ساعة واحدة
عندما تغلق الصناديق.. هل تصمت البنادق أم تشعل إسرائيل الجبهات السبع ثانية؟
الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026
على بُعد ساعات من ظهور نتائج الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، تقف السياسة الإسرائيلية أمام مفترق طرق سياسي وإستراتيجي قد يُحدث ارتدادات واسعة في بنية المجتمع الداخلية وتوجهات السياسة الإقليمية، وذلك بعد 3 سنوات من استنزاف عسكري وسياسي متواصل خاضت خلاله تل أبيب مواجهات مفتوحة على 7 جبهات متشابكة.
ولا تقتصر أهمية هذا الاستحقاق على حسم مصير رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، الذي ارتبط اسمه بأطول فترة حكم في تاريخ إسرائيل، بل تمتد إلى اختبار قدرة النظام السياسي كله على كسر حالة الانسداد والجمود التي كبلته لسنوات، في ظل تصاعد العزلة الدبلوماسية وتعاظم الضغوط الدولية.
وتتزامن انتخابات اليوم مع استنفار أمني وعسكري غير مسبوق في الداخل الإسرائيلي؛ إذ وُضعت قوات الأمن في أعلى درجات التأهب، وسط تحليق مكثف للطيران الحربي وتنسيق عملياتي وثيق مع القوات الأمريكية المرابطة في المنطقة.
وفي خضم هذا المشهد المشحون، تتشابك الاستحقاقات المعلقة بين طبول حرب مؤجلة مع إيران، ومصير الحرب الدامية في قطاع غزة، وانفجار محتوم ومؤجل في الضفة الغربية، وصولا إلى تحولات عميقة تعيد صياغة هوية المجتمع الإسرائيلي نفسه؛ وهو ما يجعل السؤال الأساسي لا يتعلق بهوية الفائز فحسب، بل بالمدى الحقيقي الذي يمكن أن تتغير عنده السياسات الإسرائيلية إذا بقي نتنياهو أو صعدت قيادة جديدة بديلة.
تتحرك الأحزاب الإسرائيلية داخل مساحة تضيق على من فيها، ويتحتم على الجميع الحفاظ على نوع من التوازن القلق، حيث تعكس استطلاعات الرأي صعوبة حسم معركة الانتخابات لأي من المعسكرين المتنافسين دون تحالفات معقدة أو تنازلات أيديولوجية قاسية.
ووفقا للتقرير التحليلي الذي أصدرته مجموعة الأزمات الدولية حول سيناريوهات ما بعد الانتخابات، ونشر منتصف الشهر الجاري، فإن فرص حصول أي من معسكري نتنياهو أو المعارضة على أغلبية مطلقة ومستقرة تتجاوز حاجز 61 مقعدا تبدو ضئيلة للغاية ولا تتعدى 10%، مما يضع السياسة الإسرائيلية أمام 4 مسارات:
وفي قراءته لهذه التوازنات، يرى المحلل السياسي والإعلامي الإسرائيلي يوآف شتيرن أن فوز نتنياهو وتشكيله حكومة جديدة بات أمرا مستبعدا للغاية وفق معطيات استطلاعات الرأي، وأن نجاحه في إعادة إنتاج ائتلافه الحالي سيمثل "مفاجأة كبرى ".
وفي تصريحات للجزيرة نت، ينبه شتيرن إلى أن البدائل المطروحة لا تقل تعقيدا؛ فحكومة المعارضة ستكون ائتلافا هشا ومحكوما بمتناقضات بنيوية، خاصة في ظل رفض أقطاب رئيسيين في المعارضة (مثل أفيغدور ليبرمان) الدخول في شراكة سياسية مع الأحزاب العربية.
ويرجح المحلل السياسي الإسرائيلي أن تدفع هذه المعادلة الصعبة نحو حكومة أقلية مدعومة من الخارج أو العودة مجددا إلى صناديق الاقتراع، لكن بعد تمرير تشريعات برلمانية تمنع نتنياهو -المتهم بقضايا فساد- من تولي رئاسة الوزراء وتشكيل لجان تحقيق رسمية تضع قيودا قانونية حاسمة أمام مستقبله السياسي.
ويشكل الملف الإيراني أحد أكثر الملفات حساسية في ميزان التنافس الانتخابي، حيث تتداخل الحسابات العسكرية الميدانية مع الرؤية الإستراتيجية للتحالف بين تل أبيب وواشنطن؛ فالتباين بين بقاء نتنياهو أو رحيله لا يلغي الإجماع الإسرائيلي على مواجهة طهران، لكنه يعيد ترتيب أدوات المواجهة وتوقيتها.
ويؤكد مدير مشروع إسرائيل وفلسطين بمجموعة الأزمات الدولية ماكس رودنبيك أن فوز نتنياهو سيعني تفويضا شعبيا مطلقا لمواصلة "حرب الجبهات السبع "، مما يحرره من أي قيود داخلية تحول دون "إنهاء المهمة " عبر ضربة شاملة لإيران.
ويحذر رودنبيك -في تصريحات للجزيرة نت- من خطورة مرحلة تصريف الأعمال إذا تعثر تشكيل حكومة جديدة؛ إذ قد يجد نتنياهو في توجيه ضربة عسكرية لإيران فرصة ذهبية لخلط الأوراق السياسية وتعزيز موقفه التفاوضي الداخلي.
وحتى في سيناريو تشكيل حكومة "وحدة وطنية " وسطية خالية من أقصى اليمين، يرى رودنبيك أن هذه الحكومة لن تتخلى عن شراستها وعدوانيتها تجاه طهران، وإن كانت قد تُخضع السياسات الهجومية لإعادة تقييم مؤقت لحساب تكاليف العزلة الدولية.
وعلى النقيض من ذلك، يرى يوآف شتيرن أن السياسة الإسرائيلية تجاه إيران لن تشهد فوارق جوهرية بين فوز نتنياهو وخسارته؛ فالقرار في هذا الملف تحول إلى تنسيق مؤسسي تقوده الولايات المتحدة بصورة مباشرة، وأي رئيس وزراء إسرائيلي قادم سيجد نفسه ملزما بالتعاون الكامل مع واشنطن والتصرف تحت مظلتها الإستراتيجية دون خروج منفرد عن السياق الأمريكي.
لكن مدير مركز القدس للدراسات السياسية الدكتور عريب الرنتاوي يذهب -في مقال منشور بموقع الجزيرة نت بعنوان " ترمب إذ يصفع أكثرية الإسرائيليين.. نتنياهو أو لا أحد"- إلى ما هو أعمق من التنسيق المؤسسي التقليدي، مسلطا الضوء على الأجندة المشتركة للعامين الأخيرين للرئيس الأمريكي دونالد ترمب في البيت الأبيض مع حكومة نتنياهو.
ويوضح الرنتاوي أن واشنطن وتل أبيب تتأهبان لجولة جديدة من الحرب على إيران -قد تكون شاملة كما تطلبها إسرائيل أو كثيفة ومحدودة كما تفضلها الإدارة الأمريكية- تمثل جوهر "المهمة غير المكتملة ".
ويلفت الرنتاوي -في مقاله- إلى أن تصريحات ترمب الحادة وانحيازه المطلق لنتنياهو عشية الانتخابات يرميان إلى ضمان بقاء شريك مُجرّب لخوض هذه الحرب معا بعد إتمام الاستحقاقات الانتخابية في كلا البلدين؛ إذ تدرك واشنطن أن نجاة نتنياهو السياسية بدعم أمريكي ستعمق تبعيته لترمب وتجعله أكثر توافقا مع الخطط الإقليمية للبيت الأبيض مقارنة بموقعه كزعيم للمعارضة يزايد على الحكومة من موقعه الجديد.
وتتأرجح مآلات الحرب على قطاع غزة والساحة اللبنانية بين استمرار الاندفاع العسكري التدميري أو الانتقال نحو مقاربة دبلوماسية مشددة لا تسقط الأهداف الإستراتيجية الأساسية لدولة الاحتلال، بل تبحث عن مخارج تخفف العبء العسكري والعزلة الدولية.
ويرى شتيرن أن غزة ستكون الملف الأول على طاولة أي حكومة مقبلة، متوقعا حدوث تحول نوعي من المسار العسكري البحت إلى المسار السياسي والدبلوماسي بتنسيق وثيق مع الولايات المتحدة ودول الإقليم في حال خسارة نتنياهو. في حين أن إعادة تشكيل الائتلاف اليميني الحالي ستعني بقاء الملف في حالة جمود ميداني واستنزاف مفتوح لأن الشركاء من اليمين يمنعون أي تقدم في ملف المفاوضات.
ويرى محلل مجموعة الأزمات رودنبيك أن غياب نتنياهو سيتيح تعليقا مؤقتا للسياسات الحالية في غزة لإعادة تقييم الجدوى الإستراتيجية، لكن فوزه سيعطيه الضوء الأخضر للعودة للحرب وإعادة هندسة القطاع حسب طموحه.
من جانبه، يكشف مدير مركز القدس للدراسات السياسية عن خريطة القواسم المشتركة الواسعة التي تجمع واشنطن والمعارضة الإسرائيلية بقيادة آيزنكوت تجاه مستقبل غزة؛ إذ لا يختلف الطرفان عن نتنياهو في جوهر الأهداف القائمة على استئصال المقاومة وحرمان السلطة الفلسطينية من حكم القطاع، وفصل غزة جغرافيا وسياسيا عن الضفة الغربية ووضعها تحت وصاية دولية مع تجريدها الكامل من السلاح والأنفاق.
ويمتد هذا التوافق -حسب الرنتاوي- إلى الجبهة اللبنانية لإنجاز "المهمة التي لم تكتمل بعد "، عبر الدفع نحو تجريد حزب الله من سلاحه شمال الليطاني وجنوبه، وفرض أحزمة أمنية عازلة، والشروع في مسار تطبيعي رسمي، وهي أهداف قد يكون إنجازها أكثر سلاسة وواقعية عبر حكومة تضم آيزنكوت ووجوها عسكرية مقبولة دوليا من دون الحاجة إلى التدمير العشوائي الذي أثار حفيظة إدارة ترمب في مراحل سابقة.
كما تبرز الضفة الغربية بوصفها أحد الملفات الأكثر اشتعالا إذا خرج اليمين المتطرف من دفة القيادة؛ فرغم الإجماع الإسرائيلي على الاستيطان وتوسيع السيطرة الأمنية، فإن سلوك المستوطنين وعنفهم المنفلت يشكلان نقطة اختلاف محورية بين الائتلاف والمعارضة.
ويوضح رودنبيك أن خسارة نتنياهو تعني استبعاد وزيري المالية بتسلئيل سموتريتش والأمن القومي إيتمار بن غفير من مراكز القرار الأمني والمالي، وهو ما سيحدث تغييرا فوريا في المشهد العام بالضفة عبر كبح مخططات الضم الرسمي الفوري وسياسات تقليص الحيز المكاني الفلسطيني وتشجيع التهجير القسري.
ويذهب شتيرن إلى أبعد من ذلك، متوقعا أن تخوض أي حكومة بديلة مواجهة داخلية بالغة القسوة والتعقيد مع جمهور المستوطنين في الضفة الغربية؛ إذ ستسعى القيادة الجديدة لفرض قيود وحدود قانونية وأمنية لتحركاتهم.
وتكمن الصعوبة -حسب المحلل السياسي الإسرائيلي- في أن تيارات المستوطنين باتت ترى نفسها فوق القانون وفوق القرارات الحكومية نتيجة سنوات من الحصانة وتواطؤ أجهزة الأمن والشرطة تحت مظلة حكومة نتنياهو، مما يجعل الاصطدام معهم تحديا وجوديا لأي ائتلاف قادم يسعى لتفادي الانفجار الشامل وتجنب العقوبات والضغوط الدولية المتصاعدة على الاستيطان.
وتؤكد المعطيات المستخلصة من السيناريوهات السياسية وقراءات الخبراء أن الانتخابات الإسرائيلية الراهنة لا تمثل انقطاعا إستراتيجيا عن العقيدة الأمنية التوسعية للاحتلال بقدر ما تمثل إعادة ضبط لأساليب إدارتها ومحاولة للنجاة من العزلة الدولية.
Loading ads...
فبينما يَعِد بقاء نتنياهو بحروب أيديولوجية مفتوحة وصدام مع المنظومة الإقليمية والدولية تحت وصاية مباشرة من واشنطن؛ يطرح البديل العسكري بقيادة آيزنكوت مقاربة أمنية منضبطة تترجم القوة العسكرية إلى تسويات تخدم المصالح العليا لإسرائيل، وذلك من دون أن تفرط في جوهر المشروع الاستيطاني والسيطرة الميدانية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً




