شهر واحد
بين طرفٍ اصطناعي وحلمٍ مؤجل: فتى من ريف دير الزور يحاول استعادة جزء من طفولته
الخميس، 25 يونيو 2026
بعد سنوات من النزوح والانتظار، عاد عامر، 11 عاماً، مع عائلته إلى قريتهم في ريف دير الزور، حاملاً معه كغيره من العائلات أمل العودة إلى حياةٍ أكثر استقراراً بعد أن وضعت الحرب أوزارها. لكن هذا الأمل لم يدم طويلاً، إذ بعد أسابيع قليلة من العودة، تغيّر مسار حياته بالكامل حين تعرّض لإصابة خطيرة أفقدته ساقه بسبب جسم من مخلفات الحرب.
وقصة عامر ليست حالة فردية في سوريا، بل جزءاً من واقعٍ متكرر في بلدٍ ما زالت أرضه مثقلة بآثار سنوات طويلة من العنف. فالأطفال، الذين يفترض أن تكون ساحاتهم مدارسهم وألعابهم، يجدون أنفسهم أحياناً أمام أجسام متفجرة مخفية في التراب، لتحول حياتهم في لحظة إلى مأساة جماعية.
يخبرنا عاملون في هذا المجال بأن التلوث بالذخائر المتفجرة في سوريا ما يزال واسع النطاق، إذ تم تسجيل آلاف الحوادث خلال فترة قصيرة، معظمها في المناطق الزراعية ومراعي المواشي، ما يجعل أبسط تفاصيل الحياة اليومية محفوفة بالمخاطر، بعد أن تحول الوصول إلى الأرض، ورعي الحيوانات، وحتى لعب الأطفال خارج بيوتهم، إلى أنشطة تحمل بين ثناياها خطر الإصابة في أية لحظة.
بعد الإصابة، بدأت رحلة عامر مع العلاج والتأهيل، تنقّل خلالها بين الكرسي المتحرك والعكازات، في حين كانت أسرته تقطع مسافة طويلة تصل إلى ساعتين حتى تصل إلى المستشفى من أجل الاستشارات الطبية بخصوص حالته، ما جعل تلك الرحلة مرهقة مادياً وجسدياً، وخاصة بالنسبة لطفل في سنه. وتخبرنا عائلته، بأن ألمه لم يقتصر على الإصابة فحسب، بل تمثل أيضاً بصعوبة في الحركة وارتفاع أجور التنقل والحاجة المستمرة للمتابعة الطبية.
ورغم الانتظار الطويل الذي استمر قرابة عام، حصل عامر في نهاية المطاف على طرفٍ اصطناعي في كانون الأول 2025، ما منحه خطوة جديدة نحو الاستقلالية. وبمرور الوقت، بدأ يتأقلم مع وضعه الجديد، حتى وإن ظلّ المشي لمسافات طويلة مؤلماً ومتعباً.
يقول أحد أفراد عائلته إن الطرف الاصطناعي خفف العبء قليلاً، لكنه سيعتاده بمرور الوقت، على الرغم من أن كل خطوة تتطلب كثيراً من الجهد والصبر.
بدأت بعض مظاهر الحياة تعود إلى قرية عامر بالتدريج، بعد أن تم تطهير أجزاء من الأرض المحيطة بالقرية من الذخائر المنفجرة، ما خفف من إحساس الناس بالخوف، وسمح للأطفال باللعب مجدداً في بعض الأماكن. وفي تلك القرية، يحاول عامر استعادة جزء من طفولته؛ حيث يقضي وقته مع أطفال آخرين، ويعتني بالحمام الذي يربيه على سطح منزله، بعد أن تحولت هذه الهواية إلى شغف كبير لديه، فصار يتحدث عنها بفخر واعتزاز.
ولكن رغم هذا التحسن النسبي، تبقى التحديات أكبر من مجرد إصابة فردية. فالمسافة إلى المدرسة، رغم أنها لا تتجاوز مئات الأمتار، أصبحت عقبة حقيقية بعدما تضرر المبنى ولم يُرمم بعد، في حين تبدو المدرسة البديلة بعيدة والوصول إليها شاق بالنسبة له. لذلك، بقي عامر بعيداً عن مقاعد الدراسة، وذلك ما يبدد حلمه البسيط في العودة إلى التعليم، إذ يحدثنا عن ذلك بقوله: "أريد أن أذهب إلى المدرسة مثل باقي الأطفال"، لكنه يخبرنا بأن المشي لمسافات طويلة ما يزال مؤلماً بالنسبة له، ولهذا يتمنى أن يدرس في مدرسة قريبة بحيث يستطيع أن يتلقى العلم من دون أن يشعر بكل هذا الألم.
في الوقت الذي بدأت فيه بعض القرى تعود لحياتها الطبيعية تدريجياً، يرى مراقبون أن للواقع وجهَين مختلفين، إذ هنالك عائلات تعود إلى بيوتها، إلى جانب حركة إعادة إعمار جزئية مع ظهور حركة في الشوارع، ومن جهة أخرى هناك إرهاق واضح لدى السكان الذين يواجهون ضغوطاً اقتصادية ومعيشية قاسية، في ظل غياب فرص العمل وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية.
ورغم الجهود المبذولة لإزالة مخلفات الحرب، يؤكد العاملون في المجال الإنساني أن الخطر لم يختفِ بعد، وأن الحوادث ما زالت تُسجَّل في مناطق قريبة، ما جعل الأهالي يختبرون إحساساً بعودة الحياة إلى طبيعتها، من دون أن يزول ذلك القلق تجاه الأرض وما تخفيه من آثار الحرب تحت طبقاتها.
وهكذا، تتقاطع حياة عامر بين ألمٍ جسدي وحلمٍ مؤجل، وبين رغبة طفل في اللعب والدراسة، وواقعٍ ما يزال يفرض عليه وعلى أقرانه تحديات تفوق أعمارهم بكثير.
Loading ads...
المصدر: HI Organization
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه

