ساعة واحدة
صمت لا ينفي المعرفة.. كيف تدير واشنطن الغموض بشأن نووي إسرائيل؟
الخميس، 24 سبتمبر 2026
آخر تحديث: 25/9/2026 00:05 (توقيت مكة)
لم تطلب الرسالة التي قادها النائب الديمقراطي خواكين كاسترو من وزارة الخارجية الأمريكية رقما جديدا عن الترسانة النووية الإسرائيلية. ما طلبته كان أكثر حساسية: أن تراجع واشنطن ما وصفه الموقعون بسياسة الصمت الرسمي بشأن القدرات النووية الإسرائيلية، وأن تطبق معيار الشفافية الذي تطلبه من دول أخرى على إسرائيل أيضا.
في رسالة مؤرخة في 4 مايو/أيار 2026، طالب 30 نائبا ديمقراطيا في مجلس النواب، بقيادة خواكين كاسترو، وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بمعلومات عن القدرات النووية الإسرائيلية وبمراجعة سياسة واشنطن تجاهها. وقال الموقعون إن الكونغرس يحتاج إلى فهم مخاطر التوازن النووي في الشرق الأوسط في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
لكنّ الرسالة، رغم أهميتها السياسية، ليست اعترافا حكوميا أمريكيا بامتلاك إسرائيل أسلحة نووية. وهي تكشف بدلا من ذلك عن الفجوة التي يقوم عليها الملف منذ عقود: تقديرات ووقائع تاريخية ووثائق معلنة من جهة، وغياب إقرار رسمي مباشر من إسرائيل أو الولايات المتحدة من جهة أخرى.
وفي جلسة علنية للجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، سأل كاسترو وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عما إذا كانت إسرائيل تمتلك أسلحة نووية. ولم يقدم روبيو إجابة مباشرة، وقال إن إسرائيل لم تعترف رسميا بامتلاك برنامج نووي، لكنه أقر بأن غالبية دول العالم تعتقد أنها تملك قدرات نووية، واقترح مناقشة المسألة في جلسة سرية نظرا إلى حساسيتها.
تحافظ إسرائيل على صيغة رسمية ثابتة تقوم على عدم التأكيد أو النفي. ففي مقابلة منشورة على موقع الحكومة الإسرائيلية عام 2011، قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن سياسة بلاده تقضي بألا تكون "أول من يدخل السلاح النووي إلى الشرق الأوسط "، دون أن يجيب مباشرة عن سؤال امتلاك إسرائيل للسلاح النووي.
وهنا تبدأ عقدة القصة: لا يمكن التعامل مع الغموض الإسرائيلي بوصفه نفيا، كما لا يصح تحويل تقديرات المؤسسات البحثية إلى إقرار حكومي. ويقدر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) مخزون إسرائيل بنحو 90 رأسا نوويا، وهو تقدير بحثي يستند إلى مصادر مفتوحة، لا جرد رسمي معلن من إسرائيل أو من أمريكا.
وإسرائيل ليست طرفا في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي لم تنضم إليها، وفق تقارير أممية. كما ترتبط باتفاق ضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يختلف عن نظام الضمانات الشاملة المطبق على الدول غير النووية الأطراف في المعاهدة.
تظهر الوثائق التي نشرها أرشيف الأمن القومي الأمريكي أن واشنطن تابعت منشأة ديمونة منذ ستينيات القرن الماضي، وأن مسؤولين أمريكيين زاروها في عهدي الرئيسين جون كينيدي وليندون جونسون. كما يعرض الأرشيف وثائق عن شكوك وتباينات داخل الإدارة الأمريكية بشأن طبيعة البرنامج الإسرائيلي وحدود ما يمكن أن تكشفه الزيارات الأمريكية.
وتكشف وثائق سلسلة العلاقات الخارجية للولايات المتحدة، الصادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية، أن نقاشات أواخر الستينيات تناولت تعهدا إسرائيليا بألا تكون إسرائيل أول من "يُدخل" السلاح النووي إلى الشرق الأوسط، وهو تعبير بقي حاضرا لاحقا في اللغة الرسمية الإسرائيلية.
لكنّ الوثائق المتاحة لا تسمح بصياغة أكثر مما تقوله. فهي تثبت أن الملف النووي الإسرائيلي كان موضع قلق ونقاش وضغط أمريكي، وتظهر سعيا إلى إدارة المسألة سياسيا. لكنها لا تقدم معاهدة منشورة تسمح بالجزم بأن لقاء ريتشارد نيكسون وغولدا مائير أنتج "اتفاقا سريا" مكتوبا يمنح إسرائيل تفويضا مفتوحا لامتلاك السلاح النووي.
وهذا التفريق ليس لغويا. فالوثيقة التي تثبت نقاشا أو تعهدا سياسيا لا تساوي وثيقة تثبت اعترافا رسميا بترسانة نووية، كما أن غياب الإقرار الرسمي لا يلغي ما تكشفه التقديرات والوثائق التاريخية.
تربط رواية شائعة استمرار الصمت الأمريكي بالقانون المعروف باسم تعديل سيمينغتون وهو تشريع قانوني أمريكي أقرّه الكونغرس عام 1976 كجزء من القانون الأمريكي للمساعدات الخارجية لعام 1961، على أساس أن الاعتراف الرسمي بالبرنامج النووي لإسرائيل سيجبر واشنطن تلقائيا على قطع مساعداتها العسكرية والاقتصادية. لكنّ قراءة النص القانوني نفسه تظهر صورة أكثر تعقيدا.
فالقانون الأمريكي يربط حظر المساعدات بحالات محددة يقررها الرئيس، منها نقل أو تلقي معدات أو تقنيات لإعادة المعالجة النووية في ظروف بعينها، أو تلقي جهاز نووي متفجر أو تفجيره، أو نقل معلومات أو مكونات مخصصة لصنع جهاز نووي. ولا ينص القانون على أن مجرد إقرار سياسي علني بامتلاك دولة ما سلاحا نوويا يوقف المساعدات تلقائيا.
كما يتيح القانون للرئيس، في حالات منصوص عليها، تقديم مساعدة كانت ستصبح محظورة إذا أبلغ الكونغرس بأن وقفها سيضر بأهداف منع الانتشار أو بالدفاع والأمن المشتركين.
لذلك، الأدق أن الاعتراف الرسمي الأمريكي بالقدرات النووية الإسرائيلية قد يفتح أسئلة قانونية وسياسية صعبة حول المساعدات والالتزامات الأمريكية، لكنه لا يقود آليا إلى نتيجة واحدة محسومة. القانون يحتاج إلى وقائع محددة وتقدير رئاسي وإجراءات مرتبطة بالكونغرس، لا إلى عنوان سياسي وحده.
تكمن وظيفة الغموض في أنه يفصل بين ما يقال في الأبحاث والوثائق التاريخية وبين ما تتحمل الحكومات مسؤوليته علنا. فإسرائيل تحافظ على صيغة لا تؤكد ولا تنفي، بينما تمتنع واشنطن عن تحويل التقديرات المتداولة إلى موقف حكومي صريح.
وهذا هو جوهر اعتراض نواب كاسترو. فهم لا يقولون في رسالتهم إن لديهم إقرارا أمريكيا جديدا، بل يجادلون بأن الولايات المتحدة لا تستطيع بناء سياسة متماسكة لمنع الانتشار في الشرق الأوسط وهي تبقي ملف القدرات النووية الإسرائيلية خارج لغة الشفافية التي تطلبها من دول أخرى.
ليست القضية إذن معرفة رقم نهائي للرؤوس النووية، وهو رقم لا يمكن تثبيته في ظل غياب الإقرار والتفتيش الشامل. السؤال الأهم هو كيف تحوّل الغموض من سياسة إسرائيلية إلى مساحة مشتركة تدير عبرها واشنطن واحدا من أكثر ملفات المنطقة حساسية.
Loading ads...
فالصمت هنا لا ينفي المعرفة، لكنه يحدد ما تقبل الحكومات قوله، وما تتركه للتقديرات والوثائق والأسئلة التي لا تجد جوابا رسميا.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً

ساحر الحجر .. النحات الذي لم ينحت الكتلة فقط
منذ ثانية واحدة
0

رسائل نتنياهو الهجومية لفك عزلته الدولية
منذ ثانية واحدة
0

اجتماع سعودي فرنسي في الأمم المتحدة لدعم حل الدولتين.....
منذ ثانية واحدة
0

الكويت في الأمم المتحدة: دعوة لإصلاح مجلس الأمن، ورفض...
منذ دقيقة واحدة
0

