شهر واحد
ما السبب وراء ارتفاع أسعار السلع في الأسواق السورية قبل رمضان؟
الثلاثاء، 17 فبراير 2026

مع اقتراب شهر رمضان المبارك، الذي طالما ارتبط في الأذهان بالخير والبركة والتكافل الاجتماعي، يعود السوريون ليجدوا أنفسهم أمام معادلة قاسية لا تتغير، مواسم دينية تتحول إلى أعباء اقتصادية خانقة.
فقبل أيام قليلة من حلول الشهر الفضيل، تفجرت أسعار المواد الغذائية في الأسواق السورية بشكل لافت، لتحول همّ تأمين لقمة العيش إلى كابوس يومي يثقل كاهل مواطن تنهش جيبه سنوات من الحرب والحصار وتراجع القدرة الشرائية.
قفزات أسبوعية مقلقة
سجلت أسعار معظم السلع الأساسية قفزات تراوحت بين 10 و20 بالمئة مقارنة بالأسبوع الماضي فقط، في ظاهرة تكرر نفسها سنويًا، لكنها باتت أكثر إيلامًا مع تفاقم الأزمة الاقتصادية.
وتشير بيانات حديثة إلى أن الأسواق السورية شهدت خلال الأيام الأخيرة موجة غلاء واسعة شملت الحبوب والخضار والمواد المعلبة، ما حوّل قائمة الاحتياجات الرمضانية من عادة اجتماعية موسمية إلى عبء اقتصادي إضافي يثقل ميزانيات الأسر، خاصة في ظل غياب أي مؤشرات على استقرار الأسعار أو تدخلات حكومية فعالة لكبح جماح التضخم المتسارع.
ويأتي هذا الارتفاع في سياق تضخمي أوسع، إذ تشير تقديرات اقتصادية إلى أن سلة الإنفاق الشهرية للأسر السورية قد ترتفع إلى نحو 3.25 ملايين ليرة سورية بحلول آذار/ مارس 2026، مع توقعات بوصول التضخم السنوي إلى ما بين 90 و100 بالمئة، وهو ما يعكس انتقال الاقتصاد السوري إلى مرحلة ما يعرف بـ”تضخم الركود” الذي يجمع بين ضعف النمو وارتفاع الأسعار في آن واحد.
طلب موسمي أم فوضى سوق؟
في إطار البحث عن تفسير، تتعدد الروايات ما بين زيادة الطلب الطبيعي مع حلول الشهر الكريم، وبين سلوكيات انتهازية لتجار يستغلون الموسم لتحقيق أرباح مضاعفة، لتتداخل مع عوامل هيكلية أعمق تعكس اضطراب السياسات الاقتصادية.
يكشف أمين سر “جمعية حماية المستهلك” في سوريا، عبد الرزاق حبزة، النقاب عن أحد أبرز الأسباب المباشرة لهذه الموجة الارتفاعية، في مقدمتها قرار منع استيراد بعض المواد الزراعية، الذي نُفذ مطلع الشهر الجاري، وفق ما نقل عنه موقع “هاشتاج”.
وأوضح أن قرار وقف استيراد الفروج والبيض والبرتقال والليمون، والذي يأتي ضمن مسعى لحماية الإنتاج المحلي وتشجيع المنتج الوطني، يبدو أنه جاء في غير وقته ولا مكانه الصحيحين/ مشيرًا إلى أن نتيجته العكسية تجلت بوضوح في ارتفاع أسعار الدواجن بشكل جنوني، إذ قفز سعر كيلو شرحات الدجاج ليخترق حاجز الخمسين ألف ليرة سورية، بعد أن كان يتأرجح بين 42 و45 ألفًا قبل تطبيق القرار.
سياسات تجريبية بلا تخطيط
يصف حبزة هذه القرارات بأنها “تجريبية”، تُتخذ لشهر أو شهرين لرصد آثارها، مما يشير إلى غياب التخطيط المسبق القائم على دراسات دقيقة لاحتياجات السوق، خاصة في موسم يزداد فيه الاستهلاك بشكل حاد.
وفي المقابل، يبدو أن دور الدولة في ضبط الأسواق قد تغير جوهريًا، فلم تعد وزارة التجارة الداخلية تمارس دورها التقليدي في تحديد الأسعار والتدخل المباشر لردع المحتكرين.
ويوضح حبزة أن مهام الوزارة تركزت في الآونة الأخيرة على الإعلان عن الأسعار الاسترشادية واختبار العينات للتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية، دون سلطة فعلية على التسعير.
فوضى الأسعار تتسع
هذا ما أكده أيضًا مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك بدمشق، غياث بكور، الذي صرح سابقًا بأن المديرية لا تتدخل بالأسعار طالما كانت ضمن “الحدود المعقولة”، تاركة للمستهلك حرية الاختيار، وهو ما يفسر التفاوت الكبير في الأسعار بين محل وآخر، ويضع المواطن في حيرة أمام فوضى سعرية تزداد حدتها مع اقتراب رمضان.
من جانبه حلل الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، الأسباب في سياق أوسع، مشيرًا إلى عاملين رئيسيين، الأول هو ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل كبير، نتيجة الزيادات المتلاحقة في أسعار المحروقات ووسائل النقل، إضافة إلى المواد الأولية المستوردة التي تتأثر بتقلبات سعر الصرف، بحسب “عربي 21”.
وأوضح أن هذا يخلق ضغطًا تصاعديًا على الأسعار لا يمكن للدولة احتواؤه في ظل غياب الدعم الفعال للإنتاج، أما العامل الثاني، فيتعلق بسلوك التجار أنفسهم، الذين يلجؤون إلى تخزين المواد استعدادًا لرمضان، انتظارًا لبلوغ الأسعار ذروتها وتحقيق أرباح مضاعفة.
المضاربة تسبق رمضان
هذا السلوك المضاربي، الذي يصفه الدبس بـ”الأسف”، يُحمّل المواطن أعباء إضافية، خاصة في ظل ضعف الرقابة وعدم استقرار سعر صرف الليرة الذي يدفع التجار إلى رفع الأسعار كهامش أمان تحسبًا لأي انخفاض جديد في قيمة العملة.
في المحصلة لا تبدو موجة الغلاء الراهنة مجرد انعكاس لزيادة استهلاك ظرفية مرتبطة بشهر رمضان، بقدر ما تمثل نتيجة مباشرة لتداخل عوامل عدة تشمل ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتقلبات سعر الصرف، وضعف الإنتاج المحلي، وقيود الاستيراد، فضلًا عن ممارسات احتكارية داخل السوق.
Loading ads...
وبينما تستعد الأسر السورية لاستقبال الشهر الفضيل، يجد كثير منها نفسه مضطرًا لتقليص استهلاكه أو الاستغناء عن بعض المواد الأساسية، في ظل دخول محدودة لم تعد قادرة على مجاراة تسارع الأسعار، ما ينذر بتحول الموسم الذي يفترض أن يحمل طابعًا اجتماعيًا وتضامنيًا إلى اختبار اقتصادي جديد لقدرة السوريين على الصمود في مواجهة أزمة معيشية مستمرة.
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
اقرأ أيضاً





