قبل نحو شهر، أصدرت كايروكي أغنية "أنا بكبر". علقت معي عبارة "أنا بكبر في ميعادي"، ربّما لأنها جاءت قبل بلوغي الثانية والثلاثين بقليل، في سنة كنت أعيد فيها التفكير بعلاقتي بالعمر، وبكل ما ظننت يوماً أنني تأخرت عنه.
منذ وقت مبكر جداً، نتعلم أن للأعمار معانيها، قبل أن نعرف ماذا نريد نحن منها. نكبر ونحن نعرف، بطريقة ما، أن هناك وقتاً للدراسة والعمل والحب والاستقرار، وأن علينا في مرحلة ما أن نعرف المدينة التي نريد أن نعيش فيها، والشخص الذي نريد أن نكمل معه، والعمل الذي سنبقى فيه، والشكل الذي ستأخذه حياتنا.
لا أحد يخبرنا صراحة أن هذه هي المواعيد، ومع ذلك نحفظها جميعاً، ونشعر بالقلق كلما اقترب أحدها من دون أن نكون في المكان الذي تخيلناه لأنفسنا.
يكفي أن ننظر حولنا حتى يبدأ الحساب. شخص استقر، وآخر تزوج، وثالث أصبح أباً، وأحدهم بنى مسيرة مهنية واضحة، وآخر عرف منذ سنوات أين يريد أن يعيش، بينما ما زال أحدنا يحاول أن يفهم أين يريد أن يستيقظ صباح الغد.
الغريب أننا لا نقارن أنفسنا بحياة شخص واحد، بل نأخذ من كل شخص الجزء الذي ينقصنا، ثم نجمع هذه الأجزاء في رأسنا ونصنع منها حياة مثالية لم يعشها أحد، وبعد ذلك نحاسب أنفسنا لأن حياتنا لا تشبهها.
لكنني بلغت الثانية والثلاثين. أنظر إلى السنة التي أوصلتني إلى هنا بشعور مختلف عن السنوات التي سبقتها. ربما لأنها كانت سنة المحاولات التي أمضيت وقتاً طويلاً أخشى خوضها. أشياء فكرت فيها أكثر مما عشتها، وخطوات كنت أريدها لكنني أخاف مما يمكن أن يحدث بعدها، وتجارب كنت أراقبها من بعيد وأتخيل احتمالاتها قبل أن أسمح لنفسي بالدخول إليها.
لم تنجح كل المحاولات، ولم تكن كلها جميلة، وبعضها أخذ مني أكثر مما توقعت. لكنني لم أخرج منها وأنا أفكر في نتائجها بقدر ما كنت أفكر في السنوات التي قضيتها خائفاً منها.
اكتشفت أن أشياء كثيرة كنت أخشاها لم تكن مخيفة بقدر الوقت الذي أمضيته وأنا أتخيلها، وأن الخوف يستطيع أحياناً أن يجعل احتمالاً لم يحدث بعد أثقل من التجربة نفسها.
يمكنني اليوم أن أسأل: ماذا لو حاولت قبل خمس سنوات؟ ماذا لو كنت أكثر جرأة في العشرينات؟ ماذا لو لم أنتظر كل هذا الوقت؟ لكنني لم أعد متأكداً أنني أريد إجابة.
ربما لو جاءت بعض الأشياء قبل سنوات لما عرفت كيف أعيشها، ولو عرفت بعض الأشخاص في وقت آخر لما رأيتهم بالطريقة نفسها، ولو وصلت إلى بعض الأماكن أبكر لما عرفت قيمتها.
نتعامل دائماً مع التأخر كأنه خسارة، ونادراً ما نفكر بأن الوصول المبكر يمكن أن يكون وصولاً في الوقت الخطأ.
هناك أشياء لا يكفي أن تصل إلينا، علينا نحن أيضاً أن نكون قد وصلنا إلى أنفسنا بما يكفي كي نعرف ماذا نفعل بها.
لوقت طويل، كنت أربط الوصول بالمكان. مدينة أخرى، بيت آخر، سفر جديد، فرصة جديدة، كأن هناك نقطة ما على الخريطة سأصل إليها فيتغير كل شيء.
كنت أظن أن بعض ما أشعر به يمكن تركه خلفي بمجرد أن أبتعد بما يكفي، لكن كثرة الذهاب تعلم الإنسان شيئاً لا يحتاج إلى الكثير من الفلسفة: يمكننا أن نغيّر المدينة والبيت والشارع والوجوه، ثم نفتح حقيبتنا في المكان الجديد فنجد أنفسنا هناك أيضاً.
ولهذا ربما أكثر ما يعنيني اليوم أنني وصلت إلى مكان جيد، لكنني أحاول هذه المرة أن أكون فيه نفسياً قبل أن أكون فيه مكانياً.
لا أريد أن أصل ثم أبدأ بالسؤال عن الوجهة التالية، ولا أن أقضي الوقت الذي أملكه في التفكير بما سيأتي.
أريد أن أعرف كيف أبقى قليلاً، لا بمعنى أنني وجدت المكان الأخير أو أنني لن أرحل مجدداً، بل بمعنى أبسط: أن أكون موجوداً في حياتي وهي تحدث، لا أن أقضيها كلها وأنا أتهيأ للحياة التي ستأتي بعدها.
ربما لم تكن مشكلتنا يوماً أننا نكبر، بل أننا نعيش كل عمر ونحن ننظر إلى العمر الذي يليه. نؤجل راحتنا إلى حين تتحسن الظروف، والفرح إلى حين نصل، وشعورنا بأننا فعلنا ما يكفي لأن هناك دائماً شيئاً آخر لم نفعله. وحين نصل أخيراً إلى ما كنا ننتظره، نخترع موعداً جديداً، وشرطاً جديداً، ومكاناً أبعد يجب أن نصل إليه حتى نسمح لأنفسنا بأن نقول: أنا بخير هنا.
ربما لهذا أشعر أن الثانية والثلاثين مختلفة، لا لأنني فهمت الحياة أخيراً، ولا لأنني أصبحت أكثر حكمة، ولا لأنني وصلت إلى النسخة النهائية مني. على العكس، ما زال هناك الكثير مما لا أعرفه، والكثير مما أريده، وأماكن لم أصل إليها، وأشياء أخاف تجربتها. لكن شيئاً واحداً تغيّر: لم أعد أنظر إلى كل ما لم يحدث بعد بوصفه دليلاً على أنني تأخرت.
أنا في المكان الذي استطعت أن أصل إليه بكل ما سبقني: بالتردد والخوف والمحاولات، بالخيارات التي أصابت وتلك التي أخطأت، بالطرق الطويلة، وبالأشخاص الذين بقوا والذين غابوا، وبكل مرة بدأت فيها من جديد وأنا أعتقد أنني أعود إلى الصفر، ثم اكتشفت أن الإنسان لا يعود فعلاً إلى الصفر، لأنه يأخذ معه كل ما عاشه.
لا أملك في الثانية والثلاثين قائمة بما يجب أن أنجزه قبل الثالثة والثلاثين. لدي بالتأكيد أشياء أريدها، وأحلام ما زلت أريد الوصول إليها، وحياة ما زلت فضولياً تجاه ما يمكن أن تخبئه لي، لكنني لا أريد أن أحوّل سنة جديدة إلى سباق جديد، ولا أن أخيف نفسي بفكرة أن لكل شيء باباً سيغلق إن لم أصل إليه الآن.
بعض الأشياء جاءت متأخرة وكانت أجمل لأنها جاءت في ذلك الوقت. بعض الأشخاص عرفتهم حين كنت قادراً فعلاً على معرفتهم. بعض الأماكن احتجت أن أعبر أماكن كثيرة قبلها كي أعرف لماذا أريد البقاء فيها. وبعض المحاولات احتاجت مني سنوات من الخوف قبل أن أعيشها، لكنها حين حدثت لم تجعلني أندم على أنني لم أفعلها أبكر، بقدر ما جعلتني سعيداً لأنني فعلتها أخيراً.
بلغت الثانية والثلاثين، وما زال هناك الكثير مما لم أصل إليه. الغريب أنني لا أشعر هذه المرة أن عليّ الركض. بعض الأشياء احتاجت كل هذه السنوات حتى أكون جاهزاً لها، وبعضها ربما يحتاج أكثر، ولم يعد ذلك يخيفني كما كان.
Loading ads...
تابع مقالاتنا وتحقيقاتنا المستقلة مباشرةً من هاتفك. استمتع بتجربة سهلة، سريعة، وخصوصية آمنة أينما كنت.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه




