في رحلة البحث عن وطن، أو العودة إلى وطن ربما فوق أنقاض الأيديولوجيا، يعاني آلاف الضحايا الذين خلّفتهم داعش من دون أن تلتفت إلى الوراء، من زوجات وسبايا وأطفال لم يُمنحوا الفرصة اللازمة للتعرّف إلى آبائهم أو حتى التحدّث إليهم. في تلك البقعة المهملة من مخيمي الروج والهول في الشمال السوري، حيث يعشّش غبار الانتظار وسحب الموت، وهي تعيد الاستماع إلى حكايات وقصص لا تشبه القصص المحكيّة، ففي تلك الخيام البائسة وخلف الأسلاك الشائكة يقبع جيل من الأيتام والمنبوذين. أطفال لم يسألهم أحد عن خياراتهم أو أمانيهم، ونساء ألقين أنفسهن بين مطرقة الأيديولوجيا المتطرّفة وسندان الإهمال الدولي. إنها رحلة متخيّلة أو مشتهاة من هذا البرزخ المنسي إلى تلك المدن الأوروبية التي قدموا منها ذات يوم، رحلة محفوفة بالمخاطر ومشحونة بالشكوك والتوجّس الأمني، والأسئلة الوجودية والأخلاقية العالقة.
في دراسات أكاديمية قامت بها جامعة "King's College London"، يواجهنا السؤال المقلق: هل أطفال ونساء مخيم الهول ومخيم الروج ضحايا هذا التنظيم الإرهابي "داعش"، أم أنهم قنابل موقوتة يمكن أن يكون لحضورهم، أو في عودتهم إلى مجتمعاتهم الأوروبية الأصلية، تداعيات خطرة أو مثيرة للقلق؟ في النظر إلى الموضوع من ناحية سيكولوجية، فإن أولئك النساء والأطفال يعيشون ما يمكن تسميته، بحسب مصطلحات الطب النفسي، بـ"الصدمة المركّبة - Complex Trauma"، فهم من عاشوا جحيم الحرب وويلاتها، كما تعرّضوا لعمليات غسل دماغ في ضوء إعادة التكوين العقائدي الذي كانت تمارسه داعش على هؤلاء الناس، والنتيجة أفراد بسطاء وأطفال تم تسميم أفكارهم بشكل منهجي في بيئة شديدة القسوة والعزل.
إن العودة المنظمة تحت إشراف الدولة خير وأكثر أمناً من التسرّب العشوائي.
من الناحية القانونية المحضة، فإن تقارير "هيومن رايتس ووتش" والمركز الدولي لمكافحة الإرهاب في لاهاي تشير إلى أن حرمان هؤلاء الضحايا من حق العودة، بعلة جرائم ارتكبها آباؤهم، ما هو إلا خرق فاضح ومهين لاتفاقية حقوق الطفل الدولية. والحق في الاحتفاظ بالجنسية، وبالتالي حق العودة إلى الوطن تحت أي ظروف، هو حق أصيل ينبغي عدم المساس به، وهو ليس منحة من جهة سيادية تمنحها وتحجبها أنّى شاءت.
من تتبّع المواقف الأوروبية نلمس تبايناً مهماً بين الموقف القانوني والموقف السياسي، كما نلحظ انقساماً قيمياً حاداً في التعامل مع عوائل تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وهذا يُعاب على أنظمة تحكم بالديمقراطية وتنادي بحقوق الإنسان. هناك نموذجان يمكن التوقف عندهما: النموذج البلجيكي والنموذج الألماني، اللذان يتفقان حول مفهوم العودة المراقبة، وبالتالي فإن العودة المنظمة تحت إشراف الدولة خير وأكثر أمناً من التسرّب العشوائي. مع تمسّك القضاء الألماني بمحاكمة الأمهات اللواتي انتمين إلى تنظيم إرهابي بمحض الإرادة الحرة، وعلى هذا الأساس تمت محاكمة السيدة الألمانية "جنيفر و." التي أُدينت بترك طفلة إيزيدية تموت عطشاً، وحُكم عليها بالسجن أربعة عشر عاماً بشكل مبرم. كذلك نهجت حكومة بلجيكا تبنّي سياسة استعادة نشطة تكتنفها مرحلة إعادة تأهيل مكثّفة.
إن نجاح الإدماج الاجتماعي يعتمد على قيام الدولة بحماية خصوصية الأطفال العائدين وتوفير بيئة تعليمية آمنة وبعيدة عن فضول الإعلاميين.
في الجهة الأخرى، ظلّت الحكومة الفرنسية ترفض فكرة الاستعادة الجماعية، إلى أن صدر قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في "سبتمبر 2022"، حيث تمت إدانة باريس لرفضها الإعادة الجماعية بينما اكتفت بعودة الأطفال، الأمر الذي أجبر باريس على قبول العودة الجماعية، لكن تحت إجراء التوقيف الاحترازي للأمهات ووضع الأطفال تحت إشراف الرعاية الاجتماعية. من جهتها، تبنّت بريطانيا استراتيجية "الإعدام المدني" الذي نُفّذ في قضية البريطانية من أبوين بنغاليين "شميمة بيغوم"، التي تم سحب الجنسية البريطانية منها، وهي إلى اليوم مقيمة في مخيم الروج محرومة من الجنسية البريطانية، وحتى بلد والديها، بنغلاديش، يرفض منحها الجنسية البنغالية.
في الحالة الأسترالية، بقيت الحكومة تتحجّج بصعوبة الوصول، وهي حجة هشة في عصر الطائرات العابرة للقارات، كما أنها بقيت تتذرّع بما سمّته الخطر الأمني، وهذا أمر جدير بالحسبان، لكنها في عام 2022 عدّلت موقفها وأعادت 17 مواطنة. ومع ذلك، بقي العائدون يعانون ما يمكن تسميته "وصمة العار"، وكما ترى مراكز أبحاث أسترالية، فإن نجاح الإدماج الاجتماعي يعتمد على قيام الدولة بحماية خصوصية الأطفال العائدين وتوفير بيئة تعليمية آمنة وبعيدة عن فضول الإعلاميين. تبقى معضلة إعادة التأهيل خطوة أولى في سباق طويل يهدف إلى تفكيك الأيديولوجيا، لا سيما أن جمع أدلة الإدانة للزوجات في ساحات الحرب السورية أمر بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.
Loading ads...
في الختام، إن القبول بعودة الزوجات والأطفال، "أيتام الخلافة الإسلامية"، لا يمكن النظر إليه كمكافأة لمن شذّ أو ضلّ عن الطريق، إنما هو إنقاذ لجيل لم يكن له خيار في انتقاء أقداره. وإن منح هؤلاء الأطفال جواز سفر من بلدهم الأم يُنظر إليه كمنحهم الفرصة الأخيرة ليعيشوا كبشر أسوياء، بعيداً عن أوهام الخلافة وويلات الحرب.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





