السائرون في شوارع وأزقة القاهرة التاريخية، أينما ولوا وجوههم، رأوا الأبنية الأنيقة ذات التصميمات المعمارية الملفتة للنظر، خاصة المساجد التي تملأ دروبها، وكل منها له سمات وطرز معمارية دون الآخر، وتُعبر عن عصر من العصور التي عاشت فيها المدينة.
ففي ميدان صلاح الدين في القلعة، يجاور مسجد السلطان حسن (مملوكي) جامع الرفاعي (حديث)، وعلى الجانب الآخر من الميدان يوجد مسجد المحمودية (عثماني)، ويطل عليهم من أعلى قلعة صلاح الدين (أيوبي) مسجد محمد علي (عثماني).
أما في حي الجمالية فهناك مسجد محمد بك أبو الدهب (عثماني) على بعد خطوات من مسجد الأزهر (فاطمي)، الذي يقابله مسجد الحسين (فاطمي)، القريب من شارع المعز المزدحمة بالعمائر الإسلامية.
رغم أن هذه العمائر الإسلامية تنتمي إلى عصور إسلامية محددة، وتحمل طابعها المعماري، إلا أنها تأثرت بطرز معمارية سابقة لها أو وافدة عليها، مثل الطرز المعمارية والفنية الأندلسية، التي ظهرت في مصر نتيجة حركة التجارة بين مصر والأندلس، ثم لتوافد الهجرات الأندلسية مع السقوط المتتابع لمدن الأندلس، بداية من سقوط مدينة طليطلة (478هـ/ 1085م)، وقد أدى ذلك لظهور مفردات ولمسات من الفنون الأندلسية في العمارة الإسلامية بمصر.
لكن البداية الحقيقية لتعرف مصر على الفنون والثقافة الأندلسية، كانت مع هجرة نحو 15 ألفاً من الأندلس، بعد أحداث ثورة الربض، التي حدثت في عهد الحكم بن هشام، واستقرارهم في مدينة الإسكندرية، كما ذكر ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ"، واحتكاكهم مع أهل مصر وتبادل الخبرات الثقافية فيما بينهم، وخاصة في مجال الفنون والعمارة الإسلامية.
وهذا ما يشير إليه الجبرتي في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، أن طوائف المغاربة كان لهم أثر في جميع صور الحضارة في مصر، سواء سياسية أو دينية أو اقتصادية أو عمرانية، بداية من العصر الفاطمي، مروراً بالعصور التالية لها. وهذا ما يؤكده علي مبارك في كتابه "الخطط التوفيقية"، أن أهل الأندلس والمغرب لم يأتوا لتلقي العلوم الشرعية وحسب، بل قاموا ببناء المساجد والزوايا، خاصة بالقاهرة والإسكندرية.
وهذا ما سوف نلقي الضوء عليه للتعرف على ملامح فنون العمارة الأندلسية في مصر. ولكن أولاً، سوف نتعرف على أبرز العمارة الأندلسية، أي "جامع قرطبة".
تأتي أهمية الجامع لما شهده عبر العصور من تطور معماري وزخرفي كان له أثر على ملامح الفن الإسلامي، سواءً في مغربه أم مشرقه، فهو بادية الفن الأموي وأساس الفن الأندلس بطرزه المتنوعة والفريدة، التي نتجت من عادات وفنون مشرقية امتزجت مع عادات وفنون محلية في الجزيرة الإيْبِيرِيّة، وتطور عبر السنين مع نمو المجتمع ثقافياً وحضارياً، حتى أصبح له مذاق خاص وهوية متفردة.
فقد انتهى بناء المسجد في عهد عبد الرحمن الداخل، سنة 170هـ، وقد شهد الجامع ثلاثة تجديدات رئيسية، أسست للفن الأندلسي، وفيه نبتت أصول هذا الفن، وفيه أزهر وأثمر، وامتدت جذوره شرقاً وغرباً، كما يقول عبد العزيز سالم في كتابه "في تاريخ وحضارة الإسلام في الأندلس".
وبحسب عبد العزيز سالم، كانت الإضافة الأولي للجامع في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط (216-238هـ) بزيادة عدد الأروقة، وتجديد الزخارف، ثم جاءت الزيادة الثانية في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله (350-366هـ)، حيث زاد من مساحة المسجد بعد أن ضاق بالمصلين، وجعل لبيت الصلاة (جدار القبلة) قبة كبرى مخرمة، تسمح بمرور الضوء، كما أضاف على جانبيها قبتين، وجعل الفسيفساء بجوار المحراب، وأجرى الماء إلى سقايات الجامع، وأقام منبراً مركباً من 36 ألف وصلة.
وتلت تلك الزيادات، زيادة المنصور بن أبي عامر (371-393هـ)، وهي أكبر الزيادات التي شهدها الجامع، واتسمت تلك الزيادة بالاهتمام بأحكام البناء. وما يميز الجامع تنوع الزخارف، فالعين لا تقف عند نقطة معينة، بل تنتقل من مكان إلى مكان.
كما يميز الجامع القبابُ التي قوامها هيكل من الأقواس البارزة المتقاطعة فيما بينها، وقد كسي ما بين تقاطع الأقواس بالزخارف الجميلة.
تتجلي التأثيرات الأندلسية في بعض المآذن التي شيدت في العصر المملوكي، وهي تتسم بالشكل المربع وليس الأسطواني. ونجد هذا جلياً في مئذنة مسجد سيدنا الحسين، والمدرسة الصالحية (تضم مسجداً ومدرسة وضريحاً وبيمارستاناً)، ومدرسة المنصور قلاوون (698-703هـ) الذي يزين شارع المعز بوجهته الرائعة ويطل عليه بمئذنته الشاهقة من الجانب الشرقي لواجهة الضريح، وهي مكونة من ثلاثة طوابق؛ الأول والثاني مربعا الشكل ومزينان بزخارف مقرنصة وكرانيش وعقود حدوة الفرس. هذا إلى جانب شبابيك وزخارف بارزة وشرائط كتابية.
أما الطابق الثالث فأسطواني الشكل ومزين بزخارف هندسية يشبه العقود المتقاطعة، وجميعها من الأساليب الأندلسية التي ظهرت في المئذنة الأولى لجامع قرطبة في عهد هشام بن عبد الرحمن الداخل (172-180هـ).
وأيضاً على ضفة نهر النيل، بنى الأمير محمد علي توفيق قصراً له، وأتم بناءه سنة 1938، ما زال يحمل اسمه حتى اليوم بعد أن أصبح متحفاً، وهو ذات طراز معماري فريد، وأكثر ما يميز القصر برج الساعة الذي يقع بين سراي الاستقبال والمسجد، وهو أشبه بالمآذن أو الصوامع المنتشرة في الأندلس.
فبرج الساعة وصومعة "الخيرالدا" في إشبيلية، قريبان من حيث الشكل في البناء والزخارف التي تزين الوجهات الأربع لكل منهما.
من ذهب لزيارة مسجد أحمد بن طولون (265هـ)، وحالفه الحظ أن يصعد أعلى مئذنته ذات الطابع المعماري المميز، يجد أن هناك قنطرة تربط بين المئذنة والجدار الشمالي للمسجد، محمولة على عقدين متجاورين شديدَي الانحناء (أشبه بحدوة الفرس). هذا النوع من العقود الحدوية تم اقتباسه من طرز العمارة الإسلامية في مدينة قرطبة، ويمكن رؤية نموذج له في مسجد قرطبة، كما أوضح باسيليو بابون في كتابه "عمارة المساجد في الأندلس".
وقد تم إضافة هذا النوع من العقود الحدوية في عهد السلطان حسام الدين لاجين المنصوري سنة 696هـ/ 1297م، عندما قرر إعادة عمارة المسجد وإجراء بعض الإصلاحات فيه.
بالقرب من شارع السيوفية في حي الدرب الأحمر، يقع مسجد الأمير ألماس الحاجب (730هــ)، ويتوسط الواجهة الرئيسية للمسجد مدخل عميق أعلاه معقود بمقرنصات، أشبه بالمقرنصات التي ظهرت في قاعة الذهب في قصر الجعفرية في سرقسطة، المتعلق بأبي جعفر أحمد المقتدر بالله (438-474هـ) في عهد ملوك الطوائف، بحسب السيد عبد العزيز سالم في كتابه "المساجد والقصور في الأندلس". كما توجد المقرنصات في قباب قصر الحمراء، والذي يعود إلى أسرة بني الأحمر التي حكمت غرناطة (635-897 هـ)، كما يمكن مشاهدة القباب والمآذن المزخرفة بالمقرنصات في جامع المؤيد شيخ بجوار باب زويلة، وغيرها من العمائر المملوكية.
والمقرنصات هي عنصر زخرفي يشبه شكل المحراب الصغير إذا نُظر له منفرداً، لكن عندما يجمع في صفوف متوازية ومنظمة فوق بعضها البعض فإن شكله يشبه خلايا النحل.
داخل جامع الأزهر (361هـ)، في الجهة الغربية منه، تم تأسيس ما يُعرف بالرواق العباسي، سنة 1315هـ. ويمتاز هذا الرواق بأن تيجان الأعمدة المستخدمة فيه أشبه بالتيجان في جامع قرطبة وقصور الحمراء في الأندلس.
وتتسم التيجان هنا بأنها مكونة من ثلاثة أجزاء؛ من الأسفل جزء أسطواني له زخرفة أشبه برأس الحية، ثم جزء مكعب الشكل مزخرف بمجموعة من التوريقات النباتية المكررة في الأوجه الأربعة للمكعب، وأخيراً طبلة التاج، الخالية من أي زخارف، ويمكن أيضاً رؤية هذا النوع من التيجان في جامعَي الإمام الشافعي والسيدة نفيسة.
في حي الزمالك، تم بناء قصر سميحة بنت السلطان حسين كامل، سنة 1320هـ، وهو تحفة معمارية ثرية بفنون العمارة الإسلامية والأوروبية، وخاصة العمارة الأندلسية؛ فواجهة القصر المطل على نهر النيل، كُسيت بمجموعة من الزخارف الهندسية المتصلة ببعضها بعضاً، والمعروفة بالشباك المعينة، واستخدمت أيضاً في تزين جدران البهو.
والِشباك المعينة هي عبارة عن نوع من الزخارف الهندسية المتصلة ببعضها المعروفة بـ"كتف ودرج"، مما يجعلها أشبه بالشباك. وهي تزين جامع قرطبة، ومئذنة جامع القصبة في إشبيلية، وأيضاً قصور الحمراء بغرناطة.
Loading ads...
تلك المظاهر المعمارية التي ظهرت في مصر قادمة من الأندلس، تعكس تناغم العمارة الإسلامية فيما بينها من شرق وغرب العالم الإسلامي، وقدرتها على التنوع والتواصل فيما بين المدارس المختلفة مع الحفاظ على الطابع المميز لكل بلد.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً






