ساعة واحدة
وعد بوظيفة ينتهي على الجبهة: كيف يُستدرَج الباحثون عن عمل إلى الحرب في روسيا؟
الأربعاء، 4 نوفمبر 2026

إعلان لمركز تجنيد تابع لوزارة الدفاع الروسية في موسكو، 1 فبراير/ شباط 2026 - غيتي
وعود بوظائف مدنية تنتهي بعقود عسكرية في روسيا. كيف تعمل شبكات الاستدراج، ومتى يصبح التجنيد اتجارًا بالبشر، وما حقوق المجندين وعائلاتهم؟
كيف يستدرج باحثون عن عمل إلى حرب روسيا؟
تقدّم رجل من جنوب إفريقيا عبر الإنترنت إلى وظيفة سائق في بولندا. تلقّى تعليمات من وسيط عبر "واتساب" بالسفر إلى موسكو لاستلام شاحنة وقيادتها إلى بولندا، لكن رحلته اتخذت مسارًا آخر. فبحسب شهادة زوجته التي نقلتها "منظّمة العفو الدولية"، صودرت مقتنياته عند وصوله، وأُبلغ بأنه لن يذهب إلى بولندا وأنه سيصبح جنديًا.[1]
تكشف هذه القصة عن وجه من وجوه تجنيد الأجانب في الحروب، حيث يبدأ المسار من إعلان توظيف أو وعد بمردود مالي أو إقامة، وقد ينتهي بعقد عسكري أو بالانتقال إلى الجبهة. وبين لحظة الموافقة على السفر ولحظة حمل السلاح، تتعدد الجهات والضغوط والوعود.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2026، وصل جانب من هذا الملف إلى المحكمة العليا الهندية. ووفق تقرير قدّمته وزارة الخارجية الهندية للمحكمة، أُفيد بالتحاق نحو 267 هنديًا بالقوات المسلحة الروسية، سُرّح 139 منهم، وأُبلغ عن وفاة 51، فيما تابعت السلطات مصير 77 آخرين، بينهم سبعة أكدت السلطات الروسية أنهم مفقودون. وأمرت المحكمة بتسهيل مطالبات أسر القتلى بالتعويضات، بعدما تبيّن أن عددًا محدودًا منها تقدّم بطلبات.[2]
لا تعمل هذه العمليات عبر قناة واحدة، إذ رصد "المرصد الإفريقي للديمقراطية الرقمية" شبكة من الوسطاء المحليين ووكالات السفر والحسابات على منصات التواصل الاجتماعي تروّج لعروض عمل في الحراسة والقيادة والبناء، مع وعود برواتب مرتفعة أو بالحصول على الجنسية الروسية. وتستهدف بعض هذه الشبكات أشخاصًا يواجهون ظروفًا اقتصادية صعبة، فيما تشمل أساليب التجنيد كذلك استغلال هشاشة الوضع القانوني لبعض الأجانب المقيمين في روسيا، عبر التهديد بالترحيل أو الضغط لتوقيع عقود عسكرية باللغة الروسية دون شرح شروطها بصورة كافية.[3]
وهذا ما ورد أيضًا في تقرير "منظّمة العفو الدولية" التي وثّقت استغلال أوضاع أشخاص تجاوزوا مدة إقامتهم، وآخرين وُجّهت إليهم اتهامات جنائية وعُرضت عليهم الخدمة العسكرية بديلًا من الاحتجاز أو الترحيل أو استكمال العقوبة.[4]
وفي سبتمبر/ أيلول 2026، عرضت صحيفة "إل باييس" نتائج تحقيق لـ"كود فور أفريكا" تتبّع عشرات المواقع الإلكترونية وحسابات التواصل وقنوات المراسلة المستخدمة في استقطاب المرشحين. وحدّد التحقيق أربع علامات أو واجهات رئيسية تعمل في هذا المجال، مع إعلانات تُكيَّف بلغات الجمهور المستهدف وتعرض وظائف مدنية في البناء أو الأمن، دون أن تفصح في البداية عن الصلة بالخدمة القتالية.[5]
وفي فبراير/ شباط 2026، عُرض مضمون تقرير استخباراتي على البرلمان في كينيا، أفاد بأن أكثر من ألف كيني جُنّدوا للقتال إلى جانب روسيا. وتحدّث التقرير عن تورّط وكالات توظيف وموظفين ومسارات سفر بتأشيرات سياحية. في المقابل، نفت السفارة الروسية في نيروبي أن تكون السلطات الروسية شاركت في تجنيد غير قانوني، رغم أنها أكدت إمكان التحاق الأجانب بالقوات المسلحة طوعًا وفق القانون الروسي.[6]
كما يمتد الإشكال إلى وظائف لا تتضمن القتال المباشر. ففي تحقيق منشور في 2024 استند إلى شهادات ووثائق وصور أقمار اصطناعية، كشفت وكالة "أسوشيتد برس" أن شابات إفريقيات جرى اجتذابهن بوعود مرتبطة بالعمل والتدريب في روسيا، ثم وجدن أنفسهن يعملن على إنتاج مسيّرات عسكرية في منطقة ألابوغا.[7]
من وعد الوظيفة إلى الجبهة - قالب توضيحي
تندرج تجارب مختلفة تحت التسمية العامة "المقاتلون الأجانب". هناك من يقصد الجيش عن علم، ومن يختار وظيفة دعم عسكري بناءً على تطمينات بأنه لن يشارك في القتال، ومن ينتظر وظيفة مدنية أصلًا. كما أن الحاجة المالية قد تدفع أشخاصًا إلى قبول مخاطر يعرفونها، دون أن يجعلهم ذلك تلقائيًا ضحايا اتجار بالبشر.
ويظهر هذا التباين في الملف الهندي نفسه. فبحسب تقرير الخارجية إلى المحكمة، ذهب بعض المواطنين إلى روسيا أملًا في مكافآت ومزايا مالية، وعاد بعض الذين أُعيدوا إلى الهند للالتحاق بالقوات الروسية مجددًا. لكن التقرير القضائي يتناول كذلك التماسًا قدّمته عائلات تتّهم جهات بالتضليل والاتجار بالبشر. [8]
ووفقًا لـ"مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة"، لا يكفي أن يكون الشخص قد وافق على السفر أو وقّع عقد عمل لنفي احتمال وقوعه ضحية اتجار بالبشر. فالموافقة لا يُعتَدّ بها قانونيًا إذا استُخدمت وسائل مثل الخداع أو الإكراه أو استغلال حالة الضعف بهدف الاستغلال، حتى لو كان الشخص قد وافق في البداية على عرض العمل. وفي المقابل، فإن ظروف العمل الاستغلالية وحدها لا تكفي لإثبات جريمة الاتجار بالبالغين، بل يجب النظر أيضًا في كيفية استقدام الشخص والوسائل المستخدمة ضده، بحسب ظروف كل حالة.[9]
وقد خلصت "منظّمة العفو الدولية" إلى أن عددًا كبيرًا من الممارسات الموثّقة يرقى إلى الاتجار بالبشر، استنادًا إلى مقابلات مع أجانب محتجزين في معسكرَين لأسرى الحرب في أوكرانيا بين عامَي 2024 و2026 وإلى اتصالات مع أفراد يخدمون في القوات الروسية وعائلات ومحامين وحقوقيين وصحافيين.[10]
توقيع العقد لا يحسم الموافقة - قالب توضيحي
من جهتها، تؤكد موسكو أن للأجانب مسارًا قانونيًا للانضمام إلى جيشها. ففي مؤتمر صحافي مشترك في موسكو في مارس/ آذار 2026، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن الكينيين وقّعوا عقود الخدمة طوعًا. وأعلن نظيره الكيني موساليا مودافادي التوصل إلى اتفاق يمنع التحاق كينيين جدد عبر وزارة الدفاع الروسية، مع تنظيم مساعدة قنصلية للموجودين هناك.[11] ولا يثبت هذا الإعلان بذاته أن جميع العقود السابقة خلت من التضليل، إذ تبقى ظروف التجنيد في كل حالة محل تحقق.
ولا تتوقف مسألة الموافقة عند توقيع العقد، بل تمتد إلى القدرة على إنهاء الخدمة. فبموجب مرسوم التعبئة الجزئية الصادر في روسيا في سبتمبر/ أيلول 2022، تستمر عقود الخدمة العسكرية حتى انتهاء فترة التعبئة، مع حصر إمكان التسريح بأسباب محددة. [12] وبذلك، قد يجد المجنّد نفسه ملزمًا بالخدمة حتى بعد انقضاء المدة المحددة في عقده.
وتضيف شهادات جمعها موقع "ميدوزا" الروسي طبقة أخرى من التعقيد، حيث كشف تقرير نشره في مايو/ أيار 2025 عن نشوء سوق سوداء في روسيا، يدفع فيها بعض الجنود والمطلوبين للتجنيد مبالغ طائلة لتجنّب المشاركة في الحرب، عبر رشاوى لضباط وأطباء ووسطاء، أو تزوير تقارير طبية تتيح لهم الإعفاء من الخدمة. ويوثّق التحقيق حالات لجنود تعمّدوا إصابة أنفسهم هربًا من الجبهة، في ظل صعوبة الانسحاب من الخدمة العسكرية.[13] وفي حين لا تسمح هذه الشهادات بتعميم تجربة واحدة على كل أفراد الجيش، فإنها تبرز أن التفاوت بين وعود الدخل وواقع السيطرة داخل المؤسسة العسكرية قد يطاول المواطنين الروس أيضًا.
لا تنتهي آثار التجنيد عند جبهة القتال. ففي كينيا، خرجت عائلات إلى البرلمان مطالبةً بمعرفة مصير أقاربها وإعادتهم ومحاسبة الوسطاء الذين استقدموهم.[14] وفي غانا، أعلن وزير الخارجية في فبراير/ شباط 2026 أن بلاده أُبلغت بأن 272 مواطنًا يُعتَقد أنهم استُدرجوا إلى القتال منذ عام 2022، وأن نحو 55 منهم قُتلوا وأن اثنين وقعا في الأسر.[15]
عائلات كينية تطالب بكشف مصير أقاربها الذين جُنّدوا للقتال في روسيا، نيروبي، 5 مارس/ آذار 2026 - غيتي
ويزداد خطر الالتباس حين يوصَف جميع المقاتلين الأجانب بأنهم "مرتزقة". فاللجنة الدولية للصليب الأحمر توضح أن الجنسية الأجنبية وحدها لا تجعل المقاتل مرتزقًا بالمعنى القانوني، إذ إن من ينضم إلى القوات المسلحة لدولة مشاركة في النزاع يتمتّع، عند أسره، بوضع أسير الحرب وفق الشروط المقررة في القانون الدولي الإنساني. وتشمل الحماية المعاملة الإنسانية والتواصل مع العائلة وعدم تعريض الأسرى لفضول الجمهور. وحتى عندما يُثار خلاف حول الوضع القانوني لمحتجز، لا تسقط عنه الضمانات الإنسانية الأساسية.[16]
ويظهر العبء الممتد على العائلات في الملف الهندي أيضًا. فقد لاحظت المحكمة العليا أن مطالبات التعويض شملت ست عائلات فقط رغم الإبلاغ عن 51 وفاة، داعيةً إلى إعلان عام ومساعدة الأهالي في تقديم الملفات. كما عرض محامي العائلات صعوبات إجرائية، بينها مطالبات بالسفر إلى روسيا وفتح حسابات مصرفية هناك.[17]
لا تتوقف آثار الاستقدام إذًا عند سلامة المجنّد، بل تطاول حق أسرته في المعرفة والوصول إلى المستحقات والإنصاف.
من جانبها، تتعامل كييف مع تجنيد الأجانب في الجيش الروسي بوصفه امتدادًا لحملة الاستقطاب التي تشنّها موسكو خارج حدودها. ففي فبراير/ شباط 2026، قال وزير الخارجية الأوكراني أندري سيبيها إن بيانات بلاده تشير إلى وجود أكثر من 1780 إفريقيًا من 36 دولة يقاتلون في الجيش الروسي.[18]
غير أن أوكرانيا نفسها تتيح للأجانب الالتحاق بقواتها عبر مسار تجنيد معلن يشمل التدقيق في المرشحين والفحص الطبي ثم توقيع عقد خدمة، حيث يمكن أن يخدم المقبولون في ألوية قتالية مختلفة. وتوضح وزارة الدفاع الأوكرانية أن إنهاء العقد طوعًا أثناء الأحكام العرفية لا يتاح إلا بعد ستة أشهر من الخدمة المتواصلة.[19]
لكن لماذا قد ينضم مقاتلون أجانب إلى حرب لا علاقة لهم بها؟ حلّلت دراسة نُشرت إلكترونيًا عام 2024، وصدرت ضمن عدد المجلة لعام 2026، الدوافع المعلنة لـ296 مقاتلًا أجنبيًا مؤيدًا لأوكرانيا، فوجدت أن التعاطف والإيثار والشعور بالواجب الأخلاقي برزت لدى مقاتلين غربيين، فيما ظهرت دوافع أيديولوجية وجيوسياسية لدى مقاتلين من دول الاتحاد السوفييتي السابق.[20] وهي أسباب ظهرت أيضًا في شهادات أخرى لمقاتلين من اليابان[21] وألمانيا[22] والولايات المتحدة[23] اختاروا التطوع للقتال أو دعم المجهود الحربي الأوكراني.
من جهة أخرى، يحضر تحسين الدخل حافزًا في شهادات أخرى، حيث وثّقت "أسوشيتد برس" عام 2024 انتقال عسكريين كولومبيين سابقين إلى أوكرانيا، ونقلت عن مدرب عسكري كولومبي مقارنة بين دخل لا يتجاوز نحو 600 دولار شهريًا لجندي محترف ذي خبرة في بلاده، ورواتب قال إنها تبلغ ثلاثة إلى أربعة آلاف دولار في أوكرانيا.[24]
غير أن الصحافة الأوكرانية نفسها تكشف مشكلات تتعلّق بحقوق هؤلاء. فبحسب تحقيق نشرته صحيفة "أوكراينسكا برافدا" في سبتمبر/ أيلول 2026، تلقّى مكتب مفوّضة حماية حقوق العسكريين أكثر من 300 شكوى من أجانب بين 27 يناير/ كانون الثاني و1 أغسطس/ آب 2026 عن إشكاليات ترتبط بغياب وثائق إثبات الخدمة، وعدم توفير الرعاية الطبية أو التجهيزات المناسبة، بالإضافة إلى صعوبات واجهتها عائلات مفقودين وقتلى في تلقّي الإخطارات الرسمية والحصول على الوثائق اللازمة للمستحقات المالية.[25]
وتوجد اتهامات أخطر تتعلّق بالعنف والإكراه، حيث نشرت صحيفة "كييف إندبندنت" تحقيقًا عن وفاة مجنّد برازيلي في ديسمبر/ كانون الأول 2025 في مقر وحدة يقودها برازيليون وتعمل ضمن تشكيلات الاستخبارات العسكرية الأوكرانية. وروى أعضاء سابقون وقائع ضرب وحرق وإيهام بالغرق واعتداءات جنسية وحجز جوازات سفر وتهديد أشخاص حاولوا المغادرة. ونقل التحقيق عن الخارجية البرازيلية أن المجنّد راسل قنصليته قبل وفاته بأيام، مشتكيًا من سوء المعاملة ومصادرة جوازه. وأفادت الصحيفة بأن السلطات الأوكرانية فتحت تحقيقًا، وأن الاستخبارات العسكرية أعلنت إجراء تحقيق داخلي في الوحدة.[26]
لا تنحصر شبكات نقل المقاتلين في الحرب الروسية - الأوكرانية. ففي أبريل/ نيسان 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على خمسة أفراد وكيانات قالت إنهم شاركوا في شبكة لتجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ونقلهم للقتال إلى جانب "قوات الدعم السريع" في السودان. ووصف البيان دور شركات توظيف ووسطاء في إبرام العقود وتحويل الأموال وإخفاء الصلات بين الجهات المعنية.[27] ومع أن هذه العقوبات لا تحسم ظروف تجنيد كل فرد، فإنها تقدّم مثالًا على مساءلة الجهات التي تنظّم انتقال المقاتلين وتموّله، بوصفها أحد أوجه الحد من الاستغلال، بدلًا من تحميل الباحثين عن عمل وحدهم مسؤولية تجنّب الوقوع فيه.
Loading ads...
وتكشف الحالات التي تناولها المقال عن مسارات مختلفة تقود إلى الجبهة: شخص يقصد الخدمة العسكرية مدركًا طبيعتها، وآخر يقبل عرضًا لعمل مدني ثم يجد نفسه في حرب، وثالث تُستغَل هشاشة إقامته أو حاجته إلى الدخل للضغط عليه. وهذه الفروق أساسية لفهم مقدار الحرية الذي يملكه كل منهم في اتخاذ قراره، دون أن يلغي القبول بالخدمة حقه في الحماية من العنف والاستغلال.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





