5 أشهر
مستقبل حركة حماس بين التحوّل السياسي والضغط الدولي والإقليمي
السبت، 13 ديسمبر 2025
مع اقتراب ذكرى تأسيس حركة حماس في منتصف ديسمبر، وبعد عامين على الحرب الأشد قسوة التي عرفها قطاع غزة في تاريخه الحديث، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام لحظة سياسية تتقاطع فيها الذاكرة مع الواقع، وتتداخل فيها أسئلة البدايات مع استحقاقات المرحلة. وفي قلب هذه اللحظة تقف الحركة التي شكّلت منذ تأسيسها فاعلًا مركزيًا في الصراع وفي الوعي الفلسطيني أمام منعطف يستحق قراءة هادئة ، قراءة توازن بين ما راكمته من قوة وبين ما يفرضه الزمن من ضرورات.
وفي سياق دولي يتغير بسرعة، لم يعد الحديث عن مستقبل الحركة قائمًا على موقعها الوطني والإقليمي فقط، بل على كيفية تموضعها داخل منظومة دولية تعيد تعريف علاقتها بالقضية الفلسطينية ككل.
أولًا: تحوّل في البيئة الدولية… وخريطة علاقات جديدة
لم يعد العالم اليوم كما كان فالنظام الدولي يعيش حالة سيولة عميقة:
• صعود الصين وتزايد حضورها في الشرق الأوسط،
• عودة روسيا لاعبًا في ملفات المنطقة،
• محاولة واشنطن إعادة بناء تحالفاتها التقليدية،
• ومدى قدرة حضور الفاعلين غير الدوليين في إدارة ملفات الاستقرار.
هذه المتغيرات تؤثر مباشرة على موقع القضية الفلسطينية، وعلى حركة حماس تحديدًا، التي باتت جزءًا من النقاش الدولي حول أمن المنطقة، وممرات الطاقة، وتوازن القوى في شرق المتوسط.
ولعلّ أهم ملامح هذه المرحلة أن: الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى غزة باعتبارها ملفًا إنسانيًا أو أمنيًا فقط، بل باعتبارها مساحة اختبار لشكل النظام الإقليمي الذي تعمل على إعادة ترتيبه.
ولهذا، جاء انخراط واشنطن المباشر في صياغة ترتيبات “اليوم التالي” في غزة، وربط أي دعم إنساني أو سياسي بإعادة هيكلة منظومة الحكم، باعتباره جزءًا من هندسة أوسع للمنطقة لا يمكن تجاهلها.
أما أوروبا التي تتعامل مع حماس بمنظور قانوني صارم فتنظر اليوم إلى الحركة من زاوية الاستقرار الإقليمي، خطر الهجرة، وأمن المتوسط.
وبين واشنطن وبروكسل، تتشكّل صورة دولية تجعل الحركة مطالبة بفهم أعمق لكيفية التعاطي مع هذه المنظومة.
ثانيًا: الإقليم… من الاحتضان النسبي إلى الحذر المحسوب
بخصوص البيئة الإقليمية، فقد أصبحت أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للمناورة:
• الدول العربية تنظر إلى حماس بوصفها “حقيقة سياسية واجتماعية” في غزة، لكنها تتعامل معها ضمن سياق الحفاظ على الاستقرار، لا الاصطفاف الأيديولوجي.
• المحور الإيراني، رغم ثبات دعمه، تحكمه اليوم حسابات إقليمية دقيقة، تجعل دعمه جزءًا من منظومة مصالحه الواسعة.
• تركيا وقطر تتحركان بمنطق البراغماتية الإقليمية، التي توازن بين علاقاتهما الدولية ودورهما في الملف الفلسطيني.
هذا لا يعني تغيراً في البيئة الاستراتيجية التي تحيط بالحركة فقط، بل يعني أيضاً أن المعادلات التي حكمت علاقتها بالإقليم خلال العقد الماضي لم تعد صالحة كما هي.
ثالثًا: بنية الحركة.. تنوّع في المقاربات
شهدت حماس خلال السنوات الأخيرة انتقالاً في مركز ثقلها نحو الداخل، ظهر بوضوح بعد الحرب. هذا التحول عزّز حضور الحركة ميدانيًا، لكنه جعل من الضروري إعادة ضبط العلاقة بين الداخل والخارج، ليس بسبب تناقض، بل بسبب اختلاف الأدوار:
• الداخل محكوم بضرورات الصمود وحماية الناس.
• الخارج محكوم بقراءة الإقليم والعالم وبناء العلاقات.
هذا التنوّع في المقاربات أمر طبيعي في الحركات الكبيرة، لكنه يتطلب آلية مؤسسية لاستيعابه، كي تبقى الحركة موحدة الاتجاه، وقادرة على اتخاذ قرار جماعي لا يتأثر بثقل الجغرافيا أو ظرف اللحظة.
رابعًا: سلاح المقاومة.. من سؤال النزع إلى سؤال الإدارة
يُعدّ مستقبل القوة العسكرية للحركة من أكثر الملفات تعقيدًا في المرحلة المقبلة.
فالدول الكبرى مدفوعة بنقاشات الأمن والاستقرار تضع هذا الملف في صدارة أي ترتيب، بينما ترى الحركة أن قوتها العسكرية جزء من هوية المقاومة ومن منظومة الردع الفلسطينية.
لكن بين هذين الموقفين توجد مساحة حوارية يمكن البناء عليها:
إدارة السلاح ضمن معادلة وطنية مشتركة، بدل تركه موضوعًا للنقاش الدولي أو محور الضغط السياسي.
هذا ليس تنازلًا، ولا انتزاعًا لحق المقاومة، بل محاولة لجعل القوة جزءًا من رؤية سياسية، وليس مجرد وظيفة تنظيمية.
خامسًا: غزة.. من إدارة الواقع إلى إعادة تعريف العلاقة مع الناس
الحرب تركت جرحًا عميقًا في المجتمع الغزّي، وألقت على عاتق الحركة مسؤوليات إنسانية واجتماعية هائلة، لا يمكن تجاهل أثرها على بنية العلاقة بين الحركة والناس.
وهنا، لا يتعلق الأمر بشرعية سياسية أو شعبية فقط ، بل بشرعية أخلاقية نابعة من مفهوم المسؤولية تجاه المجتمع.
إن إعادة بناء هذه العلاقة بما تحمله من ألم وأمل قد تكون البوابة نحو صياغة عقد اجتماعي جديد، يخفف الأعباء، ويوسّع المشاركة، ويعيد للفلسطينيين إحساسهم بأنهم شركاء في القرار والمستقبل.
سادسًا: النظام السياسي الفلسطيني.. الأزمة التي تتحول إلى فرصة
بين أزمة شرعية السلطة، وأزمة الاعتراف التي تواجهها الحركة، يتشكل فراغ سياسي لا يمكن ملؤه إلا عبر عملية إعادة بناء شاملة للنظام السياسي الفلسطيني.
هذه العملية إن تمت ستفتح بابًا واسعًا أمام الحركة:
• للمشاركة
• والتأثير
• وصياغة رؤية وطنية جامعة
دون أن تكون الحركة مضطرة للتخلي عن هويتها أو مشروعها الوطني.
إن الانخراط في حكومة موحدة أو إدارة انتقالية لغزة ليس تنازلًا، بل قد يكون خطوة نحو استعادة التمثيل الفلسطيني الجامع.
سابعًا: التحديات البنيوية… وحدود القوة
تواجه الحركة تحديات لا تخصها وحدها، بل تطول كل الفاعلين الفلسطينيين:
• تشدد النظام الدولي تجاه الفصائل المسلحة.
• الضغوط الإنسانية في غزة.
• تباين المقاربات داخل الحركة.
• تراجع الدعم الإقليمي.
• غياب بعض القيادات وصعود جيل جديد يحمل رؤى مختلفة.
هذه التحديات ليست حكمًا على مستقبل الحركة، بل إطارًا يجب أن تبني داخله خياراتها.
ثامنًا: الفرص.. حين يأتي الضوء من وسط العتمة
ورغم كل الصعوبات، لا تزال أمام الحركة فرص واسعة:
• شرعية جماهيرية لمفهوم المقاومة ممتدة.
• قدرة على تطوير خطابها (كما في وثيقة 2017).
• اهتزاز الساحة الإسرائيلية وعمق أزمتها.
• إدراك عربي ودولي بأن تجاوز الحركة صعب في أي تصور لمستقبل غزة.
السيناريوهات المحتملة
1. التحول السياسي البراغماتي (الأرجح دوليًا وإقليميًا)
مشاركة سياسية أوسع، وانفتاح محسوب، وربط القوة العسكرية برؤية وطنية.
النتيجة: تعزيز مكانة الحركة والحفاظ عليها داخليًا وخارجيًا.
2. سيناريو الانغلاق
هيمنة المقاربة العسكرية، ورفض الشراكات.
النتيجة: عزلة دولية وضغط مضاعف على غزة والحركة.
3. سيناريو التهميش الخارجي
ولوج أطراف دولية إلى الملف الفلسطيني وفرض إدارة انتقالية على غزة.
النتيجة: بقاء الحركة كاسم وعنوان ، مع تقليص دورها السياسي.
خاتمة: بين سؤال الحركة وسؤال القضية
في ذكرى تأسيس حماس، لا يبدو السؤال مقتصرًا على الحركة فقط، بل على المشروع الوطني كله.
فالحركة التي شكّلت في مسارها الطويل أحد أعمدة المقاومة الفلسطينية، تجد نفسها اليوم أمام معادلة جديدة:
كيف تحافظ على دورها التاريخي، وتتكيف في الوقت ذاته مع نظام دولي لا يشبه زمن التأسيس؟
إن القدرة على التحول دون التفريط، وعلى الانفتاح دون الذوبان، وعلى المشاركة دون فقدان الهوية، هي ما سيحدد ليس مستقبل الحركة فحسب، بل مستقبل القضية الفلسطينية كلها.
وربما تكون ذكرى التأسيس هذا العام فرصة لا للاحتفال فقط، بل لإعادة طرح السؤال الأكبر:
كيف يمكن أن تنتصر القضية، لا كيف يبقى التنظيم فقط ؟
Loading ads...
وفي هذا، تمتلك الحركة من الرصيد الشعبي والتاريخي ما يجعلها في قلب الإجابة، لا خارجها.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

فينيسيوس لا يصلح قائد لريال مدريد
منذ ثانية واحدة
0




