ملخص
ربما لا يعرف كثر أنه في عصر مضى كان في مصر قارئات للقرآن كن ملء السمع والبصر وذاع صيتهن في مصر وخارجها ونافسن الرجال في التلاوة وكن جزءاً من برنامج الإذاعة المصرية، كان هذا في عصر لم يشهد جماعات متشددة ولا محاولات مضنية لإبعاد النساء من المشهد العام كله وليس فقط تلاوة القرآن
على مر العصور تعاقبت أجيال من القراء في مصر حملت آيات القرآن في قلوبها وانطلقت حناجرها ترتل في خشوع، وفي القرن الـ20 مع ظهور وسائط التسجيل المختلفة وصلت إلينا أصوات كثير من القراء كانوا دعائم لمدرسة التلاوة المصرية، التي لاقت استحسان المسلمين في كل أنحاء العالم، لتعرف مصر بدولة التلاوة.
وفي الآونة الأخيرة شهدت مصر مسابقة لتلاوة القرآن عبر برنامج تلفزيوني حقق نجاحاً ساحقاً، جذب المتابعين من كل أرجاء الوطن العربي، وأصبح "تريند" في خلال أيام من بدء إذاعته، إذ انبهر المستمعون بروعة الأصوات المشاركة القادمة من كل أنحاء البلاد، وتنوع المشاركين بين كل المراحل العمرية من الكبار إلى الأطفال الذين جمعهم حسن الصوت وجمال الأداء.
ومع الإشادة الكبيرة بالبرنامج والمتسابقين، وتأكيد أن مصر مليئة بالمواهب التي لا تنضب، تركت بعض الأصوات المتشددة كل شيء، وانبرت تشن هجومها حول كيف تقدم مثل هذا البرنامج مذيعة وليس مذيعاً، على رغم أن مقدمة البرنامج مشهود لها بالكفاءة، وهي نموذج يحتذى في عملها الإخباري سابقاً قبل برنامج دولة التلاوة.
اقرأ المزيد
موالد مصر... كرنفالات شعبية في محبة "الأولياء"
المرأة المصرية في سوق العمل... راغبة لا مرغوبة
ليلى مراد... حلاوة الفن ومرارته
ربما لا يعرف كثر أنه في عصر مضى كان في مصر قارئات للقرآن كن ملء السمع والبصر وذاع صيتهن في مصر وخارجها، ونافسن الرجال في التلاوة، وكن جزءاً من برنامج الإذاعة المصرية، كان هذا في عصر لم يشهد جماعات متشددة ولا محاولات مضنية لإبعاد النساء من المشهد العام كله وليس فقط تلاوة القرآن، لم تكن أفكار مثل أن صوت المرأة عورة لها وجود بين المصريين، بل كان الناس يستمتعون بجمال التلاوة بخشوع وتدبر سواء كان القارئ رجلاً أو امرأة، فالأصل هنا هو الموهبة لا الحسن.
رحلة بين أصوات الماضي
قارئات مصريات كثيرات تعاقبن عبر العصور، قطاع كبير منهن لا نعرف عنه شيئاً، وطوى الزمن أسماءهن، باعتبار أنهن عشن في عصر لم يكن فيه أي وسيلة لتسجيل الأصوات ولا اهتمام بالتوثيق، غير أن أقدم قارئة يمكن أن تشير إليها المصادر عرفت بالشيخة أم محمد وكانت في عهد محمد علي باشا تقرأ في قصر الوالي وتحيي الليالي القرآنية، وكان لها شأن عظيم، حتى إن محمد علي باشا أرسلها إلى إسطنبول للقراءة في قصر السلطان العثماني، وعندما توفيت أمر لها بجنازة مهيبة ودفنت في مقبرة بنيت خصيصاً لها في مقابر الإمام الشافعي.
مع بدايات القرن الـ20 حدثت نقلة كبيرة بظهور الأسطوانات وإتاحة تسجيل الصوت، مثّل هذا طفرة كبيرة وأتاح لنا حالياً التعرف إلى جوانب من التراث، ومن بينه تراث القارئات في مصر الذي وصل إلينا نذر يسير منه، سواء عن طريق الأرشيفات المختلفة أو عن طريق مقتنيات جامعي ومحبي التراث.
الشيخة منيرة عبده هي أشهر القارئات النساء في مصر وكان لها حضور كبير في الإذاعة (مواقع التواصل)
يقول الباحث في التراث وأحد أشهر جامعي التراث السمعي في مصر، عصمت النمر، "أقدم تسجيل وصل إلينا لقارئة مصرية كان عام 1905 للشيخة مبروكة، ويقال إنها أول قارئة لها تسجيل موثق للقرآن الكريم بصوتها بحسب المتعارف عليه حتى الآن، إذ لم يرد إلينا تسجيل أقدم، هذا المجال يحتاج إلى بحث طويل، وأزمته أن معظم التراث مفقود أو غير موثق من الأساس، فمن المؤكد أن هناك قارئات كان لهن شهرة واسعة، ولم يصل إلينا عنهن أي أثر، بحلول عام 1896 بدأ ظهور الأسطوانات في مصر، وانتشرت نسبياً في العقد الأول من القرن الـ20، لكن من سجلوا القرآن بصوتهم على أسطوانات من الرجال والنساء على السواء في هذا الزمن كان محدوداً جداً".
يضيف النمر، "في هذه الحقبة وقبل ظهور الميكرفونات كان القارئ سواء كان رجلاً أو امرأة لا بد من أن يمتلك صوتاً قوياً قادراً على الوصول إلى الناس، وكان هذا من معايير النجاح عند القارئ والمنشد والمغني، فلا بد من أن يكون ذا صوت قوي قادر على الانتشار، وحتى بعد ظهور الإذاعة فإنه في المرحلة الأولى لم تكن التسجيلات الإذاعية قد ظهرت فكان القارئ أو القارئة يقرأ على الهواء مباشرة، فيقدمه المذيع ثم يبدأ في التلاوة، وهذا يحتاج إلى قراء متمكنين لأنه لا مجال للخطأ وللأسف لم تصل إلينا أي من هذه القراءات في هذا الزمن لا للقراء ولا للقارئات لأنها لم تسجل، فكل من جاء قبل زمن التسجيلات لم يصل إلينا عنه شيء".
ثلاثية التلاوة والإنشاد والغناء
لم تكن الحدود فاصلة سابقاً بين التخصصات وكان كثير من المطربين والملحنين قادمين من خلفية دينية، والأمر نفسه بالنسبة إلى النساء، فالبداية تكون مع حفظ القرآن والإلمام بالأحكام، ثم ربما لاحقاً الإنشاد الديني وتلاوة القرآن، ومن بعدها أحياناً الغناء الطربي، كان هذا شائعاً في هذا الزمن، ومن أشهر الأمثلة هي أم كلثوم التي حفظت القرآن، ثم أنشدت مع أسرتها، ولاحقاً اتجهت إلى الغناء.
يوضح الباحث في التراث، عبدالرحمن الطويل، "بعض المطربات جمعن بين التلاوة والإنشاد ومن أشهرهن ودودة المنيلاوية، ولها تسجيلات كمطربة إضافة إلى تسجيلات نادرة كقارئة يبدو منها أنها قرأت على مشايخ وأجادت، الشيء نفسه مع الشيخة سكينة التي كانت مطربة، ولها أغنيات في الإذاعة، إلى جانب تسجيلها القرآن على أسطوانات، وقد كانت ذروة نشاطها في العشرينيات والثلاثينيات، ومع ظهور الإذاعة كان للقارئات حضور فيها وكثيرات منهن كانت تلاواتهن جزءاً من البرنامج الإذاعي اليومي مثل خوجة إسماعيل وعطيات الحضري وكريمة العدلية ونبوية النحاس، لكن أشهرهن على الإطلاق كانت منيرة عبده".
كانت هناك محاولات لأن تسجل أم كلثوم القرآن بصوتها لكنها قوبلت برفض من المشايخ حينها (أ ف ب)
ويتابع، "حضور القارئات كان مقبولاً مجتمعياً، وكن منتشرات في كل أنحاء البلاد للقراءة في مجالس النساء وفي المحافل العامة، حتى إنه يروى عن قارئة تعرف بالشيخة أسمهان توفيت في بداية الثلاثينيات أنها قرأت مع الشيوخ الرجال في السرادق نفسه، وقد قرأ معها الشيخ محمد رفعت في صغره في المكان نفسه، فبعض القارئات خرجن من إطار التلاوة في المجالس النسائية إلى السياق العام، ولم يلاقِ هذا اعتراضاً من المجتمع".
ويضيف الطويل، "هناك قارئات وصلت إلينا أسماؤهن، لكن لم يصل إلينا أي تسجيل صوتي لتلاوتهن على رغم أن بعضهن قرأت في الإذاعة، مثل الشيخة عائشة زهران والشيخة وهيبة سالم، وهناك شيخة تعرف بفطومة البسطية الطنطاوية التي غالباً لم تدرك الإذاعة وكانت ذروة نشاطها في العشرينيات، وكانت ذات شهرة واسعة، مع حلول النصف الثاني من القرن الـ20 قلّ عدد القارئات بشكل ملحوظ، لكن بقيت بعض القارئات التي وصل إلينا معلومات عنهن، مثل الشيخة زاهية التي بدأت في الأربعينيات، والشيخة ليلى في أسيوط التي توفيت في التسعينيات، ولها تسجيل فيديو نادر تقرأ في سرادق عزاء للرجال".
يروي الكاتب الراحل محمود السعدني في كتابه "ألحان السماء" أن الشيخة منيرة عبده كانت من أشهر قراء عصرها، وكان لها صيت كبير خارج مصر، وأنه في عام 1925 عرض عليها أحد الأثرياء من تونس أن تمضي شهر رمضان في صفاقس بأجر 1000 جنيه، وكان هذا بمعايير وقتها مبلغاً ضخماً جداً، إلا أنها رفضت العرض فما كان من الثري التونسي إلا أن قدم إلى القاهرة للاستماع لتلاوتها طوال شهر رمضان.
قارئات في كل المحافظات
بحسب الحكايات المتواترة وما وصل إلينا من وثائق، إضافة إلى الأرشيفات الشعبية بصورها المختلفة فإنه كان هناك لكل منطقة أو محافظة شيخة شهيرة يكون صيتها ذائعاً في نطاق المنطقة، قد تنتقل بعدها للتلاوة في القاهرة أو حتى خارج مصر، لكن البداية كانت تأتي من الشهرة في نطاقها المحلي بالقراءة أولاً في مجالس النساء، ثم في محافل عامة.
يوضح الباحث في تراث التلاوة والإنشاد، هيثم أبو زيد، "من المفارقات هنا أن بعض القارئات دخلن في ما يشبه المنافسات حالياً مع شيوخ كبار، ومن القصص التي تواترت إلينا ما يحكى عن أن الشيخ شلبي طوبار، وهو من أقوى أصوات عصره دخل في ما يشبه المعركة القرآنية مع الشيخة الأشهر في دمياط التي كانت ذائعة الصيت حينها وكانت تعرف بالشيخة زوزو، حين اجتمعت الحشود للاستماع للمنافسة بينهما وكان الشيخ شلبي حينها من أشهر قراء عصره وأقواهم صوتاً، وهو جد المنشد نصر الدين طوبار، لم يستنكر أحد حينها قراءة النساء، بل إن الجماهير تدفقت لحضور ومشاهدة هذا الحدث".
ويزيد أبو زيد، "بعض القارئات ما وصل إلينا من تسجيلات لهن كان في مراحل متأخرة من عمرهن بعدما ضعف صوتهن، وفقد بعض قوته مثل الشيخة سكينة حسن، التي وصل إلينا عنها من أرشيف عراقي أنها ذهبت في رحلة لبغداد عام 1915، واستقبلتها حشود هائلة من الرجال والنساء العراقيين جاؤوا للاستماع إليها، وكان هناك حال من الانبهار غير المسبوق بالقارئة المصرية، مما يدلل على أن بعض القارئات امتدت شهرتهن خارج مصر وكان لهن جماهير غفيرة خارجها".
ويتابع، "تراث قارئات القرآن في مصر المفقود فيه أكثر من الموجود بكثير، فقبل عصر التسجيلات والإذاعة وصلت إلينا سيرة بعض القارئات عن طريق النقل عن ثقات أو الحكايات المتواترة بين الناس أو خبر مكتوب أمكن توثيقه، لكن من المؤكد أنه كان هناك قارئات كثيرات لم نعرف عنهن، ولم يصل إلينا منهن أي خبر أو تسجيل".
الشيخة سكينة حسن التي جمعت بين التلاوة والغناء وكان هذا شائعاً في هذا الزمن (مواقع التواصل)
منذ افتتاح الإذاعة المصرية والقارئات مثلن جزءاً من مشهد التلاوة في مصر، وكان وجودهن أمراً مقبولاً، وليس مستنكراً من المستمعين، لكن بحلول عام 1940 صدر قرار مفاجئ بمنع النساء من القراءة في الإذاعة والاقتصار على المشايخ الرجال، على رغم أنهن كن ذوات أصوات قوية وقراءة صحيحة وبعضهن كن ذائعات الصيت، ولهن شهرة عظيمة في كل أنحاء البلاد وحتى خارج مصر، وقد يكون هذا جزءاً من السبب.
هنا يمكن أن يثار تساؤل حول لماذا هذا التوقيت تحديداً؟ وما المتغيرات التي شهدها المجتمع المصري، التي يمكن أن تكون سبباً لمثل هذا القرار، بخاصة أن المجتمع المصري حينها كان فيه درجة كبيرة من الانفتاح والتسامح وقبول الآخر، ولم تكن الأفكار المتشددة سائدة في هذا العصر عند عوام الناس.
لكن بالبحث في المشهد السائد حينها يمكن الاستناد إلى متغير جديد شهده المجتمع المصري، وهو ظهور جماعة الإخوان المسلمين منذ أعوام كجماعة دعوية وإعلانها دخول معترك العمل السياسي في مؤتمرها الخامس عام 1939، الذي أعلن الانتقال إلى مرحلة التنفيذ بعد إتمام مراحل التأسيس والتعريف والتشكيل، قد يكون هذا أحد الافتراضات التي يمكن الاستناد إليها عند البحث عن سبب لإبعاد القارئات من المشهد في وقت كن في ذروة النجاح.
فمن وجهة نظر الباحث في التراث عبدالرحمن الطويل "لا توجد فتوى أو قرار رسمي في سجلات دار الإفتاء في وقت منع القارئات عام 1940 ينص على أنه لا يجوز وجود قارئات من النساء، وغالباً ما حدث هو أن جهات دفعت وضغطت لاتخاذ هذا القرار من وراء الستار قد يكونون مشاهير القراء من الرجال الذين تحفظوا على منافسة القارئات لهن باعتبار أن بعضهن كن ذائعات الصيت، وحققن شهرة طاغية ويطلبن للقراءة في مناسبات مختلفة، وقد يكون هناك تيار متشدد من المشايخ بدأ في الظهور والتأثر بأفكار جماعات الإسلام السياسي، يمكن أن يفتح هذا مجالاً للبحث، إضافة إلى دراسة أفكار المشايخ الذين تولوا مناصب في هذه الحقبة وكيف كانت توجهاتهم".
ويضيف الطويل، "من المؤكد أن الجماعات الدينية المتشددة سواء الإخوان أو الجماعات السلفية هي السبب في منع القارئات وإخفائهن من المشهد العام في العقود اللاحقة، هذا مؤكد ولا جدال فيه، بخاصة في المناطق التي فرضوا سطوتهم عليها بشكل كبير، ومن بينها المناطق الريفية فمن يمكن أن يقيم سرادقاً للعزاء أو لإقامة ليلة قرآنية، ويستقدم فيه امرأة للتلاوة في ظل هذا الوضع وفي سياق سيطرة أفكارهم التي أصبح لها ظهير شعبي، التي تقلص وتمنع حضور النساء في المجال العام، هذه الجماعات كان لها تحفظات أيضاً على قراءات بعض المشايخ الرجال وأسلوب تلاوتهم، أما في ما يتعلق بكونهم سبب منع القارئات من الإذاعة مطلع الأربعينيات فهذه فرضية قائمة بقوة تحتاج إلى البحث والتقصي، باعتبار أن شوكتهم كانت قويت في المجتمع وبدأوا في محاولة تطبيق أفكارهم على أرض الواقع".
باقيات في المجتمع
من المفارقات أنه بعد صدور قرار منع القارئات من الإذاعة انهالت الخطابات عليها مطالبة بعودتهن، مما يدلل على الشعبية والقبول المجتمعي، إلا أن هذا لم يُجدِ، فاختفت القارئات من الإذاعة غير أنهن بقين حاضرات في المجتمع للقراءة في المحافل المختلفة، حتى إنه عام 1955 ظهرت الشيخة منيرة عبده في فيلم (الله معنا) كقارئة ضمن سياق الأحداث مما يدلل على أنها كانت لا تزال معروفة في المجتمع بعد مرور نحو 15 عاماً على منعها من التلاوة في الإذاعة.
وفي السياق ذاته فقد قامت أم كلثوم في فيلم (سلامة) عام 1945 بتلاوة آيات من القرآن في نهاية الفيلم، اعتبرها بعضهم تمثل صورة من صور جس النبض عما تردد من أنها تفكر في تسجيل القرآن بصوتها، وأن هناك فكرة للقيام بهذا الأمر، وقد نشر تحقيق صحافي في مجلة "آخر ساعة" في الخمسينيات طرح تساؤلاً عن ماذا لو سجلت أم كلثوم القرآن بصوتها معتمداً على رأي بعض المشايخ، واعتبره البعض مثل بالون الاختبار لقياس رد فعل المجتمع، إلا أن الأمر لاقى هجوماً كبيراً من مشايخ هذا العصر الذين لم يشجعوا الأمر على الإطلاق، جرت محاولات لاحقة لإثارة المشروع، وطرح أنه سيجري تخصيص العائد من التسجيلات لدعم الطلاب باعتباره عملاً لوجه الله إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل، ويبدو أن أم كلثوم نفسها تراجعت عن رغبتها خوفاً من أن يؤثر ذلك في شعبيتها بصورة أو بأخرى.
يشير الباحث في تراث التلاوة والإنشاد، هيثم أبو زيد، "أم كلثوم بالأساس جاءت من خلفية دينية، هي منشدة وحافظة للقرآن قبل أن تكون مطربة وصوتها به مساحات صوتية تناسب تلاوة القرآن، هي صوت لا مثيل له سواء في التلاوة أو في الغناء فعندها مساحة من قرار الرجل لا تتوافر لكثير من النساء، وهو إعجاز نادر، وهي تعلو وترتفع بصوتها بشكل مبهر، وكان بلا شك وجود تسجيل للقرآن بصوتها سيكون تجربة فريدة بين القراءة النسائية باعتبار أن صوتها كان حالاً استثنائية".
الشيخة خوجة إسماعيل من القارئات في الإذاعة المصرية (مواقع التواصل)
لم تقتصر النساء في مصر على التلاوة وعندما تذكر القارئات في مصر لا بد من ذكر الشيخة أم السعد المولودة في عام 1925، التي عاشت في الإسكندرية، التي إلى جانب التلاوة كانت تمنح الإجازة للقراء والمشايخ، وهي من أشهر النساء في هذا الأمر ليس في مصر وحدها، بحسب المتخصصين فإنها كانت القارئة الوحيدة في العالم التي تقرأ بالعشر وتمنح الإجازة فيها، الشيخة أم السعد لها مئات التلاميذ الحاصلين على الإجازة منها في العالم كله وأشهرهم في مصر حالياً هو الشيخ أحمد نعينع، القارئ الشهير الذي دائماً ما يذكرها في لقاءاته الإعلامية وعلى منصاته على السوشيال ميديا ويشير إلى فضلها عليه، وأنه تعلّم على يديها، وكان يقرأ عليها يومياً في أثناء فترة دراسته في كلية الطب بالإسكندرية حتى منحته الإجازة، وأصبح من أشهر قراء العصر.
يقول عنها الباحث في التراث، عصمت النمر، "حصلت الشيخة أم السعد على الإجازة وعمرها 23 سنة من شيختها نفيسة بنت أبو العلا التي كانت ذائعة الصيت حينها، ومن أكثر النساء علماً بالقرآن في هذا الزمن فمنحت الشيخة أم السعد الإجازة بسند متصل بالنبي (ص) برواية حفص عن عاصم، بسلسلة تضم 27 راوياً تبدأ من شيختها نفيسة وحتى جبريل عليه السلام، كان منزلها دائماً عامراً بالطلاب الوافدين إليها من كل أنحاء البلاد للحصول على الإجازة.
ويلفت النمر "عندما كانت تسافر الشيخة أم السعد للحج والعمرة كانت تمنح الإجازات للقراء من كل الدول الإسلامية فحصل قراء من السعودية ولبنان وفلسطين وأفغانستان والسودان وباكستان، ومن كل العالم الإسلامي على إجازاتهم في القراءة منها، وقد كان أول من حصل على الإجازة من الشيخة أم السعد هو زوجها الشيخ محمد فريد نعمان، توفيت أم السعد عام 2006، لكنها بقيت من رموز القارئات في مصر".
هل يفتح الباب أمام جيل جديد من القارئات؟
عام 2009 قام الشيخ أبو العينين شعيشع، وكان وقتها نقيباً للقراء بمبادرة لإعادة القارئات، قامت الدنيا عليه حينها، وثار عليه مشايخ الجماعات المتشددة، وكان هناك رفض لمجرد طرح الفكرة من أساسها، وأجبر على التراجع، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الشيخ شعيشع حضر عصر القارئات، وكان شاهداً على وجودهن ونجاحهن في الإذاعة، وعلى قبول المجتمع تلاوة النساء القرآن، إلا أنه لاحقاً صار الأمر لا يتعلق بالتلاوة والكفاءة لها، لكن برغبة من بعض التيارات لحجب النساء عن المشهد العام، ومن بينه وجود قارئات للقرآن يقرأن على الملأ.
في يوليو (تموز) الماضي، أعلنت نقابة القراء في مصر عن فتح باب القيد للمرة الأولى في تاريخها أمام النساء، وهو شيء غير مسبوق، إذ لم تنتسب أي امرأة لنقابة القراء من قبل، وهو ما يمثل إنجازاً كبيراً يمكن أن يكون له صدى في المستقبل القريب بوجود قارئات في المجال العام.
حول هذا الأمر، يقول نقيب القراء، شيخ عموم المقارئ المصرية، الشيخ أحمد حشاد، "في ما يتعلق بالقارئات كان الباب مغلقاً تماماً أمام قيد النساء في نقابة القراء منذ إنشائها، وكان هناك اتجاه رافض بصورة قاطعة، ومنذ أن توليت النقابة سعيت لهذا الأمر، وبالفعل جرى فتح باب القيد لعضوية القارئات في النقابة، هناك إقبال كبير، وجرى قيد كثير من القارئات، وقبل قيدهن يخضعن لاختبارات مكثفة حتى يجري اعتمادهن، سينعكس هذا بالإيجاب على وجود نساء موثوق في قدرتهن على التلاوة، وفي الوقت نفسه فإن النساء ينتشرن بشكل كبير في مجال تحفيظ القرآن والمصريات لهن باع طويل، وهن منتشرات في مصر وفي الدول العربية فالنساء أكثر طلباً في مجال التحفيظ، باعتبار أنهن يتعاملن مع مجتمعات النساء والأطفال".
مع ظهور الإذاعة كان للقارئات حضور فيها وكريمة العدلية واحدة منهن (مواقع التواصل)
ويوضح حشاد، "لا يوجد مانع شرعي من وجود قارئات للقرآن كما كانت الحال سابقاً، لكن بعض فئات المجتمع إضافة إلى الجماعات المتشددة لها تحفظات، وهو ما انعكس على الحال السائدة من عدم وجود قارئات في العصر الحديث، لكن نأمل أن تساعد هذه الخطوة ويكون لها أثر".
منذ أعوام عدة وفي أثناء افتتاح الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي المؤتمر الوزاري الثامن لمنظمة التعاون الإسلامي الخاص بالمرأة، وباعتبار أن غالباً الاحتفالات أو المشروعات الكبرى التي يفتتحها الرئيس تبدأ بقراءة آيات من القرآن بصوت أحد المشايخ، فوجئ الحضور ومتابعو الافتتاح عبر وسائل الإعلام بأن القرآن سيجري تلاوته بصوت فتاة، الزهراء لايق ابنة محافظة كفر الشيخ، التي كان عمرها حينها 18 سنة فقط، هي أول فتاة تقرأ أمام رئيس للجمهورية في مصر، أبهرت الزهراء الناس وقتها بحسن تلاوتها وجمال صوتها.
Loading ads...
حصلت القارئة على المركز الأول على العالم كأفضل صوت عام 2019، وحصلت على كثير من الجوائز في التلاوة والإنشاد، تشارك الزهراء قراءها وإنشادها حالياً عبر منصاتها على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، وتتلقى الإشادة والدعم من قطاعات واسعة من الجماهير، ولا تخلو منصاتها من الهجوم والاستنكار من ذوي التوجهات المتشددة، فما بين أولئك وهؤلاء هل تفتح القارئة الشابة الواعدة الباب مجدداً أمام جيل جديد من القارئات المصريات ليستكملن مسيرة دولة التلاوة في عصر جديد؟
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه






