، كما يبين كتاب "خفايا نظام النجم الأميركي" لبول وارن، الذي ترجمه للعربية حليم طوسون، الهيئة العامة للكتاب، والفكرة الأساسية وراء هذا التكنيك تعتمد على أن الجمهور عادة ما يتماهى مع شعور الشخص الذي تصوره الكاميرا وهو يحدق، ومن ثم كثرة استخدام لقطات لشخصيات المحبين والمعجبين بالنجمة أو النجم بطلا الفيلم، خاصة إذا كانا من نجوم الاستعراض والغناء، وهم في حالة افتتان واعجاب، مما ينتقل للجمهور بالتبعية.
يعتمد Michael على هذا التكنيك كعنصر أساسي، من خلال الاستخدام المفرط للقطات رد فعل المعجبين والمعجبات بموهبة مايكل جاكسون، من مديري الاستوديوهات ومساعده الشخصي ومحاميه ومدير أعماله، وحتى الفتيات اللواتي يصبن بالاغماء الجماعي بتأثير سحر موسيقاه وايقاعاتها وحضوره على المسرح.
بالرغم من نجاح هذا التكنيك في زيادة جرعة الافتتان والتجاوب لدى جمهور الفيلم مع الأغاني الكثيرة التي تشغل مساحة هائلة من زمن الفيلم، وتعرض كاملة غالباً، لضمان التأثير، إلا أنه من ناحية ثانية يعوق الدراما (أي الصراع والأزمة) ومع تحاشي الفيلم للحكايات المحرمة في سيرة مايكل جاكسون، سواء على طلب الورثة أو تجنباً للمشاكل القضائية، فإن الفيلم يبدو نحيلاً درامياً وفنياً للغاية.
مع ذلك، فحتى وراء هذا النحول تتبدى قصة إنسانية محزنة، لطفل أنعم عليه القدر بموهبة لا تتكرر، ومعها قدر مماثل من اللعنات: من مشاكل نفسية أدت إلى مرض جلدي مزمن وتشوهات عاطفية جعلته شديد الحساسية تجاه الأطفال المرضى والمهمشين، وربما تكون جعلته منحرفاً أو على الأقل جعلته يبدو كذلك.
ومن أفضل خطوط الفيلم تعلق مايكل جاكسون بقصص جزيرة Neverland وبطلها الطفل الذي لا يكبر أبداً بيتر بان، والذي تماهى معه الطفل ثم البالغ مايكل لدرجة أنه أطلق اسم "نيفرلاند" على قصره المنيف الذي ملأه بالحيوانات وجعله معزولاُ عن العالم كجزيرة، وهي جزيرة نفسية من الوحدة وعدم القدرة على النضج اللذين عاش ومات فيهما ملك البوب متوجاً وشريداً.
Loading ads...
ويبدو أن صناع الفيلم كانوا يدركون أنهم ضيعوا فرصة لعمل فيلم عظيم ، غالباً على غير رغبتهم، لذلك أنهوا عملهم بعبارة تقول "وتستمر القصة" على أمل أن يصنعوا جزءاً ثانياً أكثر قوة وجرأة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه



