41 دقائق
من أستراليا إلى أوروبا.. لماذا تتسع القيود على النظارات الذكية؟
السبت، 19 سبتمبر 2026

انضمت أستراليا إلى الجدل الواسع في العديد من دول العالم بشأن استخدام النظارات الذكية المزودة بكاميرات في الأماكن العامة والرسمية، حيث بدأت مؤخرا دراسة حظر استخدامها داخل أماكن العمل والمباني الحكومية الفدرالية، بسبب قدرتها على تصوير الأشخاص وتسجيل الأصوات والمعلومات بطريقة يصعب ملاحظتها مقارنة بالهواتف التقليدية.
ويأتي التحرك الأسترالي في وقت بدأت فيه دول ومؤسسات أخرى، بينها كندا والنرويج والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، فرض قيود على هذه الأجهزة في مواقع محددة، بينما تدرس جهات أوروبية تشديد الضوابط عليها.
وطلبت وزيرة الخدمة العامة الأسترالية كاتي غالاغر من لجنة الخدمة العامة تقديم المشورة بشأن إمكان منع النظارات القادرة على التسجيل داخل أماكن العمل الحكومية، إلى جانب تحديد الاستثناءات التي قد تكون ضرورية.
ولا يتعلق المقترح الأسترالي في الوقت الحالي بحظر استيراد هذه الأجهزة إلى البلاد، وهو ما أكدته الحكومة عند طرح إصلاحات جديدة لقوانين الخصوصية في أغسطس/آب الماضي.
لا تتحرك أستراليا في فراغ تنظيمي، فقد بدأت دول ومؤسسات مختلفة بالفعل في التعامل مع النظارات الذكية باعتبارها فئة جديدة من الأجهزة التي قد تحتاج إلى قواعد خاصة.
ففي كندا، فرضت وزارة الدفاع قيودا على استخدام النظارات المزودة بقدرات التسجيل والاتصال داخل بعض مواقع العمل التابعة للقوات المسلحة، وتحظر حاليا هذه الأجهزة في مناطق العمليات والمناطق الأمنية وعالية الأمن، حتى إذا أكد المستخدم أنها متوقفة أو مضبوطة على وضع الطيران.
كما منعت السلطات استخدامها في مواقع التدريب الصيفي لطلاب الكشافة العسكرية الكندية بسبب مخاطر تسجيل الأشخاص أو المعلومات الحساسة دون علمهم.
وفي إنجلترا وويلز، قررت هيئة المحاكم والخدمات القضائية منع إدخال نظارات ميتا إلى مباني المحاكم، مع مصادرتها عند الدخول وإعادتها إلى أصحابها عند المغادرة، ويستند القرار إلى القيود القائمة أصلا على تصوير إجراءات المحاكم، لكنه يعكس أيضا صعوبة تطبيق هذه القواعد على جهاز يمكن أن يسجل دون أن يلفت انتباه الموجودين إليه.
أما في الولايات المتحدة، فقد سبقت محاكم نيويورك الخطوة البريطانية، إذ منعت دخول النظارات الذكية إلى منشآت النظام القضائي بهدف منع تسجيل إجراءات المحاكم بصورة سرية.
وفي النرويج، أعلنت مدينة أوسلو في سبتمبر/أيلول الحالي منع النظارات الذكية في المدارس طوال اليوم الدراسي وعلى مختلف المراحل، في خطوة تركز على حماية خصوصية الطلاب ومنع تصويرهم أو جمع بيانات عنهم دون علمهم.
ولا يقتصر الأمر على الحكومات المركزية، ففي أستراليا نفسها بدأت مجالس محلية، من بينها بريزبن وكانتربيري-بانكستاون، فرض قيود على استخدام النظارات الذكية في أماكن مثل المسابح والمرافق العامة، بينما تبحث أديلايد إمكانية فرض قيود مماثلة في الحدائق والمكتبات وقاعات الاجتماعات.
المشكلة الأساسية التي تثيرها هذه الأجهزة لا ترتبط بوجود الكاميرا وحده، فالهواتف الذكية تستطيع التصوير منذ سنوات، وإنما بطريقة دمج الكاميرا والميكروفونات داخل جهاز يبدو ظاهريا مثل نظارة عادية.
فبدلا من رفع الهاتف وتوجيهه نحو الشخص المراد تصويره، يستطيع مستخدم النظارة التقاط الصور أو الفيديو من خلال النظر أو الأوامر الصوتية، وهذا يجعل اكتشاف التسجيل أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأشخاص المحيطين به.
وتزداد حساسية الأمر داخل المؤسسات الحكومية والمحاكم والمدارس وأماكن العمل، حيث يمكن أن تظهر أمام الكاميرا وثائق داخلية، وشاشات حاسوب، ومحادثات خاصة، أو بيانات شخصية لأشخاص يتعاملون مع المؤسسة.
وتشير هيئة السلامة الإلكترونية الأسترالية إلى أن النظارات الذكية قد تحتاج إلى ضوابط تصميمية، بينها مؤشرات واضحة للتسجيل، وطمس وجوه الأشخاص، وتعطيل التسجيل عندما لا تكون النظارة قيد الارتداء، إضافة إلى تأخير البث المباشر ومراجعته.
في ألمانيا، وصل الجدل إلى مستوى قانوني أكثر مباشرة. فقد تقدمت منظمة الحقوق الرقمية بشكوى جنائية ضد شركة ميتا وشركات مرتبطة بنظاراتها الذكية، بحجة أن الأجهزة يمكن أن تتيح تصوير الأشخاص سرا من دون موافقتهم. وتستند الشكوى إلى قوانين ألمانية تحظر أجهزة الاتصال المصممة للتسجيل الخفي، فيما أوضحت هيئة الشبكات الفدرالية أن النظارات الذكية يمكن أن تكون مسموحا بها عندما تكون وظيفة التسجيل واضحة.
وفي فرنسا، كثفت هيئة حماية البيانات سي إن آي إل (CNIL) تحذيراتها بشأن النظارات الذكية، وأطلقت خطة عمل لمواجهة مخاطر الخصوصية المرتبطة بها. وفي سبتمبر/أيلول الحالي، فتحت النيابة في باريس تحقيقا جنائيا على خلفية مزاعم مرتبطة باستخدام نظارات ذكية في تسجيل نساء دون موافقتهن، بينما تلقت الهيئة شكاوى واستفسارات من أماكن عمل بشأن إمكان منع هذه الأجهزة.
ولا يعني ذلك أن فرنسا أو ألمانيا فرضتا حظرا وطنيا شاملا على النظارات الذكية، بل إن التحرك هناك يتركز حاليا على تطبيق قواعد الخصوصية القائمة ودراسة ما إذا كانت القوانين الحالية كافية للتعامل مع القدرات الجديدة لهذه الأجهزة.
قد يبدو للوهلة الأولى أن المخاوف من النظارات الذكية ليست مختلفة كثيرا عن المخاوف من الهواتف، لكن الفارق يكمن في طريقة استخدام الكاميرا وإخفائها داخل الجهاز.
فالهاتف يحتاج عادة إلى حركة واضحة لالتقاط صورة أو فيديو، بينما يمكن للنظارة أن تسجل أثناء وجودها على وجه المستخدم، من دون أن يعرف الأشخاص المحيطون ما إذا كان ينظر إليهم فقط أم يسجلهم.
وتزداد المشكلة عندما تقترن الكاميرا بالذكاء الاصطناعي، فبعض النظارات الحديثة لا تكتفي بالتقاط صورة، وإنما تستطيع تحليل ما يراه المستخدم، وترجمة النصوص، ووصف المشاهد، والإجابة عن أسئلة تتعلق بالأشخاص أو الأشياء الموجودة أمام الكاميرا.
وهذا ينقل النقاش من سؤال بسيط هو هل يجري تصويري؟ إلى أسئلة أكثر تعقيدا، وهي ماذا تفعل الخوارزمية بالصورة؟ هل يجري تخزينها؟ هل تنتقل إلى خوادم خارج الجهاز؟ وهل يمكن ربطها بمعلومات أخرى عن الشخص الظاهر أمام الكاميرا؟
رغم تصاعد المخاوف، فإن النظارات الذكية لا تستخدم حصرا لأغراض التصوير، فقد أشارت الجهات الأسترالية إلى إمكان الاستفادة منها في مساعدة الأشخاص ذوي الإعاقة، مثل تحويل الكلام إلى نص أو تقديم أوصاف للمشاهد للأشخاص الذين يعانون ضعفا في البصر.
ولهذا تبدو المعركة التنظيمية أكثر تعقيدا من مجرد السماح أو المنع. فقد تتجه الحكومات إلى حظر الأجهزة في مواقع محددة، مثل المحاكم والمناطق الأمنية والمدارس، مع السماح بها في أماكن أخرى وفق شروط معينة.
وفي المقابل، يمكن أن تنتقل المسؤولية جزئيا إلى الشركات المصنعة من خلال تطوير مؤشرات تسجيل أكثر وضوحا، ومنع تعطيلها، ومعالجة البيانات محليا، وطمس الوجوه تلقائيا، وتقييد التعرف إلى الأشخاص، وتعطيل بعض الوظائف في المواقع الحساسة.
وتظهر بالفعل مؤشرات على أن تصميم الأجهزة نفسه قد يتغير استجابة لهذه المخاوف؛ إذ أفادت رويترز بأن ميتا تعمل على نسخة من نظاراتها من دون كاميرا، في خطوة من شأنها فصل بعض وظائف الذكاء الاصطناعي والمساعدة عن أكثر عناصر الجهاز إثارة للجدل، أي التصوير.
وتكشف الحالة الأسترالية أن النقاش حول النظارات الذكية انتقل من مستوى التحذيرات العامة إلى مرحلة وضع قواعد محددة لاستخدامها.
فأستراليا تدرس منعها داخل أماكن العمل الحكومية، وكندا تقيد استخدامها في مواقع عسكرية وأمنية، والنرويج منعتها في مدارس أوسلو، فيما تحظرها المحاكم في إنجلترا وويلز ونيويورك، بينما تواجه الشركات المصنعة ضغوطا قانونية وتنظيمية متزايدة في ألمانيا وفرنسا.
ولا تشير هذه الإجراءات بالضرورة إلى اتجاه عالمي نحو حظر شامل، لكنها تكشف عن محاولة لتحديد الأماكن التي تصبح فيها مخاطر التسجيل الخفي أكبر من قدرة القواعد التقليدية على التعامل معها.
Loading ads...
وقد يكون الاختبار الحقيقي لمستقبل النظارات الذكية في قدرة الشركات على جعل عملية التسجيل مرئية ومفهومة للمحيطين، وحماية الأشخاص الذين تدخل صورهم وأصواتهم إلى مجال رؤية الجهاز، وتحديد ما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله بهذه البيانات.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




