ساعة واحدة
وسام قائد.. مسؤول يحمل الجنسية البريطانية قتله وفاؤه لليمن
الأربعاء، 6 مايو 2026
قوبلت حادثة اغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، وسام قائد، في العاصمة المؤقتة عدن، بموجة إدانات محلية ودولية واسعة، وسط مطالبات متزايدة بفتح تحقيق عاجل وشفاف، لكشف ملابسات الجريمة، ومحاسبة المتورطين فيها.
وبحسب المعلومات، تعرّض وسام قائد لعملية اختطاف مسلحة، قرابة الساعة الثالثة والربع عصراً، أثناء عودته إلى منزله في مدينة “إنماء”، بعد مشاركته في اجتماع مع جهة مانحة يوم الأحد الماضي الموافق 3 أيار/ مايو الجاري.
وبعد وقت قصير، عٌثر على جثمانه داخل سيارته في منطقة “الحسوة”، وقد تعرّض للتصفية الجسدية، في حادثة هزّت الأوساط الحقوقية في اليمن.
وبحسب إفادات نشرها الصحفي فارس الحميري، فإن وسام اٌختطف بالقرب من منزله، قبل العثور عليه مقتولاً بعد أقل من ساعة.
ونقل الحميري عن مصادر مطلعة، أن الضحية كان قد أبلغ زملاء وجهات حكومية، أكثر من مرة، عن تلقيه تهديدات مرتبطة بدوره في نقل جزء كبير من أعمال الصندوق الاجتماعي للتنمية، والتعاملات المالية من صنعاء، الواقعة تحت سيطرة جماعة “الحوثي” الموالية لطهران إلى عدن.
وتشير المعلومات المتداولة، إلى أن تحركات وسام خلال الأشهر الأخيرة، ارتبطت بإعادة ترتيب البنية الإدارية والمالية للصندوق، في إطار مساعِ لإدارة المؤسسة من العاصمة المؤقتة عدن، بعيداً عن الضغوط المفروضة من قبل “الحوثيين” في صنعاء.
كان وسام قائد، أحد أبرز الوجوه المهنية المرتبطة بمسار التنمية المحلية، بالصندوق الاجتماعي للتنمية في اليمن، خلال العقدين الأخيرين.
ووفقاً لمعلومات أوردها الصحفي فارس الحميري، أسّس وسام عام 2005، وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر “سمبس”، التابعة للصندوق الاجتماعي للتنمية، وهي إحدى أبرز الوحدات المتخصصة في التنمية الاقتصادية، ودعم المشاريع الصغيرة وريادة الأعمال.
وفي عام 2019، شغل منصب نائب المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، قبل أن يتم تعيينه في آب/ أغسطس 2025 قائماً بأعمال المدير التنفيذي للصندوق.
وخلال هذه المرحلة، لعب دوراً محورياً في نقل الحسابات البنكية والتعاملات المالية الخاصة بالصندوق إلى عدن، ضمن ترتيبات هدفت إلى إعادة تنظيم المؤسسة، وضمان استمرارية عملها.
ويقول الكاتب والصحفي صقر السنيدي، إن وسام ينتمي إلى عائلة يمنية استقرت في بريطانيا منذ عقود، لكنه اختار العودة إلى اليمن، بعد إكمال تعليمه في جامعة برمنغهام بالمملكة المتحدة.
ويضيف السنيدي أن وسام اتخذ قراراً واعياً بالبقاء والعمل داخل اليمن، وكان يرى أن مساهمته الحقيقية يجب أن تكون في خدمة المجتمعات المحلية والفئات الأكثر احتياجاً.
يحمل وسام قائد الجنسية البريطانية، وكان بإمكانه العيش في بيئة مستقرة، إلا أن المقربين منه يقولون إنه “لم يكن ينظر إلى بريطانيا بوصفها وجهته النهائية”.
ويستعيد صقر السنيدي تجربته الشخصية معه، موضحاً أن وسام كرّس سنوات طويلة لدعم المشاريع الصغيرة، وتمكين النساء، ودعم المزارعين والحرفيين.
وبحسب السنيدي، أبدى وسام اهتماماً خاصاً بمشاريع تمكين النساء في تهامة، ومناطق الساحل الغربي، وساهم في دعم برامج لتطوير الصناعات الحرفية، وربطها بأسواق خارجية، بينها السوق البريطانية.
كما عمل على دعم سلاسل القيمة الزراعية، خصوصاً قطاع البن اليمني، وكان ينظر إلى هذا القطاع باعتباره “فرصة اقتصادية وتنموية يمكن أن تغيّر حياة آلاف الأسر”.
ويقول السنيدي إن وسام كان يؤمن بأن التنمية تبدأ من المجتمعات الصغيرة، ومن تحويل الأفراد إلى منتجين قادرين على إعالة أسرهم.
لم تكن رحلة وسام داخل اليمن خالية من المخاطر، ففي حزيران/ حزيران 2024، غادر صنعاء بعد نجاته من محاولة اعتقال من قبل جهاز الأمن والمخابرات التابع لجماعة “الحوثي”، ضمن حملات الاعتقال التي تطال العاملين في المنظمات الدولية.
وقال الحقوقي عبد الله سلطان شداد، إن وسام اضطر إلى مغادرة صنعاء، بعد تعرضه لملاحقات ومداهمات مرتبطة بعمله، مشيراً إلى أنه واجه ضغوطاً كبيرة خلال محاولاته الحفاظ على استمرارية عمل الصندوق الاجتماعي للتنمية كمؤسسة موحدة رغم الانقسام.
وبحسب شداد، تعرض وسام لمداهمة منزله ومكتبه، كما خسر ممتلكاته ومدخراته المالية خلال تلك الأحداث، قبل أن يغادر صنعاء ويستأنف نشاطه من خارجها.
ورغم تلك التطورات، عاد لاحقاً إلى عدن لمواصلة عمله، يقول شداد إن وسام ظل يعمل للحفاظ على “وحدة الصندوق الاجتماعي واستمرار رواتب الموظفين والبرامج التنموية”، رغم التعقيدات والانقسامات السياسية.
يرى مراقبون أن اغتيال وسام قائد يتجاوز كونه جريمة جنائية عابرة، وإنما هي استهداف مباشر للعمل التنموي، والكفاءات المدنية في اليمن.
ويوضح الحقوقي عبد الله سلطان شداد إن استهداف شخصية بحجم وسام، يبعث برسائل مقلقة إلى الكفاءات اليمنية في الداخل والخارج، لا سيما أولئك الذين يفكرون في العودة والعمل داخل البلاد.
كما يحذر من أن استمرار الإفلات من العقاب في قضايا مشابهة، قد يؤدي إلى عزوف مزيد من الكفاءات عن الانخراط في مؤسسات الدولة أو المشاريع التنموية.
ومن جهته، يرى صقر السنيدي أن خسارة وسام لا تقتصر على فقدان شخصية إدارية، بل تمتد إلى خسارة أحد أبرز العقول العاملة في مجال التنمية خلال العقدين الأخيرين.
وأوضح في تصريح خاص لـ”الحل نت”، أن وسام كان يحظى بثقة واسعة لدى الجهات المانحة، بفضل نهجه المهني وحرصه على الشفافية، مضيفاً أن غيابه قد ينعكس على آليات التنسيق الخارجي، وإدارة المشاريع في مرحلة حساسة.
وقال السنيدي، “ما أخشاه هو التراجع عن الخطوات المؤسسية التي كان قد بدأها، خصوصاً ما يتعلق بإدارة المشاريع واللامركزية”.
وأثار اغتيال وسام قائد، موجة إدانات دولية واسعة، عكست حجم حضوره في دوائر التنمية والتعاون الدولي.
وقالت السفارة الأميركية لدى اليمن، إنها تدين مقتل وسام قائد في عدن، مطالبة بإجراء تحقيق شامل ومحاسبة المسؤولين عن الجريمة، ومشددة على ضرورة أن تكون عدن مكاناً آمناً للمسؤولين الحكوميين والمواطنين.
كما عبّر سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن، باتريك سيمونيه، عن صدمته من الحادثة، مؤكداً أن وسام كان متفانياً في خدمة بلده وقد عمل دون كلل لمساعدة ملايين اليمنيين.
واكتسبت القضية بعداً إضافياً مع تفاعل بريطاني لافت، إذ أعربت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدة شريف، عن غضبها وصدمتها من اغتياله، مؤكدة أنه “عمِل بلا كلل لضمان وصول المساعدات المنقذة للحياة إلى ملايين اليمنيين”.
كما أدانت كل من ألمانيا وفرنسا الجريمة، ودعتا إلى تحقيق عاجل ومحاسبة الجناة.
وتشير هذه الإدانات، وفق مراقبين، إلى المكانة التي كان يحظى بها وسام قائد داخل شبكات التعاون الدولي والجهات المانحة.
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تٌعلن السلطات اليمنية نتائج التحقيقات الأولية، أو الجهة المسؤولة عن الجريمة، عدا عن استمرار تتبع خيوط الجريمة.
لكن اغتيال وسام قائد يطرح أسئلة أكبر من هوية المنفذين، فهل كانت الجريمة مرتبطة بدوره الإداري وتحركاته الأخيرة داخل الصندوق وعملية النقل من صنعاء إلى عدن؟ وهل أصبحت الشخصيات المدنية والتنموية، هدفاً مباشراً لجماعة “الحوثي”، بعد توجه المنظمات إلى مناطق الحكومة الشرعية، نتيجة المضايقات التي طالت ولا تزال العاملين في المنظمات الدولية بصنعاء؟
وهكذا رحل وسام قائد بعد مسيرة حافلة بالعمل التنموي امتدت لأكثر من عشرين عاماً، متنقلاً بين دعم المشاريع الصغيرة، وتمكين النساء، ومساندة المزارعين والحرفيين، وبناء الشراكات مع المانحين الدوليين.
Loading ads...
وبالنسبة لكثيرين ممن عرفوا وسام أو عملوا معه، يمثّل اغتياله نهاية مأساوية لمسؤول تنموي بارز في اليمن، وخسارة جديدة تضاف إلى سجل طويل من استنزاف الكفاءات اليمنية.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





