ساعة واحدة
"لسنا عبئاً".. مطالب المعتقلين تتصدر اجتماع إدارة الذاكرة الوطنية في حمص
الإثنين، 4 مايو 2026
عقدت إدارة الذاكرة الوطنية وتخليد الذكرى، التابعة للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، اجتماعها الأول في مدينة حمص، بمشاركة عدد من الإعلاميين والمعتقلين السابقين وذوي المفقودين، في مقر مديرية الشؤون السياسية.
ويأتي هذا اللقاء الذي حضره موقع "تلفزيون سوريا" في إطار إطلاق مشروع وطني يهدف إلى توثيق الذاكرة السورية وبناء سردية تاريخية جامعة تستند إلى شهادات الضحايا والفاعلين في مختلف المناطق.
أوضح عضو إدارة الذاكرة الوطنية، حسن العمير، أن زيارة حمص تمثل محطة ثانية في مشروع "ذاكرة المدن السورية"، الذي انطلق سابقاً من محافظة دير الزور. وأكد أن المشروع يركز على التوثيق الميداني والبحثي والأرشيفي لتجارب السوريين وتضحياتهم، مشدداً على أن "كتابة التاريخ مسؤولية جماعية، وأن بناء سردية حقيقية هو السبيل لضمان عدم ضياع هذه التضحيات".
وبيّن العمير لموقع "تلفزيون سوريا" أن الاجتماع الحالي يشكل مرحلة أولى للتعارف وبناء شبكة علاقات مع الفاعلين المحليين، تمهيداً لانطلاق العمل الميداني خلال فترة تتراوح بين 10 و15 يوماً. وأضاف أن فرقاً بحثية وإعلامية ستباشر عملها مزودة بإمكانات تقنية لتوثيق الأحداث وجمع المواد الأرشيفية.
وأشار إلى أن الهيئة تعتزم افتتاح مكتب خاص في حمص خلال الشهر الجاري، بالتعاون مع متطوعين من أبناء المدينة، موضحاً أن المشروع يعتمد بشكل أساسي على مساهمة السكان المحليين في جمع الروايات والوثائق، بما في ذلك الأرشيفات الخاصة التي يحتفظ بها إعلاميون وأفراد لم تُنشر سابقاً.
وأكد أن عملية التوثيق تتقاطع بشكل مباشر مع مسار كشف الحقيقة، حيث يمكن للوثائق والشهادات أن تسهم في توضيح وقائع جرائم وانتهاكات، ما يعزز جهود المساءلة القضائية مستقبلاً.
وخلال اللقاء، عرض عدد من المعتقلين السابقين معاناتهم المستمرة، وخلال اللقاء، عرض أيمن الكردي، وهو معتقل سابق أمضى خمس سنوات في عدة فروع أمنية وسجون النظام المخلوع، واقع المعتقلين السابقين، مؤكداً أن مطالبهم ما تزال دون استجابة حتى اليوم. وأوضح أنهم لا يزالون "مغيبين بالكامل عن أي تمثيل حقيقي"، إذ لم يُتح لهم اختيار جهة تمثلهم، كما لا توجد مؤسسة رسمية يمكنهم التواصل معها لطرح قضاياهم.
وأضاف أن أوضاع المعتقلين السابقين لم تتحسن رغم مرور أكثر من عام ونصف على التحرير، مشيراً إلى استمرار معاناتهم على المستويين المعيشي والوظيفي، حيث لم يتمكن كثير منهم من العودة إلى أعمالهم. وشدد على رغبتهم في الإسهام في إعادة بناء البلاد، لا أن يكونوا عبئاً عليها، مطالباً بمنحهم دوراً فعلياً، ولو من خلال اختيار ممثليهم بشكل ديمقراطي.
ودعا الكردي إلى إنشاء هيئة حكومية تتولى رعاية شؤون المعتقلين، معتبراً أن الجهات القائمة حالياً لم تقدم حلولاً ملموسة، وأن مطالبهم هي مطالب حقوق أساسية تتعلق بالعدالة والإنصاف.
وفيما يتعلق بالواقع المعيشي، أشار إلى صعوبات كبيرة في الحصول على الرعاية الصحية، رغم وجود قرارات رسمية تنص على مجانية العلاج، موضحاً أن هذه القرارات لا تُطبق فعلياً، ما يضطر المعتقلين إلى تحمل تكاليف باهظة للفحوصات والعلاج. وأضاف أن المعتقلين السابقين يعتمدون على مبادرات ذاتية لتقديم الدعم لبعضهم، إلا أن هذه الجهود لم تعد كافية.
كما لفت إلى استمرار الإجراءات القانونية المفروضة عليهم منذ فترة النظام المخلوع، بما في ذلك الدعاوى القضائية والحجز على الأموال والممتلكات، إضافة إلى قيود على حرية التنقل ومنع السفر. وانتقد ما وصفه بازدواجية المعايير في منح الوثائق الرسمية.
وختم بالإشارة إلى انتظارهم إصدار تشريعات جديدة تنصفهم، محذراً من تدهور الأوضاع المعيشية، ومؤكداً أن حالة الاحتقان الشعبي آخذة في التصاعد، رغم محاولاتهم ضبط النفس وعدم تصعيد مطالبهم.
من جهتها، أكدت المعالجة نفسية ورئيسة جمعية "صحبة النصر" الخاصة بشؤون المعتقلين والمفقودين مها طليمات، على أن أولوية المرحلة الحالية تتمثل في كشف مصير المفقودين وتفعيل مسار العدالة الانتقالية بشكل واضح وفعّال.
وأوضحت أن الحديث عن ذاكرة الثورة والبلاد يطرح إشكاليات عميقة تتعلق بتوصيف الضحايا والجناة داخل المجتمع، إذ إن بعض عائلات المتورطين في الجرائم ما زالت تعتبر أبناءها "ضحايا"، وهو ما يعقّد عملية بناء سردية وطنية موحدة.
وأشارت إلى أن هذا الخلط في المفاهيم قد يدفع بعض الجهات إلى المطالبة بحقوق لمن ارتكبوا انتهاكات، ما يهدد بإعادة إنتاج التوترات، مؤكدة أن تجاوز هذه الحالة يتطلب جهداً توعوياً لإقناع المجتمع بحقيقة الأدوار والمسؤوليات، وتمييز الضحية عن الجاني بشكل واضح.
وفي سياق حديثها، لفتت طليمات إلى البعد الإنساني الشخصي للقضية، مشيرة إلى أن شقيقها معتقل ومفقود منذ عام 2013، وأن أبسط حقوق العائلات هو معرفة مصير أحبائهم، بما في ذلك مكان وجودهم أو كيفية وفاتهم ودفنهم، معتبرة أن هذه المطالب تمثل الحد الأدنى من العدالة.
بدوره، أكد الإعلامي والناشط منير شقلب امتلاك الناشطين في حمص أرشيفاً ضخماً يوثق مختلف مراحل الحراك، من المظاهرات الأولى إلى الحصار والدمار، معتبراً أن هذا الأرشيف يمثل مادة أساسية يمكن أن تسهم في إنجاح مشروع الذاكرة الوطنية.
وفي المقابل، دعا إلى ضرورة تسريع وتوضيح مسار العدالة الانتقالية، محذراً من حالة الاحتقان الشعبي الناتجة عن غياب الشفافية بشأن آليات المحاسبة. وأشار إلى أن المواطنين بحاجة إلى فهم واضح للخطط الزمنية والإجراءات القانونية، بما في ذلك نوع المحاكم والقوانين التي ستُطبق على المتهمين بارتكاب جرائم.
كما أثار تساؤلات حول كفاية القوانين الحالية لمحاسبة المسؤولين عن إصدار الأوامر أو ارتكاب الجرائم كمحاكمة عاطف نجيب مثالاً، وليس فقط منفذي الجرائم، طالب بإيجاد إطار قانوني خاص يضمن عدم إفلات أي طرف من المساءلة.
شهد اللقاء طرح جملة من المطالب من قبل الحضور، تمحورت في مقدمتها حول بطء تنفيذ مسار العدالة الانتقالية، والتخوف من استمرار وجود متورطين بارتكاب انتهاكات في مواقعهم الرسمية في وظائفهم، بما في ذلك بعض العاملين في القضاء ممن سبق أن أصدروا أحكاماً بحق معتقلين.
كما شدد المشاركون على ضرورة عدم تجاهل البعد الطائفي الذي انتهجه نظام الأسد المخلوع، مطالبين بمحاسبة المسؤولين ورفض أي محاولات لتبرئة المتورطين، إضافة إلى الدعوة لتقديم اعتذارات من قبل ذوي الجناة لأسر الضحايا.
وطالب الحضور بإعادة المعتقلين المفصولين إلى وظائفهم من دون تأخير، والعمل على إنشاء محاكم خاصة بجرائم الحرب تضمن عدم إفلات المسؤولين من العقاب.
كما تركزت المطالب على تحسين الأوضاع المعيشية للمعتقلين السابقين، من خلال تأمين الرعاية الصحية، بما يشمل الأدوية والعلاج والعمليات الجراحية والدعم النفسي، في ظل شعور واسع بالتهميش. وأكد المشاركون أيضاً على حق المعتقلين في اختيار ممثلين عنهم، سواء من المجتمع المحلي أو ضمن أطر رسمية.
في المقابل، أوضحت إدارة الذاكرة الوطنية أن الهيئة تعمل وفق ستة مسارات رئيسية تشمل: كشف الحقيقة، والمساءلة والمحاسبة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسساتي، والسلم الأهلي، إضافة إلى مسار الذاكرة الوطنية وتخليد الذكرى.
وأكدت اللجنة في حديثها أن الهدف الأساسي يتمثل في محاكمة مرتكبي جرائم الحرب، إلى جانب إجراءات مرافقة تشمل التعويض وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي، والعمل على صياغة سردية وطنية جامعة تعكس حقيقة ما جرى.
وبيّنت الإدارة أن إنشاء مسار الذاكرة الوطنية جاء نتيجة لانتشار سرديات متناقضة أسهمت في تعميق الانقسامات بين السوريين، مشيرة إلى أن النظام المخلوع لعب دوراً في تكريس هذه الانقسامات من خلال خطاب تمييزي وتعزيز الفروقات بين المناطق، ما أدى إلى تفكك النسيج الاجتماعي.
وأكدت أن المشروع يهدف إلى توثيق الانتهاكات وحفظ الذاكرة الجماعية لضمان عدم تكرارها، وجعلها مرجعاً للأجيال القادمة والباحثين. كما أشارت إلى أن عملية التوثيق ستعتمد على مختلف الوسائل، بما في ذلك المتاحف والمعارض، ودمج هذه المادة في المناهج التعليمية، إضافة إلى توظيفها في الأعمال الدرامية والسينمائية.
وأضافت أن العمل سيكون بالشراكة مع أبناء المدن، حيث سيجري توظيف كوادر محلية خلال فترة قصيرة، على أن تُعرض مخرجات المشروع عبر منصة خاصة. وسيشمل المشروع توثيق الأحداث في المدن والأرياف، وتحليل سياق الجرائم وتحديد المسؤوليات، سواء لمن نفذ أو خطط أو شارك أو حتى التزم الصمت.
كما لفتت إلى وجود خطة لإنشاء مديريات مماثلة في ثماني محافظات سورية، مع العمل على توثيق مراحل مختلفة من التاريخ، بما في ذلك أحداث سابقة وفترات لاحقة، وصولاً إلى مرحلة ما بعد عام 2011، ضمن مسارات زمنية متعددة. وأكدت أهمية دراسة الدوافع التي قادت إلى ارتكاب الجرائم، بما في ذلك استغلال الانقسامات المجتمعية.
Loading ads...
وختمت بالتأكيد على أن العدالة الانتقالية تمثل المسار الأكثر جدية واستدامة لتحقيق العدالة، رغم حاجتها إلى وقت، في حين أن غيابها أو استبدالها بمقاربات أخرى قد يؤدي إلى دوامة مستمرة من الصراع.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه





